عند شاهين

 
الصدى-عند شاهين

على باب شقة شاهين التقيت بماريان خوري التي التقيتها في المطار ومديرة انتاج الفيلم .. وسبق ان قلت انها ابنة اخته وانه يحبها حبا جما .. وجهها الاسمر اللذيذ .. وهدوؤها الذي يعطيك للوهلة الاولى احساسا بالشك في قدرتها على ادارة العمل..اكتشفت لاحقا أنها تمتلك هدوء البحر وهييجانه .. وانها تفهم عملها جيدا  وكيف لا ؟؟ وهي التي رضعت الفن منذ نعومة اظفارها … فهي ابنة المنتج المعروف جان خوري وتربت في احضان يوسف شاهين ونهلت منه الاصرار والطيبة والمعرفة والمحبة.

دخلنا عند جو ..وحكيت له عما عانيته في فهمي للسيناريو  … فرد علي
– احكيلي ..
– ان السيناريو سبب لي قلقا ولدي ملاحظات او لنقل استفسارات هل انا فاهمة ما تقوله في السيناريو صحيح ؟؟ ام انا على خطأ ؟ – صحح لي …
– قولي

ان الفيلم عبارة عن رحلة داخل جسم يحيى .. وهو يحاسب كل الذين اوصلوه الى المرحلة الاخيرة وهي انسداد الشريان واقدامه على عملية قد تودي بحياته ولكنه اتخذ القرار ونفذ من الموت  .. فانت تعود الى ثلاث مراحل .. يحيى في مرحلة الطفولة .. مرحلة النقاء والشاهد على كل ما مرت به العائلة من اسرار قمت بتعريتها  بكل صدق والتي كانت تطمح ان تعيش ضمن الطبقة  البرجوازية الكبيرة  وتتشبه بها وهي لا تستطيع  شراء جواريب جديدة .. والحفلات الصاخبة التي تعملها الام .. كنت جريئا في محكامتك لكل من سبب الالم لك .. فانت تتحدث عن نفسك عائليا واجتماعيا وتربويا وعريت كل شيء ولم تراعي اسرارك العائلية … حتى أنك عمدت الى تسليط الضوء على شخصيات تعاصرك لكي لا يكون الفيلم شخصيا اكثر مما يجب ..  فيحيى الطفل يحاسب وينتقد ويتخذ القرار لكل  هؤلاء المتهمين ويحاسبهم عبر الواقع المعاش والظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية  التي تحيط بمصر لم تنفصل عنها أبدا  عبر محاكمة افترضتها داخل جسم الانسان الذي هو انت ….فانت لم تفصل بين يحيى الطفل ويحيى الشاب ويحيى الفنان الناضج والخيط الذي يربطهم كاملا .. وان هنالك  بعض المواقف من حياتك لا تزال تؤثر  عليك  لأنها حية في تفكيرك تنضج وتتحرك  باستمرار …فالفيلم احسه يجمع بين الذاتي يحيى والموضوعي مجتمعك الذي عريته ابتداء من معلم الابتدائي جبرائيل والتعليم المنقوص من الأسس التربوية  والقضاة في المحكمة  المتمثلة في العدالة الغير عادلة .. اسال سؤال حيرني لماذا تعري عائلتك بهذة الطريقة .. صحيح انها جرأة  الم تخشى ان تخسرهم ؟؟..

كل هذا وجو يصغي يسمعني ولو يقاطعني …فرد على تساؤلاتي الكثيرة ..
– اسمعي نحن نخبيء كثيرا من الاشياء التي تحركنا ولا نتحدث عنها ونخبي كل المنغصات التي صادفتنا .. أريد ان اقولها بدون عوائق رقابية ذاتية .. علي ان اقولها بكل صدق لاريح نفسي منها .. فانا عنيد مع نفسي وأنا احتاج هذا العناد لكي اقول ما اريده .. وانا متسامح مع عيلتي … أيوة حصلت مشاكل ولكن بالمحبة يذوب كل شيء … أنا اعجبتني قرآتك للنص … استمري

– وجدت يحيى فقط هو الانسان الايجابي وكأنك تخلو من الاخطاء… وانت ابن مجتمع تتفاعل معه ويتفاعل معك .. لماذا تضيف هذه الهالة على يحيى .. ويحيى المضطهد الذي يحاربه الجميع .. في حين أن كل شخصية لها ارهاصتها الايجابية والسلبية في المجتمع !!!..

– ولكن هذه الشخصيات المعاصرة لي حتى السياسية منها ترفض ان تقول ما اقوله لأنها تخشى المجتمع والصحافة
– لماذا لا تنظر اليها على ان الله اوصى بالستر؟؟
– والله هم احرار فيما يرونه ولكني أرى غير ما يروه
– نهاية الفيلم مفتوحة بعد نجاح العملية .. كأنك تقول انك تصالحت مع ذاتك ومع المحطين بك وهذا ما شاهدته في فيلم اسكندريه ليه ..وأرى ان السينما التي تقدمها سينما ضد التعصب والانغلاق فالنزعة الانسانية نلمسها في معظم افلامك كالعصفور والاختيار وعودة الابن الضال واسكندريه ليه وحتى في هذا الفيلم حدوتة مصرية .. فالتعايش والحوار مع الاخر  اهم  ما يميز مدرستك السينمائية .. استاذ اعذرني ان اثقلت عليك ولكن ..قاطعني .
– استمري

كان متحفزا لكل سؤال كأني صحفية  تستجوبه … ولكني اريد  ان افهم ويصحح  لي ربما اكون مخطئة او على صواب .. فرد جو علي بشيء من الحماس وبتواضع

– بدات تقرأين الورق بشكل صحيح .. لا تعتذري .. امال انا اعمل الفيلم لمين ؟؟؟ لكم  كل ما قلتيه عن العيلة  سبق وان تحدثنا انا وماريان عنه.. ملاحظة مهمة ان يحي هو الانسان الايجابي .. لا انا عايز اقول ان يحيى ابن المجتمع يتفاعل معه وينفعل به … دي النقطة حااركز عليها ..  اما تنامي الفيلم عبر الشخصية المتفردة وهي شخصية يحي المحورية والتي تدور الاحداث حولها … يجب ان تتميز .. شوفي انا أأزم المشاهد بحيث يتفاعل مع الاحداث ومن ثم اريحه بقفشة حوارية او بفعل حركي يؤديه الممثل … وعلي ان اقنع المشاهد بطريقة ذكية ان يفكر معي وان يضع معي نهاية نكون نحن الاثنين متفقين عليها بدون فكر تسلطي … لان أي مشاهد لا يحب او يرضى ان تقول له فكر كذا او اعمل كذا بأسلوب الاوامر او اضع عليه وصاية على افكاره .. فلذلك تريني اشركه معي وباسلوب معين اراه مناسبا ومقبولا دون ان احسسه اني افرض وضعا معينا عليه …معظم افلامي نهاياتها مفتوحة يضعها المشاهد حسب ما تمليه عليه افكاره او حسب ما شاهده في الفيلم .. وبهذا اعتقد اني نجحت ان اجعل مجموعة من المشاهدين يتناقشون ويتخاصمون فيما بينهم … اي جعلت المشاهد يفكر في حاله ويفكر معي في الموقف المطروح وبالتالي ياخذ موقفه هو من الحياة التي يعيشها نحو التغيير نحو الافضل في الحياة ويواجهها بكل صلابة ….يلا بقى نأكل (التفت الى ماريان )
– ايه رأيك فيها ؟؟ مش قلتلك البنت دي كويسة ولديها فكر جميل ..
– وبعد تناول الطعام جلسنا نعمل يمليني ما يريده وهكذا استمرينا في الكتابة  يوميا الى أن انتهى السيناريو التنفيذي … وهنا توطدت علاقتي الحميمة بماريان الى يومنا هذا .. واصبحت صديقتي وخير عون لي … اعطاني ديكوباج الفيلم المنتهي..

غدا يكمل كشف مواقع التصوير ونذهب الى استديو جلال لرؤية الديكور …  وخرجنا انا وماريان الى شقتهم والتي تقع تحت شقة شاهين … وتعرفت على العائلة … مدام اريس ام ماريان واخت شاهين امراة طيبة ومثقفة وجميلة … وكان تعلقها بشاهين شديدا وكانت تخاف عليه وتلبي طلباته …وهي متزوجة من المنتج اللبناني جان خوري وهو من اكبر المنتجين السينمائيين في فترة الاربعينات والخمسينات ..اما زوجة شاهين كوكي فهي راقدة في المستشفى بباريس على اثر حادث في سيارتها … جلسنا انا وماريان نقرأ باوراق شاهين اي السيناريو التنفيذي – الديكوباج –  كذلك هنالك تعديلات كثيرة قد طرأت على السيناريو ..وكانت تواجهني مشكلة حيث ان جو يكتب باللغة الانكليزية وسرعان ما يتحول الى الفرنسية وبعدها يعود الى العربي .. واخذت ماريان تترجم لي الفرنسي وبعض الكلمات الانكليزية لان اتقاني اللغة الانكليزية كان جيدا  وتشرح كل ما يصعب علي فهمه …

انهينا  ديكوباج مشاهد الشقة والتي ستصور داخل شقة شاهين .. وعرفت طريقة شاهين بالتصوير ويبتعد عن اللقطات القريبة جدا الا ما ندر .. لان كل لقطة لها معنى وسبب .. ومن خلال الديكوباج رأيت اللقطات المركبة أي في لقطة واحدة يستعمل 6 الى 7 لقطات حسب ما يتطلب المشهد وهذا يعكس  تكنيك المخرج الذي يفهم عمله .. والى يومنا هذا حينما اشاهد اي فيلم استطيع ان  اعرف امكانية المخرج التكنيكية من خلال ما تعلمته في مدرسة شاهين …

انهينا عملنا أنا وماريان وخرجنا الى برج القاهرة حيث الشباب ينتظروننا … وليل القاهرة  جميل .. صعدت الى اعلى دور ..كم هي رائعة القاهرة  ..بساط  جميل مرصع بانوار ملونة ممزوجة بانوار الاعلانات الملونة فترى هذا البساط كانه لوحة امتزجت فيها كل انامل الابداع … اضافة الى نسيمات عذبة تشرح الروح وتحس بالأمان وتخلق معك علاقة روحية من نوع خاص .. جلسنا في الكافتريا .. اناس من مختلف الجنسيات .. عوائل مصرية سمحة الوجوه … ثمة مبنى لم يكتمل عرفت انه دار الاوبرا المصرية وعلى يمين البرج ومن الناحية الاخرى مبنى لم يكتمل ايضا انه المجلس الاعلى للثقافة …كل شيء في القاهرة يوحي اليك بالحياة ينبض  بالحيوية .. هذه المدينة يلفها سحر من نوع خاص … وبين صخب الشباب وروحهم المرحة تتكسر كل حواجز الغربة واحسست كأني اعرفهم منذ زمن طويل .. نهضنا بعد العشاء بعدما اقتسموا تكاليف العشاء بينهم … كانت فسحة رائعة وعلى ما اتذكر انها الفسحة الوحيدة التي قمت بها على مدى سنتين مكثتها في القاهرة حيث زحمة العمل كانت تحول دون ذلك الا بعض الرحلات القصيرة العائلية التي كنت ارافق فيها ماريان .

 

4 تعليقات

  1. Avatar المخرج ذوالفقار المطيري

    اعجبني كثيراً في هذا الجزء من الشرنقة هو طريقة تحليلكي للسيناريو يوسف شاهين . واسلوب طرحك للملاحظات او الاستفسارات .. محبتي الدائمة لكي دكتوره خيرية المنصور

  2. Avatar باسم محمد كريم

    هذه الرحله الرائعه مع العملاق يوسف شاهين في مذكرات من تاريخ السينما العربية تجسدها مخرجة عراقية قديره نفتخر بها جميعا هي خيرية المنصور

  3. د. خيرية المنصور خيرية المنصور

    شكرًا للمبدع المخرج الشاب ذو الفقار … راح تشوف بعض المهن المفقودة لدينا في العراق والتي ينظر اليها باستخفاف مثل عامل الكلاكيت تسند لعامل وغيرها ..لم تَخَلَّق المؤسسات المعنية بالسينما مهن سينمائية تسهل العملية الإنتاجية ولم يخططوا لمستقبل السينما كصناعة وفن لكي يتواصل ويعمل بها جيل الشباب القادم

  4. د. خيرية المنصور خيرية المنصور

    شكرًا المبدع باسم .. هو هذا العراق طاردا لمبدعيه موت يكرف هيجي مؤسسات فنية شعارها النهب واقصاء الاخر البركة بيكم انتم الشباب

اترك رد