تجربتي في الغربة


 
الصدى-تجربتي-في-الغربة

عرفت الغربة أول مرة عام 1977 ،في اول زيارة سياحية لي لبريطانيا، وفرنسا استغرقت شهرا ، ثم عرفتها ،فعركت هوامش منها ،ثم اقتربت منها اكثر، بزيارات اطول، لبريطانيا فإسبانيا واليونان وهنغاريا وشمال افريقيا ودول الخليج استغرقت سنوات طوال مما غير الكثير من اتجاهات رؤاي لمنظر الحياة العام.. وحرك سواكنا خامدة فيّ ..وجعلني اعيد فاستعيد ،قراءتي للتاريخ ،وسيسولوجيا المجتمعات التي خرجت منها، لاسيما مجتمعي المحلي الذي كنت اعيش، في قريتي التنومة، شرق البصرة، فقد كان مجتمعا محافظا،متوحد الظاهر رغم ما يمور في دواخله،من خلاف وإختلاف،في في الفكر والسياسة، لا المذاهب..لكنه كان يقتات برمته على التراث!! ..فكنا نعيشه في تفاصيل حياتنا، الرتيبة الساكنة،فنسمعه ..ونلهمه.. ويقتات بعضنا عليه، مندلقا من افواه امهاتنا ،وآبائنا،واجدادنا،وجداتنا..! كنانموت عليه احياءا،

برغم اختلاف بعضنا عن بعض في الإنتماءات العرقية،والسياسية،ومانتج عن ذلك من سيل للدماء احيانا..!كانت ثقافتنا،رمحا منكسرا منذ القدم..فهي شفوية ..مروية.. كتاريخ العرب المزور برمته ..!!كنا نفتقد الأهلية لقرار علمي ما.. لا في تربيتنا حسب، انما في معتقداتنا برمتها..وقد اكتشفت بعد مشوار طويل طفته في تلكم البلدان،واخذ رهطا طويلا من حياتي.. ان النخل لا يزرع في بحر الشمال!!..ولن اجد في غربتي هناك ،بشرا ياكلون الكوكالله..والطرطير،والحندكوك،والشيخ اسم الله..!ماوجدت المحروق اصبعه..!ولاالمسموط..! ولا دكاكينا للباجة، كما في سوق المقام بالعشار..لاشئ من كل هذا في سواحل اسبانيا الشرقية الرملية..او تخوم اوربا الشمالية كهولندا ،وبلجيكا، والمانيا وغيرها..! نعم.. قد نأكل في بعض مطاعمها الساحلية، سمك الخشني (ابو خريزة) الذي تعودناه في العراق..فهو موجودعلى امتداد مطاعم سواحل جزرمايوركا، وايبيزيا ،وبالما،في المتوسط، ومدن فالنسيا والميرية ،والكانتي على الساحل الشرقي الإسباني التي عشنا.. لكننا لانتنكه بنكهة طبخ امهاتنا.. لا نشم بخورهن ..لا نشم محموسهن..لا نسمع طقطقة حرملهن كل غروب ،في درابيننا، ..ولاكنا نسمع أذانين في غروب واحد..لا نحضر الزيارات الدينية ..لا نمارس طقوسها..لانتواجد في القرايات، ولامضايف الشيوخ..ولم نر ضرب الدرباشة ،ولا قذارت الأزقة، وعواءالسجون ،وضرب الأصفاد ،وجلد الأجساد وإن لحظة فكرنابموروثنا.. اولحظة تراجعنا عن مفهومنا..ماكنانتهتك وضعيا ،ونزدرى عقليا في غربتنا، كماكنا مهانون، مزردون في اوطاننا..لا نغتصب في غربتنا سلطويا ..لاننتهب انسانيا، لانعدم عرفيا، كما هو حاصل في بيوت وطننا ،ومساقط رؤوسنا..اوفي مدراسنا..ومشاغلنا.. وشوارعنا..لانلسع في غربتنابكرابيج قوانين حكامنا الجائرة..لاتغتصب نسواننا وبناتناعلى ايديهم..!!

اجل..كل شئ وجدناه مختلفا في غربتنا.. فصرامة قوانينها للحفاط على كرامتنا وكرامة غيرنا، حديّة..!!جبرية..!! متسلطة برداء من التهذيب ،والكياسة ،العاليين..فهي تمنحنا الحرية في ان نفعل اي شئ ..!عدا ان نتصرف بمباذلنا،على هوانا..تمنحنا الحرية، في عبودية لاتتجاوز على حدود غيرنا..عبودية لقوانينها..مستطابة!..عكس عبوديتنا في حرية مستظامة ،كما هو الحال في البلدان التي جئنا.. فقوانين الغربة انتقائية ،واستثنائية، قياسا لفوضى حريتنا القديمة..وتنميطية لعيش جديد لم نألفه في بلداننا فلن نلبس ههنا ثوبا فضفاضا..نفها..!لنلعب طوبة والبيت اظلم.!! وليس في غربتنا صراخ مستطاب كالعواء كما هو الحال في بلداننا..لاتشتت ،اوتشاكس ..لاتقاعس..واتكالية، ورمي الحبال على الغاربين، لاغلظة.. وخيانه.. ومروق ..وتحريف.. وتجريف ..وتزييف لكل شئ..فإن كانت هذه كلها كانت من مستحباتنافي اوطاننا..فهناك كل ماهو مخالف.. مستحب!..

الغربة علمتني كيف اتروض على تنميط افكاري على نحو غير انتهازي،رغم اني أأنف من هذه الصفة الذميمة.. لكنني احيانا أعود عاطفيا..فأستسلم لقوة العادة..فامارس إزدواجيتي..واحنّ لبدويتي..فأتنازل عن كبريائي لبعض سفاسفي قطعا!!.. في الغربة تعلمت كل ماهو جاف في نظام عصر اخلاطي كلها،واعاد نسجها..وإستباح تهتك حياتي ليحصّنها من قيمي المسوّمة بعفوية الميانة!.. والإنطلاق غير المحسوب.. او الفعل المحتسب.. تجربتي في غربتي ،علمتني ان أهدأ قليلا.. أنتصح ..وأرخ ركابي ..واسكـّن عبابي..اتلصص الطرقات،واتجنب النزوات.. خوفا من عقابي. فالمخالفة هنا يسيرة بمقدار التغريم والعقوبة المنتظرة.. لذلك وجد ت غربتي قاسية، ثقيلة.. ومروضّة .. لكنها مريحة الأواخر..فهي لا تشبه فوضاي على سواحل الخليج .. غربتي طفـّقتني اكتب لواعجي،إستعارة من زمن مفقود، بات ذكرى.. لا إنتخابا،زمان كان اصالتي بكل عيوبها،ومثالبها، دون ريب..!فالغربة جعلتني احفر بحثا عن كنوز ماضيي، في حاضر غامض..!..ولم تبق لي من ذاك سوى هوايات الصغر وهذا ما افعله الآن حقا.

لا تعليقات

اترك رد