العراق بعد تنظيم الدولة : رؤية أمريكية ،،


 

تناول هذا الموضوع الكثير من الباحثين والمراقبين ، عراقيون واجانب . ذهب البعض الى ان الانتصار على تنظيم الدولة الاسلامية سيكون فاتحة عهد جديد في البلاد وخاصة على صعيد اعادة ترتيب البيت العراقي الداخلي . هذه الرؤية تضع السبب محل النتيجة ، لان تنظيم الدولة لم يكن سبباً فيما تشهده البلاد من تردي الأوضاع السياسية واستشراء الفساد بشكل غير مسبوق في اي مرحلة من تاريخ العراق . تنظيم الدولة هو ثمرة محتمة لنظام المحاصصة الطائفية الذي أسسه الدستور الذي اعتمد بعد الاحتلال وما شرّعه المحتل الامريكي من سَنَن لإدارة الشأن العام في البلاد واهمها اعتبار الشعب العراقي مجموعة مكونات طائفية وإثنية ملغياً بذلك مبدا المواطنة الموحدة التي تشكل الأساس للحقوق والواجبات وكان من الثمار المباشرة لذلك تفشي أشكال متنوعة من العنف السياسي والاجتماعي . كان لالغاء المؤسسات الأمنية الوطنية بضمنها الجيش واجهزة المخابرات ، التي عرفت بنزوعها الوطني وقدراتها في ضبط الموقف الأمني الذي جعل العراق بلداً عصياً على الاٍرهاب والعنف السياسي او الديني ، اثره المباشر في تردي الحالة الأمنية وانتشار عصابات الجريمة المنظمة ثم تلا ذلك انتشار ظاهرة العنف الديني والسياسي رغم ان تحذيرات مبكرة قد وصلت الى سلطات الاحتلال وكان مكتب الخطط الخاصة في البنتاغون ، والذي ثبت قيام بعض عناصره بالتجسس لصالح اسرائيل ، يقوم بالتغطية على هذا الموقف بل ويقدم مسؤوله دوجلاس فيث شهادة مزورة امام الكونغرس بان الأوضاع تحت السيطرة ؛ هذا ليس حديث مؤامرة ، بل كلام صريح ورد على لسان السفير الامريكي پيتر غالبريث ، الذي عمل في العراق بعد الاحتلال ، في كتابه ” نهاية العراق” يتهم فيه دوجلاس فيث بصياغة الوضع الأمني الطائفي المتردي في العراق بعد الاحتلال ، والاهمال المتعمد للخطط التي كانت قد وضعت من قبل فرق متخصصة لإدارة العراق إدارة سليمة بعد الاحتلال بالاستعانة باجهزة الدولة القائمة بعد تطهيرها من العناصر القيادية في حزب البعث او تلك التي يثبت قيامها بارتكاب جرائم ضد العراقيين خلال فترة حكم حزب البعث .

ان كل ماجرى بعد ذلك هو من تداعيات تلك المرحلة السوداء التي خلفت ملايين العاطلين عن العمل ومن ثمارها المسمومة انتشار ظاهرة المليشيات المسلحة لدى جميع الأطراف باعتبارها البديل الوحيد المتاح امام الناس ، بديلاً عن الدولة الملغاة ، لاغراض متنوعة بدءاً بتأمين النفس ثم الوسط الاجتماعي المتمثل بالاسرة والطائفة والقبيلة وصولاً الى الارتزاق حتى تغولت وتحولت الى عصابات ارهابية ومولدات لعصابات الجريمة المنظمة التي لم يعرف العراق أياً منها طوال تاريخه الحديث بمختلف التوجهات السياسية للسلطات التي تولت حكمه .

يعيش البلد حالياً في حالة حرب يومية منها ماهو قائم فعلاً ومشهود على سطح الأحداث ، ومنها ماهو كامن بانتظار الظروف المناسبة . لقد تحولت حياة العراقيين اليومية الى حقول ألغام قابلة للانفجار في اي لحظة يغذيها غياب الدولة العادلة الفاعلة القادرة على تلبية ابسط احتياجات المواطنين وفي مقدمتها الامن .

الغريب ان الأكاديميين الأمريكان يزعمون ان العراق تم تجميعه بعد الحرب العالمية الاولى وأنهم جاءوا لمعالجة الموقف بإعادة تفصيله دون خطة للتجميع مجددا ًاو بإدماجه بكيان اخر ، بل على العكس فقد مزقوا صيغة للتعايش كانت قائمة منذ قرون في اقليم كان موحداً بشكل طبيعي منذ فجر التاريخ رغم اختلاف مراكز توزيع القوى فيه ومن حوله ورغم تنوع حكامه ومحتلين . هذه حقيقة يتفق عليها اغلب من أرخوا للعراق باستثناء من ارتفعت اصواتهم في العقود الاخيرة لاغراض تخدم اهداف سياسية دولية ، وخاصة بعد قيام اسرائيل في الإقليم والشروع في تقزيم او تقليم من كان يشكل في الإقليم مصدر خطر محتمل على هذا الكيان الذي يمثل في مخيلة الغرب الجمعية اخراجاً جديداً لمملكة القدس التي أقامتها الحملات الصليبية وآخرها الحملة البريطانية – الفرنسية لاحتلال المشرق العربي خلال الحرب العالمية الاولى والتي تكللت باحتلاله ليقف الجنرال أللنبي عند قبر صلاح الدين الأيوبي قائلاً : لقد عدنا ياصلاح الدين ؛ ثم يزعمون انهم ابرياء وان العيب في العراقيين ، ويردد الأنشودة بعدهم جوقة زبالة العولمة التي ألقوا بها في أحواشنا .

سبق لي ان قدمت هذَا الموضوع في شهر ت٢ من العام الماضي؛

مع اشتداد معركة الموصل تبدو التوقعات التي وردت في المقالة قريبة الى حد كبير من الواقع . ولذلك وجدت من المفيد اعادة تقديمها مع مع مقدمة إضافية تبين حجم الجريمة الامريكية ” عالية التحضّر ” التي تم ارتكابها بحق العراق والتي مازالت تجد من يدافع عنها .

بذات الحدة التي تجري فيها معركة استرداد الموصل من تنظيم داعش الإرهابي تنهال على مواقع شبكات الأخبار ومواقع مراكز التفكير العالمية تحليلات مختلفة الاتجاهات لما قد يلي المعركة من نتائج وتداعيات ؛ المشترك بين جميع هذه التحليلات على اختلافها لايبشر بخير ولايبعث على الاطمئنان . وسواء كان الذي يجري قد تم الإعداد له مسبقاً او انه من نوع التداعيات الحتمية التي تفرضها معطيات الواقع ، الا انه بكل تاكيد ثمرة من ثمار البذرة الخبيثة التي نشرتها ” الثورة الاسلامية ” المشؤومة التى حلت مثل اللعنة على ربوع منطقتنا عام ١٩٧٩ في ايران والتي أعدت لتكون منصة الانطلاق لتفجير كل ماكان نائماً من حزازات طائفية وعرقية بدات تفقد بريقها مع طول التعايش بين مكونات مجتمعات المنطقة . فرضت هذه “الدولة الاسلامية” في دستورها على نفسها ان تكون مصدراً للفتن الطائفية في المنطقة وبدايتها بعدوان على العراق هدفه معلن وصريح وهو اسقاط نظام حكمه العلماني “البعثي الكافر ” لتقيم بدلاً عنه نظاما من بقايا القرون الوسطى تكون السيادة فيه لعمائم الجهالة والجاهلية . فشل المشروع في موجته الاولى فتلقفه الاسرائيليون وبعثوا الحياة فيه ؛ استثمروا في خطيئة المرحوم صدام الكبرى في الكويت ليمدوا جسور التعاون المخابراتي مع نظام الملالي في طهران ، وفق ماتم نشره من وثائق عرضناها في مقالات سابقة ، لدفع امريكا لاحتلال العراق وبعث حركات التطرّف الاسلامي ، السنية والشيعية ، لتعبث بالامن المجتمعي فيه وألفة التعايش الممتد لقرون طويلة بين طوائفه لتحل في نهاية المطاف كارثة تنظيم الدولة التي اثبتت الوقائع وتحقيقات البرلمان العراقي انها تسلمت مفاتيح الموصل باليد ومع المفاتيح كل عناصر القوة التي حولتها من حركة ارهابية محدودة النطاق والامكانات الامكانات في شرق سوريا الى عامل قوة دولية رئيس قادر على العبث بأمن دول عديدة بما فيها دول غربية كبرى بضمنها الولايات المتحدة ، او هكذا اريد له ان يبدو .
من طرف اخر وجد الاكراد فرصتهم فصاروا يعبثون كما يحلو لهم بحدود العراق الإدارية تحت مايسمى ” المناطق المتنازع عليها ” وهي تسمية لا اجد لها مثيلاً سوى في القاموس الاسرائيلي خلال مفاوضاته مع الفلسطينيين ، ويبد ان المعلم واحد .
في ذات الاتجاه ايضاً يبدو ان احلام العثمانيين قد وجدت لنفسها متنفساً ولكن بثوب جديد . واقعية الأتراك تجعلهم لايعملون كثيراً على احلام قد لاتتحقق بحكم الظرف الدولي وموازنات القوة ، فضلاً عن كونهم قد تحولوا الى تجار ورجال اعمال فصار هدفهم يترجم نفسه بتعابير مختلفة : الحفاظ على الامن القومي التركي وضمان استقرار البلاد بإبعاد مايعتبرونه ارهاباً عن حدودهم ومجتمعهم عبر خلق مناطق نفوذ ، بمختلف الوسائل بما فيها العسكرية ، لتحسين شروط التعامل مع مختلف الأطراف عندما تحين لحظة الجلوس الى موائد التفاوض .
الاسرائيلي يتابع الموقف من بعد ولايخفي السرور مما تحقق له على يد الهاتفين بموته وجعلوا من هتافهم ذاك لازمة مثل رفع الاذان للصلاة ، وجنود المارينز الامريكيون يؤسسون لوجود دائم في منطقة لم تكن لهم فيها مصالح استثنائية تستدعي الزج بالجنود ، ولكن الحسابات في واشنطن لها تعقيداتها وقد تقود الى قرارات تثير الغرابة لدى مراقبي الخارج ولكنها من ضمن المألوف لمن ينقب قليلاً في كواليس السياسة الامريكية التي يصنعها مركب غريب من جماعات الضغط والمال والإعلام وحتى الجنس .
من يشارك في القتال في الموصل خبطة عجيبة من أطراف محلية واقليمية ودولية ؛ تصفية داعش او الضغط الشديد عليها مع ترك منفذ لعبور عناصرها الى سوريا هو الهدف المشترك حالياً ، ولكن ما ان يتحقق هذا الهدف ستبدا القضية الكبرى وما تقتضيه من تصفيات متبادلة بين الأطراف المشاركة ، لانه ما من هدف يجمعها بعد داعش سوى الصراع على النفوذ والهيمنة . الغائب الأكبر في الموضوع هو الشعب العراقي ومصالحه الوطنية التي ما كانت ستوضع على محك الخطر بهذه الطريقة لولا هذا المرض الخبيث التي بثته طائفية هذه الجمهورية المشاغبة التي قدر الله علينا ان تجثم على جنبنا الشرقي بتاريخ طويل من الاذى والضرر .
المقالة التي اعرضها تمثل تقديراً امريكياً تنشره مؤسسة فكر أمريكية رئيسية وعريقة هي ” مجلس العلاقات الخارجية ” على صفحات مجلتها ” الشؤون الخارجية ” ذات الشهرة المعروفة وكاتبا المقالة من اهم الخبراء بالشؤون العراقية والصراعات الداخلية فيه ، وتعرض المقالة تفاصيل الموقف وفق رؤية خاصة بها قد نختلف او نتفق معها ولكنها تتضمن جرداً تفصيلياً شاملاً لتوزيع الفئات المسلحة المتنافسة على امتداد مناطق التوتر الطائفي والاثني في العراق … لنتابع :
من المؤكد ان طرد تنظيم الدولة الاسلامية من العراق بعد معركة الموصل لن يقلل من احتمالات اندلاع المزيد من العنف مستقبلاً كما لن يلغي وجود التنظيمات المسلحة ؛ طرد داعش سيشكل فرصة لمزيد من اعمال العنف من اجل الهيمنة والنفوذ على المناطق التي سيتركها التنظيم .
ان تقدير الموقف هذا له مبرراته : لقد عمل تنظيم الدولة على احياء حساسيات قديمة كانت تسود بين مختلف الجماعات التي عاشت تحت هيمنته لتسهيل سيطرته عليها ؛ والعامل الاخر هو الزيادة الهائلة في كميات السلاح والدعم الخارجي الذي تلقته مختلف الجماعات المسلحة خلال السنوات الاخيرة لغرض استخدامه في الحرب ضد تنظيم الدولة . ان حكومة بغداد ذاتها ، شانها شان ايران وتركيا وبقية اللاعبين الإقليميين المنغمسين في الصراع على النفوذ في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة ، ستلجأ الى زيادة التوترات المحلية بين مختلف الفئات الاثنية والدينية وفي داخل الجماعات المكونة لهذه الفئات .
في المناطق التي توصف بانها ” المتنازع عليها ” في شمالي محافظة ديالى وشرقي محافظة نينوى وفي مدينة كركوك التي تسيطر عليها البيشمرگة منذ صيف ٢٠١٤ ، تتزايد الاحتكاكات بين العرب والأكراد .
تعرضت كركوك لهجوم من قبل مقاتلي تنظيم الدولة خلال الفترة الاخيرة في محاولة منهم لتشتيت الجهد العسكري الموجه للموصل تم إحباطه ؛ الا ان الجماعات المسلحة الكردية قامت بإنذار العرب اللاجئين في عدة مناطق من المدينة بوجوب مغادرتها تحت زعم ان لهم صلة بتنظيم الدولة .
من الواضح ان العرب في كركوك غير مرتاحين لتوسع الهيمنة الكردية في المنطقة لكنهم لم يتصدوا لذلك بالقوة رغم انهم ينتمون لقبائل وعشائر ومع وفرة السلاح فان تحولهم الى جماعات عنف منظم احتمال قائم بقوة .
على شاكلة التوتر القائم بين العرب والأكراد فان توتراً لايقل عنه قوة قائم أصلاً بين العرب السنة والعرب الشيعة . لقد كانت هذه المشاحنات بين الطرفين موجودة حتى قبل وجود تنظيم الدولة لكنها تتزايد حدة ً وتقدم لنا بلدة سليمان بيگ ، الواقعة بين محافظتي ديالى وصلاح الدين ، نموذجاً لذلك ؛ بعد سنتين من استعادة المدينة من تنظيم الدولة لازالت المليشيات الشيعية تمنع سكانها السنّة من العودة اليها رغم جهود السلطة المحلية لتأمين عودتهم مما يظهر ان الأمور اكبر من نطاق سلطاتها والسبب واضح وهو ان حكومة بغداد خاضعة لنفوذ المليشيات الشيعية .
ان الانقسام الشيعي – السني قد سرى الى داخل المجتمع التركماني وتمثل مدينة تل عفر نموذجاً واضحاً لذلك الانقسام . هجر المدينة سكانها من الشيعة التركمان عندما احتل تنظيم الدولة هذه المدينة عام ٢٠١٤ فيم انضم بعض من ابناء هذه العرقية من السنّة الى التنظيم وقد مارسوا العديد من الاعتداءات على ممتلكات الشيعة . من المتوقع ان هذا الوضع المتوتر بين ابناء العرقية التركمانية سيشهد تصعيداً حين سيتم استعادة المدينة .
في الظاهر يبدو ان ظهور تنظيم الدولة قد وحد الاكراد من مختلف الاتجاهات باعتباره عدواً مشتركاً ، لكن إلغاء هذه الخلافات امر مستبعد وهذا واضح في الموقف الراهن في سنجار حيث يتصاعد التنافس بين الجماعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني PKK وتلك المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني وهو الحزب الحاكم في اقليم كردستان العراق منذ طرد تنظيم الدولة من المنطقة في شهر ت٢ / ٢٠١٥ .
لقد كانت المنطقة المحيطة بسنجار موضع خلاف ؛ لقد كانت قبل ظهور تنظيم الدولة تخضع للحزب الديمقراطي الكردستاني الا ان جماعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني ظلت متمسكة بالبقاء فيها باعتبارها نقطة اتصال مهمة بين العراق وجماعات مرتبطة بالحزب في سوريا ؛ هذا الموقف المتوتر بين الحزبين الكرديين مرشح للتصاعد حيث راكم الحزبان كميات كبيرة من السلاح خلال الأشهر القليلة الماضية في المنطقة ، كما بدات المناوشات الكلامية بالتصاعد بينهما .
لقد استقطب هذا الموقف المتأجج بين الاحزاب الكردية الأقلية اليزيدية التي لم تكن منظمة على المستوى العسكري قبل ظهور تنظيم الدولة في سنجار ، لكن الحال بات مختلفاً في الوقت الحالي . تضم الأقلية اليزيدية حالياً عدداً من الجماعات المسلحة ؛ هنالك حالياً قوة حماية سنجار ووحدات المقاومة في سنجار المرتبطة بحزب العمال الكردستاني فيما توجد وحدات يزيدية تعمل في إطار البيشمرگة المرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني اضافة الى قوة تعبئة “شنگال” والتي تتبنى الدعوة للحكم الذاتي .
هنالك ايضاً التنافس القائم أصلاً بين الحزبين الكرديين الرئيسيين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني ؛ ان الخلاف بين الحزبين المذكورين ينبغي ان ينظر اليه بجدية حيث يسيطر كل حزب على فصيل تابع له في إطار البيشمرگة ، ومن المرجح ان يتعرضا لإغراء الهيمنة وتوسيع النفوذ في المناطق التي تم ضمها مؤخراً للإقليم ؛ هنالك الان دلائل على ان مثل هذا الامر قد ظهرت بوادره بالفعل ومثاله ان الحكومة الاقليمية الكردية قد توصلت الى اتفاق مع بغداد حول مبيعات النفط المستخرج من حقول كركوك لكن قادة الاتحاد الوطني أعلنوا رفضهم له وقد وجهوا رسالة الى رئيس الوزراء العبادي يطلبون منه بحث الامر معهم وليس مع الحزب الاخر .
ان العرب السنة هم الأقل حظاً بين سكان العراق من حيث التنظيم ولكن انهاء تنظيم الدولة قد يغير من هذا الوضع اذا ماعلمنا ان أعداداً غير قليلة من أعضاء التنظيم هم من العرب السنة .
تؤوي الموصل حالياً العديد من التنظيمات السنية العربية المسلحة ، وهي تنظيمات تناصب تنظيم الدولة العداء وتقاتله ؛ هناك قوات الحشد العشائري التي تدعمها الحكومة وكتائب الموصل التي تدعمها تركيا . هذه التنظيمات ستكون جزءاً من عملية الصراع على النفوذ والسلطة بعد الانتهاء من تنظيم الدولة .
ان موجة الرغبة بالانتقام من تلك العناصر التي تعاونت مع تنظيم الدولة او تعاطفت معه تزيد من فرص تصاعد العنف في اوساط العرب السنة . سياخذ هذا الصراع السني – السني شكل عنف عشائري متبادل . ان العنف الذي نشب بين العبيد والبيات في منطقة الحويجة يقدم مثالا لذلك . لقد انضم احد شباب البيات الى تنظيم الدولة في هذه المنطقة ، وقد تم تكليفه باغتيال احد ضباط الشرطة من العبيد ؛ بعد تحرير المنطقة تحولت هذه القضية الى سبب لعنف ممتد بين القبيلتين الكبيرتين ومن المرجح ان تشهد المنطقة المزيد منه في النزاعات القادمة حول ملكيات الارض مع التغييرات التي احدثتها فترة سيطرة داعش على المنطقة .
اما بالنسبة للشيعة العرب فانهم يتوزعون على مجاميع مسلحة تتلقى الدعم من مصادر حكومية عراقية واُخرى إيرانية ؛ لقد بدات بوادر النزاعات بين هذ المجاميع في المناطق التي طرد منها تنظيم الدولة . في مدينة جوز خورماتو اشتبكت مجاميع من “بدر” مع اخرى من “عصائب أهل الحق ” وأدت الاشتباكات المسلحة الى إصابات عديدة على مدى يوم كامل وسبب هذه الاشتباكات هو قيام عصائب أهل الحق باختطاف احد عناصر بدر ولم تنته المشكلة الا بعد انسحاب العجائب من المنطقة .
ان قدرة العراق على بناء قوات مسلحة وطنية الولاء تبدو شبه معدومة والسبب هو ان الحكومة تعتمد بشكل كبير على المليشيات المسلحة بسبب عدم امتلاكها قوات خاصة بفرض القانون ترتبط بها ، ومن المعطيات الراهنة يمكن التاكيد ان البلاد ستظل مسرحاً لنشاط المجاميع المسلحة ذات الولاءات المتباينة .
هل يمكن جلب الجميع الى مائدة تفاوض للوصول الى حلول سياسية تلبي تطلعات الجميع ؟

1 تعليقك

  1. وجود داعش و إزالتها ما هو إلا مرحلة من مراحل العذاب للمواطن العراقي، و من مراحل التدمير و القتل و التهجير التي تواجه الوطن و المواطن، أو ما تبقى منهما، و بإعتقادي القادم أعظم و أسوأ، فكما يبدو لن تنهي الحروب و المعارك و الصراعات في العراق و سوريا و المنطقة بشكل عام، إلا و تحولت هذه المنطقة إلى ولايات و مناطق مشتتة و متعارضة و متصارعة، لتبقى إسرائيل هي سيدة الموقف، و ربما معها إيران و تركيا على مستوي المنطقة ..
    تحليل رائع أستاذ فائز، مع تقديري ..

اترك رد