مدحت كاكي الفنان التشكيلي الكردي العراقي إبن مدينة كركوك من الأسماء المجتهدة في الفن التشكيلي المعاصر والفاعلة فيه ، فهو ونتيجة البحث الدؤوب والذي يمتد لعقود طويلة استطاع أن يملك أسلوباً لا يقاربه فيه أحداً لا من بني جلدته ولا على إمتداد الخارطة العربية أسلوب المونوكروم أو اللوحة ذات اللون الوحيد وأبدع فيه وتمايز بقوة مما جعل لأعماله المكان الأرحب في الصالات و المتاحف العالمية ..

و من الوهلة الأولى ستقف عاجزاً عن القراءة و أنت تقف أمام أعمال كاكي و قد تخرج خالي الوفاض اذا لم يكن لديك مفاتيح بها تلجها أو قد تنقبض وتلعن الشيطان و الفن إذا لم يكن لديك من الصبر الجميل الكثير مع وجود وعي مسبق بسيرورة إدراكية بها قد تلتقط المعطيات الحسية ، مع العلم أن الإدراك لا يتم دفعة واحدة بل يحتاج إلى وسائط بحث في دواخلك للوصول إلى البنية الإدراكية لإنتاج كيانات سيميائية مرتبطة على نحو ما بتلك السيرورات الإدراكية التي أشرنا إليها ، أعماله لا تمنحك ذاتها إذا لم تصغي أنت إليها بكلك هي أشبه بسيمفونيات موسيقية تحتاج إلى الكل حتى تصل إلى دواخلك ، ولهذا هي تحتاج وأقصد أعماله إلى متلق عاشق يذوب حباً حين تلتقي عيناه بعيني من يحب ، حينها قد يجد لنافسه نوافذ عبرها يغوص في عالمه ، فلوحة المونوكروم ( لوحة ذات اللون الواحد ) هي لوحة اللاموضوع فكاكي يرمي كل عناصر اللوحة التقليدية من خط و تكوين و أبعاد و … إلخ خلفه فهو يكتفي بلون وحيد بتدرجاتها الكثيرة على سطح العمل عبر طبقات لا حصر لها فقط احساس الفنان وحده يعطيه الإيعاز بأن العمل ولد رغم يقين الفنان ضمنياً بأن العمل لا ينتهي و إن قُدِّم في معارض عامة وكبيرة فالفنان قد يعود إليها لإكمالها في وقت يحس أن هذا العمل تطلبه كعاشقة تبحث عن عشيقها فيلعب معها لعبة الإيقاع الجميل فهو يربط كماً من العلاقات بين الطبقات اللونية التي تشكل الأساس للعمل و قد يقرر الفنان إنهاء العمل ولو مؤقتاً و بأن اللون الذي يبحث عنه قد تم .

فأعمال مدحت كاكي بالغة التبلور من خلال طاقتها المعنوية الذاتية المجردة عن أي سياق آخر و لهذا الوصول إلى القيمة الجمالية لها يمر عبر طرق شاقة ووعرة تحتاج إلى مفاتيح خاصة لإدراكها ، فهي مقطوعات موسيقية متناثرة على السطوح تحس بمتعتها و جمالياتها دون أن تكون قادراً على التعبير عنها إلا بما تبعثه في الروح من أحاسيس جميلة منعشة فهي حاملة لدلالات إيقاعية تتفاعل فيما بينها حتى تصل على سطح العمل فيؤكد حضوره ، و تأسيساً على ذلك يمكن القول بأن ما يقوم به كاكي من إختزال التفاصيل قد يساعده في إبراز اللون الوحيد على نحو أكثر في القيام بعمليات بناء لا تنتهي وبأن اللون و إن كان وحيداً فبمقدوره أن يعزف النشيد الجمالي الطويل حيث تسكنه أشياء هي مغادرة لأمكننها أصلاً

لا تعليقات

اترك رد