تلك السويعات – ج١

 
لوحة للفنانة ريهام السعدني

كمن يسافر في قطار لبلاد الأساطير العجيبة ، دقائق وثواني و سويعات ،يقتطعها بصعوبة من دفتر تقويم أيامه،للروح فيها نصيب الأسد .
يودع عام ، ويستقبل آخر، مابين الوداع والترحيب يرقد الجسد مريضا ، آلام العظام تفتته، تخرج الروح للسفر ،تعشقه .
في محطة الجيزة تهبط ،لتصعد بحيوية ونشاط أربعة طوابق ،لتطرق الباب فيفتح ، تحتفي بأحضان دافئة وقبلات حانية وضحكات صافية.
قانون الصدفة وحده يحكمها ، تهبط الأدوار الأربعة. مرة أخري ، لكن ليست وحدها ، يرافقها تؤم روح امرأة ناضجة دافئة ،تميل للسمرة ، وتعشق الأسمر بكل درجاته ، روح تتأبط روح ، روحان هائمتان.
كافية السكرية بجامعة الدول والبرد يفتت عظام الجميع ، من دفئ ابتسامتها ، نستأذن النادل أن يبعد المدفأة عن مجلسنا !!
تتوالي الأحداث تارة عن الموسيقي ،وتارة عن اللوحات وتنتهي بأمنية أن تسعد الروحان برحلة للأقصر،بعد أن فاض الكلام عن تمثالي معبد الأقصر، وعن تلك الصورة المنقوشة علي جدران معبد حتشبسوت بالبر الغربي.
تبكي الأيام لغيابها . يتغير طعم القهوة في فمي ، أشعر بمرارتها رغم زيادة السكر.
أترك الفنجان ليغطيه الثليج ، كما يغطي سريري الآن، أغمض عيني. وأحدث نبض قلبي ، وفؤاد معدتي ، وعصب وركي النائح.
لا أعرف علي وجه التحديد لماذا طلبت منه أن يخفض من عدد نبضاته ،رغم أني اتناول دواء يؤدي هذه المهمة?
ربما أريده أن يفعلها من تلقاء نفسه اذا كان حقا يحبني كما يقول، ما فائدة أن تحب دون أن تعبر بكل الوسائل عن هذا الحب ? هل ثمة طريقة أخري للحب?
تقول السمراء أن الصمت أبلغ وسيلة للتعبير عن الحب ، وأنا أمقت هذه الجملة.
فتشت تحت وسادتي فوجدت بعضا من خواطري.
قرأتها علي عصب وركي النائح لعله يكف عن الصراخ
. من سفر إلي سفر
مرت سنوات العمر
بصخب شديد جاء عبر ممر عظمي لحمي
مليئ بالمطبات
يحبو مبكرا جدا
وتنتصب قامته
دونما استناد علي حائط
الريح والقمر والشمس
والشجر والطين
ولقيمات الخبز الجاف
وقطع الجبن القديم
وعيدان سريس وبصلة
هم أصدقاء تلك السنين
يوما بعد يوم
انضم لقائمة الأصدقاء
كتب وراديو ترانزيستور ..وليل حزين
وقليل من الأولاد
وكثير من البنات
وقطع صغيرة من اللحم البقري الأحمر
وصدور الدجاج البلدي
وخضار مطهي
وخبز ناشف
وحلم عميق
وسفر طويل للروح

وللبلدان
تعددت السفريات
وطالت الرحلات
وشئ ما
يفتقده
غائب عن روحه
يفتت مفاصله

وقبل نهاية العمر
رآه
من بعيد
كحلم
كطيف
ولما اقترب
كان سرابا
و ظل غيابا.

لا تعليقات

اترك رد