في اخر محطاته … رحيل عراقي


 

كل شيء في هذا المكان قديم … ضوئهُ خافت ومصابيحه صفراء قديمة … جدرانه تنبعث منها رائحة الماضي … تداعب ذكريات الطفولة لبيوت صغيرة بمساحتها .. كبيرة بمعانيها … هذه الرائحة القديمة لايشمها الا من كان يدرس ويأكل وينام في نفس الغرفة الصغيرة التي تجمعه مع باقي اشقائه .. رائحة رطوبة الجدران تلك .. ساحرة .. لها تأثير الخيال وتطلق العنان للذكريات وهي تنقلك للسير بين الازقة القديمة ولقاء الاصحاب الذين فارقتهم .. والوقوف امام الدكاكين وانت تحمل العملة المعدنية القديمة التي تمنحك حيرة التخير … وحدود الطموح ..

هذا المكان المعتم .. له ارائك يبدو انها لم تغير مكانها منذ ان لامست ارجلها الخشبية قطع “الكاشي البغداي” بنقوشه الخضراء والسوداء والتي افترشت ارضية هذا المقهى … وهناك الموقد .. هو أيضاً له حكاية اخرى يمنحك الدفئ وهو يروي قصص ابريق الشاي المتلون بالسواد بعد ان أًحُرِق خارجه بنار الموقد وتلون داخله بذات اللون لاحتضانه الشاي من عشرات السنين ..

في هذا المكان .. الذي لايعطي مدخله الخارجي الضيق حقيقة معانيه القديمة والواسعة .. والذي ان مررت به من الشارع لاتلاحظ وجوده .. هذا المكان كان مكان انتظاري لاحد اصدقائي .. موعد مفاجئ ولساعات معدودة وسريعة .. بعد طول سفر … كما هو قدر العراقيين .. الذي عشناه منذ الثمانينات ولحد هذه اللحظة ..

انتظرت هناك لدقائق جميلة .. دقائق تفحصت بها هذا المكان ونقلّتُ عيني بين اركانه وتفحصت كل قبة في سقفه وهي تحكي حكاية من الماضي .. وترسم لوحة الحزن .. وتروي مرارة الغربة التي بات يعيشها العراقيون اليوم .. هنا وقعت عيني على شخصٍ مهيب يعتمر سدارة بغدادية وضعت على رأسه باحتراف وهي تميل على جبهته بكل اناقة وكبرياء .. بعد ان تدلت سلسلة فضية من طرف سترته القديمة وهي تحمل ساعة يد وضعت في جيبه الصغير .. اخترقت نظراته فضولي وهو يرتشف شايه الاسود القاتم … وعيناه الحزينة تتساءل عني .. من أنا ؟… من هذا الغريب الذي دخل عالمنا المتهالك ؟…

طاولاتانا متجاورتان والنافذة القديمة والوحيدة تسند ظهرينا … بادرته التحية .. فرد بأحسن منها .. لكن بصوت قوي له قرار رائع وعمق ساحر .. صوت بدى انه فيما مضى كان قد غرد بأجمل الاشعار واعذب القصائد ولحَّنَ احسن الخطب .. صوت حين يسمعه من يميز بين العشوائية والانتظام … يعلم ان هذه الحبال الصوتية كانت يوماً ما تصدح بما حمله العقل البشري من فضيلة … لكن هل أسمعت من أسمعت ؟ .. سؤال تصعب الاجابة عنه .. اليوم ..

هنا وبثقةٍ منه .. بادرني بالسؤال: ماذا تفعل هنا .. أجبته وبذات الثقة : هي مقهى .. ولي فيها مثل مالك .. فيسألني: من اجابتك يبدو انك مُعلم ؟؟ هل انت كذلك .. ؟ فقلت : لا .. اني احاول ان اكون إعلامياً .. فتح عيناه المتعبة ورسم علامة تعجب على ملامح وجهه .. وبادرني : تحاول ان تكون اعلامياً !! اجابة جميلة .. دعني اقدم لك (استكان شاي) وارجوا ان تقبل شرب شاينا التعب … شاينا مثل حالنا اليوم .. اختلفت مسمياته .. وحاله واحد .. هذا الشاي يقول صاحب المقهى الشاب أنه تم تشكيله من “الحصة وابو الهيل وعطور ومحمود واحمد وكل هذه المسميات الاخرى” .. الا انه يحافظ على طعمه الحزين ولونه القاتم مهما تغيرت النسب وتغيرت الانواع …

قبلت عزومته .. وانا معجب بمقارنته ..

سألني كيف دخلت هذه المقهى .. فقلت: انتظر صديق قديم ترك العراق منذ سنوات، وسيسافر غداً واحببت ان القاه قبل السفر .. فقال ولم اخترتم هذا المكان .. فقلت .. هي الصدفة .. لااكثر .. هي محطة انتظار حتى القاه فيها … ونذهب الى احدى الكافتريات الحديثة .. فقال : نعم صحيح فأنت وقرينك لاتنتميان الى متحف الشمع هذا .. فقلت وانا مبتسم “واقصد استفزازه”: ولم تجلس انت في هذا المتحف.. قال: انا جزء من ذاكرة هذا المكان ارتاده منذ القدم .. حفظت تشققات جدرانه وعلمت تهالك اركانه واسهمت لايامٍ كثيرة في تلميع نوافذه .. وحفظت معالم اطلالته الخارجية .. واليوم أستطيع أن اسير بين ثناياه دون ان احتاج للضوء .. وابلغ مقاصدي فيه دون ان ارتطم بارائكه المتهالكة المتأرجحة .. ودون ان تترك جدرانه التعبة اثارها البيضاء على ثيابي .. انا اخر جزء في هذا المقهى ..

واستمر في حديثه … هنا كنا نجلس أنا ومن معي ممن كانوا ينتمون لهذا المكان .. نجمع المال بعد كل راتب ونشتري كتاباً نقرأه .. يومان هي المدة المسموح بها لبقاء الكتاب عند اي منا .. وحين يقرأه الجميع ويكتب ملاحظاته عنه .. نستمتع بالنقاش حوله لايام .. وكان احد اصدقائي يحفظ الكتاب .. نعم يحفظ اسطره .. هذه الميزة كانت السبب الاقوى في استباحة دمه … وقتله .. بعد ان سمع به من استولى على السلطة حينها .. وبعد ان كانوا يستخدمون كل شيء للتنصت على نقاشاتنا … حتى طاولاتنا هذه كنا نخشاها … نخشى ان تبوح لهم بحديثنا …

هنا قلت له: اين هم اليوم … أين من كانوا معك بالامس؟؟ .. قال: ودعتهم منذ سنوات .. واحداً تلو الاخر .. ولاسباب مختلفة … واليوم انا هنا منذ عامين … عامان وانا انتظر الرحيل أيضاً ..

هذا المكان … هذه المقهى باعها ورثتّهُا .. ولم يأبهُوا لعشرات السنين من الذكريات الحزينة والجميلة التي امتلكها هنا … باعوني معها .. باعوا كل شيء .. الجدران والمراوح .. الذكريات .. اللقاءات .. الضحكات .. الاماكن لم يأبهوا لشيء .. ولم يتبقَ الا اشهر قليلة حتى تأتي ألياتهم القاسية … الثقيلة .. لتزيل ما تبقى مني …

لكن هل سأرحل قبل ان اشهد هذا اليوم .. هل سألتحق بركب الاصحاب والاصدقاء .. ام سأبقى لاشهد هذه المرارة أيضاً .. قدماي لاتحملاني كثيراً حتى اسير في الطرقات واقضي ماتبقى لي من وقت ببقايا كرامتي ..

كنت اعتبر كل تلاميذي الذين درستهم في مدارس بغداد اولادي .. وكتبي هي زوجتي وزواجي .. كلهم تركوني أيضاً .. تلاميذي لم أعد أراهم … هي لعنة السفر اصيبوا بها كما اصابت صاحبك الذي تنتظره هنا …

وكتبي بعتها .. احتاج لمصاريف كثيرة .. احتاج لعلاج ومراجعة مستشفيات وادوية غالية ومرة .. تحطم اشياء كثيرة في جسمي على أمل ان تصلح إحداها ..

منزلي الذي املكه .. بارد ومعتم .. لااحد فيه .. حزين .. وكل من سكن معي .. اعتبرني محطة مؤقتة وفندق مجاني سكنوا معي لسنوات دون مقابل .. حتى بنوا لهم اوطاناً .. وتركوني .. اليوم حين يسألون عني .. يمرون امام هذا المقهى فيجدوني لا ازال احتسي شايي الاسود .. فيعلمون اني لم امت بعد .. وان المنزل سيرتفع سعره اكثر حتى ذاك الموعد … هذا حال الورثة دائماً .. يعدُّونَ ماتبقى لك من وقت .. لترحل وبهدوء ..

سأمت كل شيء هنا … تغير كل شيء .. سأمت اصوات الانفجارات والاغتيالات .. واخبار مقتل عشرات ومئات العراقيين دون ذنب ..

احزن لشارع الرشيد .. تركوه وحيداً .. لاينتمون اليه ..

اشفق على ابو نؤاس .. لااحب هذا الزمان .. انتظر الرحيل … جداً ..

.. هنا التفت لي مخاطباً: لااحب عشوائياتكم .. لاانتمي لكافترياتكم .. لااريد ان اكون بطلاً في عالمكم الرقمي .. خدعوكم .. جعلوا منكم ابطالاً على الورق .. باعوا معاناتكم في ساحة التحرير .. مدعوا الثقافة .. هوامش .. تمكنوا منكم .. لانكم غادرتم الكتاب .. وتركتم مقاهي بغداد تأكلها الحداثة .. وشوهتم شعركم الحر … بات حراً من كل شيء حتى من الشعر نفسه .. هو كما انتم .. لاوزن لكم ولاقافية تحكمكم ..

وظل يردد بصوت خافت ويتمتم: …. لاانتمي لهذا الزمان .. لاانتمي لهذا الزمان …

وهنا .. دخل من كنت انتظره .. صديقي .. رأى المشهد .. حظنني بقوة .. لم يأبه لهذا القديـــــم … لم يسأل عن عيناه التي امتلئت ماءً حزيناً .. قادني بقوة ودون مقاومة مني … قال: فلنغادر هذا المكان التعس .. !!!

واعتذر من انتظاري له في هذا المكان .. قال : هذه المقهى كانت في السابق اجمل بكثير لم اعلم انها اليوم اصبحت بهذا السوء …

تسائل : لااعلم ماذا ينتظرون بعد ليهدموا مثل هذه الابنية العتيقة … وكرر اسفه لي عن انتظاري له في مثل هذا المكان !!! …

لا تعليقات

اترك رد