توافق التفعيلة، ومصغرات الحداثة بين الفنان حسام والسياب

 

في أعمال الفنان- حسام عبد المحسن -لايقتصر تحليلنا على مجال معرضه الشخصي الحالي بمناسبة الذكرى السنوية للشاعر السياب وإنما بمؤشرات تاسيساته المسبقة.

في أعماله الحالية ، تتجسد مفاهيم المضامين الرمزية, وخاصة في معرضه الأخيرعلى قاعة حوار، ومنها عبارات المطر، وفوتوغرافية صوره الشخصية بين أرداف الموجات اللونية، المختزلة والثرية في القيم اللونية والأداءية، تتوافق تلك الهواجس عند الفنان -حسام – بما يجول في خواطره الشعورية الوجدانية نحو البلد، وبما جسده الشاعربدرشاكرالسياب ، هذا في جانب لمحات من المضمون،أما في مجال آخر- هوأداء المصغرات الحداثية بما يتناسب مع القفزة الكبيرة التي رسخها الشاعرالسياب في تاريخ الأدب الحداثي بجراءته الكبيرة في شعر التفعيلة، أوالشعرالحر. تسري في عروق المساحات التكوينية لأعماله أبيات الشع,بحروف وكلمات تسبح في ثنايا الامتدادات الأفقية نحو تموجات الأبعاد العميقة، ونحو امتداداتها العمودية الذي يتناسب مع مفهوم تساقط المطرمن الأعلى إلى الأدنى، وبغياب وجود المساحات الفضائية أوالفراغ، هذا مايتصف به أسلوبه التجريدي التعبيري، إذ تتراكم جزئيات متداخلة في الأطراف,ومختلفة في البنية التكوينية واللونية، وبذلك فإن هذه الصيغة من البناء، تشد المتأمل وتوقفه للاستمرارنحو المتابعة، وهو شرط من شروط عوامل التذوق الفني التشكيلي، وفي ألوقت ذاته هي مرحلة لاحقة من مراحل التنبيه والانتباه ثم الإنشداد أوالإستمرارلمراحل القياس والتمييزوالمقارنة، ثم التفسيروالإعجاب، لذلك أجد إن الفنان – حسام – في هذا المضمارلديه عامل تشغيل الفعل المعرفي والمهاري من خلال خبرته الادائية والتدريسية،


وهذا الأمرلاينطبق دائما وللجميع بوجود وامتلاك هذه العوامل في تطبيق تجسيده – النصي – وإنما جهد الفرد في اقتناء الخبرات الإيجابية بانفرادية وتميز، يكون ضمن إطار التحولات المختلفة عن الطرق الشائعة التي تولد ردود أفعال الملل، برغم تفوقها المزامن لمرحلتها السائدة، بهذه الطريقة تتجسد إنفرادية الوضوح في أجواء التنوع الجمعي إلى سلوك إنفرادي مستقل، خارج نطاق العموم، والتي تعتمد على قوة وفعالية الجرأة نحو التحرر من السائد إلى ترسيخ المستجدات، ولو تابعنا الشخصيات المتميزة في الشهرة والريادة من فنانين العالم، نجد ان من خرج عن نطاق الصيغ السائدة بتفرد وجرأة، أحتل موقع الشهرة والتميز، كالفنان بيكاسو بدأ من الرسم التكعيبي وأنتهىاءا بتنوعات الحداثة، فضلاً عن مجازفات البعض بالاصطدام بمناخ الرفض الجمعي كالانطباعيين في مشاركاتهم الأولى في المعارض وما عاناه الفنان المتميز بانفرادية أسلوبه الفنان فان كوخ،

من ذلك نستنتج إن الرضوخ إلى الأستقبال والتلقي العام بجهتيها المنفعية للبيع أوالتذوق، تجعل الفنان التشكيلي نسخة متكررة تنغمر في إطارالغموض وربما التلاشي، إن الفنان – حسام عبد المحسن – إستطاع أن يتفرد باختياراته الادائية والفكرية، وربطها بحيثيات الفكرالتراثي والميثلوجي ولكن لغتها الحداثة المعاصرة، وفي مجال صيغ الأشكال البنيوية للأعمال، لايقتصر على إطار بناء التكوينات ومفرداتها التي تأخذ مجرى السريان الأفقي كما ذكرت آنفا، وإنما ينطبق ذلك على بنية الشكل الخارجي للوحة الفنية، وباستطالة طويلة تجسد جمالية قيم التجريد التعبيري بألوانها وتقنياتها المبهجة والمتنوعة المفردات، وتغيير أنماط البنى التقليدية السائدة بأبعادها المتساوية أو الرأسية، وبخصوص أعماله المصغرة هنا تسحب المتأمل للأقتراب، والفرق هنا يكمن بالجهود المضافة للتدقيق في الأداء التقني الذي يعوض عن تلاشي تلك التدقيقات في الأعمال الأكبر حجما من خلال بعد مسافات التأمل، كما إن الأمر اقتضى هذا النمط من الأداء بسبب تماثلها مع المخطوطات والأعمال التي تتضمن حروف خطية وزخرفية لاتسمح بازدياد مساحات الفراغات بين المفردات التكوينية.

– جذور التأسيس –
منذ مزامنتي الدراسية للفنان -حسام عبد المحسن- عند المراحل الأخيرة للسبعينيات، وهو أمر سائد لمراحل التأسيس الأولى في الأداء الأكاديمي الواقعي، سواء في البيروتريت أو مواضيع الإنشاء التي تفسح المجال للأبتكاروالخيال وإظهارمعالم مستجدات الخبرة التقنية في الأداء مع مصادر الموضوع، هنا تتجسد لدى الفنان التشكيلي بدايات المستجدات الفكرية والحداثة، أما في مايخص دخول المصادرفهي تكمن في حرية الفنان ومرجعه المعرفي والثقافي، سواء في إدخال الميثلوجيا التاريخية أوأنواع الفلكلورالمعاصر، ولكن هذه الأمورجميعها تبقى راكدة في حدود وجودها العملي، بدون أعلى مستويات المهارة الادائية اللونية والتكوينية، وهذا ماتميزبه الفنان المبدع حسام عبد المحسن في قدراته الواقعية سواء في داخل الأكاديمية أو عمله في – مجلتي – وغيرها من الصحف، إن تلك المراحل تبدوا ملامحها مبكرة عند الفنان، ليكون تدريسيا أكاديميا يعد أجيالا تحيى دفق المسيرة الفنية للتشكيل العراقي الذي يمتد إلى آلاف السنين قبل الميلاد، لذلك مهمة الفنان التدريسي الذي يحل محل أستاذنا الرائد فائق حسن، في قاعته الخاصة والتي تذكرنا بأجمل وأهم حياتنا الفنية، إنها مهمة نفتخرونعزز مهامها، والبلد الآن يمر في تحولات عبر موجة عاصفة، من جهات مؤثرة لاتمتلك المستويات العليا لتذوق -الاستاطيقيا-الجمالية بفرعيها الطبيعية والفنية،

من هنا تكمن أهمية التدريسيبن والنقابات والجمعيات وخاصة ذوي الإمتداد التاريخي أبان مراحل تطورالفنون التشكيلية وتأسيسها المعاصرة، لقد كانت جذور الاستناد الفكري لديه تكمن في هواجس المشاعرالمنعكسة من الطبيعة، منها تموجات ودفقان مياه الأنها،أو ركوده وسكونه الصامت، فضلاً عن نزول الأمطار بمجرى رأسي نحو الأماكن بمختلف تكويناتها، أي إن هطول الأمطار يحقق عدالة التساوي في المنثورات المتساوية، على البيوت والأشجار والكائنات بأنواعها، تلك الاثارات كانت اللبنة الأولى المبكرة لخلق جذور التأسيسات المضمونية لمعرض الحالي، أي تحويل إيقاعات النطق الشعري التفعيلي أو الحر لدى السياب إلى باثات وموجات لونية بصرية,ثم إلى تبصيرية إدراكية ضمن مشاعر التأمل الوجداني والعاطفي، والخلاصة الاستنتاجية هنا ، إن ربط الإنجاز الفني ومنه التشكيلي تحديدا أي البصري مع لغة سمعية,تتكامل فيها الأبعاد الأربعة، والمقصود به الزمن، والأمر ينطبق على مجالات الفنون الجميلة الأخرى السمعية والمرئية والأدبية بشكل عام، وقد تتناظر مع شخصيات أخرى علمية.

1 تعليقك

اترك رد