جزة وخروف

 

(الما يرضه بجزة … رضه بجزة وخروف )
يروى أن أحد الولاة في العهد العثماني كان قد فرض على بعض القبائل ضريبة تجبى منهم كل عام ، وكانت عبارة عن ” جزة صوف ” وبمعدل صوف خروف واحد ” لكل عشرة رؤوس من الماشية” ، فلم يلق ذلك قبولا عند أفراد القبيلة ، فتذمروا منها وصاروا يدفعون الجزية حينا ويتهربون من دفعها أحيانا أخرى . ثم أن الوالي أستبدل بوالٍ غيره أشد حزما من سلفه ، فعلم بتذمر أفراد القبيلة من تلك الضريبة ، فغضب لذلك وأمر بزيادة تلك الضريبة فجعلها ” جزة صوف ” ومعها خروف لكل عشرة رؤوس من الماشية ، وأتبع ذلك بالتهديد والوعيد ، فراح أفراد القبيلة يدفعون الضريبة الجديدة مرغمين ويتمنون لو عادوا الى وضعهم السابق ، وعبر أحدهم عن ذلك بقوله << مارضينا بجزة ، صارت جزة وخروف1 >> .

وحيث أن الأمثال تضرب ولاتقاس ، فقد وجدت من المناسب بمكان أن أسلط الضوء على جانب من الوضع الذي يعيشه المتقاعدون في العراق وخاصة المقيمين في الخارج بإعتبارهم شريحة أفنت عمرها من أجله قتالا واعمارا حتى وصلت الى الرمق الأخير من العمر ، وهم آباء وأمهات وأجداد يستحقون منا كل الرعاية والتقدير . ومن يعيش في الخارج بسبب ظروف معروفة منذ سنوات ، أولى بالإهتمام أيضا بسبب معاناتهم بعيدا عن صلة أرحامهم وأوطانهم ويعانون الأمرين الغربة والأمراض وشظف العيش .

لكن للأسف خلال مراجعاتهم للسفارات والقنصليات والملحقيات في الخارج ، وأقصد كل المقيمين بدون استثناء يطلب منهم تسديد رسوم أية معاملة بالعملة الصعبة أي بالدولار ، مثال ذلك حينما يرغب المقيم بالحصول على وكالة عامة يتحتم عليه تسديد مبلغ 50 دولارا ( من ضمنها شهادتا حياة ) وفي حالة طلب المتقاعد الحصول على ( شهادة حياة ) يسدد 20 دولارا بعد أن كانت في السنوات الماضية مجانا . وهناك قائمة طويلة بتسعيرة الأصدار والتصديق منها :

اصدار الجواز 20 دولارا وتجديده 25 دولارا وتأييد السكن 20 دولارا وتصديق الوثيقة المدرسية 20 دولارا ، وحتى دخول جثامين العرب والأجانب بـ 3200 دولار !!! ( ياللحضارة والإنسانية والتسامح) وهكذا .

ليس هذا فحسب بل أرجو أن يتم ايجاد صيغة ادارية تكون أرقى وأنبل من ( شهادة الحياة ) لاثبات ان المتقاعد مايزال على قيد الحياة فهي تشعره بانه سيموت في أي لحظة حتى أطلق تندرا عليها بين المتقاعدين بـ ( شهادة الوفاة ).

لقد كنا نمني النفس بتضميد جراح المتقاعد المنهك في الغربة و أظهاره بمظهر لائق أمام العرب والأجانب ودعمه في مختلف النواحي ليكون بأفضل حال وإيلائه الرعاية التي يستحقها كما تفعل الدول المتحضرة ذات النظم الإنسانية والإجتماعية في تكريم أبنائها المتقاعدين ومنحهم الأمتيازات التي تجسد وفاء الدولة لهم من أجل أن يحيوا بكرامة في آخر العمر الذي أفنوه في خدمتهم للدولة والمجتمع بتفان ودأب وإخلاص ، لا أن تنقلب الصورة فتزداد الأعباء الضاغطة عليه وعلى أسرته وهم يصارعون وطأة الحياة ومتطلباتها المنهكة في غربتهم القاتلة ..

ومع أن المتقاعد الذي لم يرض بضريبة ( الجزة ) التي كانت مفروضة عليه ، أرغمته الدولة اليوم على دفع 20 دولارا مضافة هي رسوم شهادة الحياة على وجه التحديد ، تتبعها رسوم تصديق في وزارة الخارجية داخل العراق ، فهل من ناصر يرفع الحيف الجديد..!.، فهو لم يرض بـ( جزة ) وأرغم الآن لكي يرضى بجزة و عشرون دولارا بالنسبة لشهادة الحياة على وجه التحديد .

مدونة همسة العشاق ، 2013

لا تعليقات

اترك رد