الفنان عماد أبو زيد و القيمة بين المنجز والمفهوم


 

فى إقتحام للرتابة ونمطية الإستهلال . نبدأ مقالنا فى تناول تلك التجربة والتى تعد واحدة من التجارب الهامة والجادة لأحد فنانى جيل ( التسعينيات ) المميز والأكثر حظا وإجتهادا فى تاريخ التشكيل المصرى الحديث والمعاصر ، والتى تدفعنا من خلال طرحها على الوقوف أمام العديد من التساؤلات ، والتى سنظل عاكفين على إيجاد إجابات لها تشفى الغلة ، وتمنح درجة من اليقين فى تميز القيمة من خلال الفن و أطروحاته على مر العصور والأزمان . فهل كل ما تم ممارسته تحت مظلة ومسمى الفن يعد قيمة ؟ وهل يجب وضعه نصب العين فى معالجاتنا الحالية لقضية ما من خلال الفن ووسائطه ؟ أو فى صياغة أخرى لنفس التساؤل ، كيف نعاير القيمة فى الفن وما أهمية إستحضار الأمس لقراءة اليوم ؟ وهل القيمة فى الفن هى تلك الفكرة والمفهوم المستتر وراء الملموس و المطروح من خلال وسيط يرمز ويعبر ؟ أم أن ذلك الملموس والمطروح ( المنجز الإبداعى ) اللحظى والذى تتفاوت مدة لحظيته الزمنية هو غاية القيمة ؟ … هنا نجد أنفسنا أمام أجمة ( غابة ) كثيفة ومتشابكة من التساؤلات قتلت بحثا ونقدا وتنظيرا وضربت لها حلقات النقاش ، وتألفت حولها المئات من المتون ، وتبلورت حولها عشرات الفلسفات ، وذهب كل حزب بما لديه فرح معتقدا الفوز والصواب . و ألبست كل فرقة صيدها منه رداء الفوز وثوب اليقين معتقدة بأنها أدركت الماهيات ، وباتت المعايير الفكرية والمفاهيمية متعلقة بثراء الثقافات و تسلط المعتقدات وإستقرار المجتمعات و درجات رقيها بين المتجاورات سواء فى الزمان أو المكان . وقبل أن نغادر هذا الفيض من التساؤلات والتى نعزف جميعا عن الخوض فيها من جراء ثقافة التعصب والتحزب لسياق بعينه يختلف بإختلاف الإدراك لدى كل منا ، يبقى لنا تساؤل هام ، هل ما تم من منجز فى السابق طرح على خلفية كونه فنا مجردا ؟ أم كان ضرورة حياة ونشاط تجمع ونسق مجتمعات ؟ وهل ما يقدم الآن هو مجرد عبث لا يتخطى الوقوف على تلك الأطلال ذات القيمة ؟ ، أم هو بدوره مرحلة إنتقالية إلى غد ومستقبل ينظر لحاضرنا ومنجزه على كونه أحد نقاط الإنطلاق نحو غد أبعد ؟

وربما وجدت فى تجارب جيل التسعينيات والذى حظى بمعايشة الطفرة العالمية للنشاط المجتمعى العالمى على كافة الأصعدة فى ثمانينيات القرن العشرين . والتى تركت لنا ما نطلق عليه الآن كلاسيكيات النقلة النوعية وما بها من حداثة وما تلاها من عولمة نتجت عن طفرات الإتصال والتواصل بين أطراف المعمورة . وربما جاء إختيارى لتجربة الفنان الجاد والمفكر والمجتهد / عماد أبو زيد كأفضل النماذج الفنية التى خاضت ذلك النزال المفاهيمى من خلال طرحها الإبداعى والفنى وكذلك البحثى والأكاديمى فى بعض تلك الإشكاليات ، والتى أتت كمحاور رئيسية فى تجربته ، كما أننى أجده من هؤلاء الذين خاضوا هذا النقاش من وجهة نظر شديدة المصرية وبعقلية أبعد ما تكون عن الجمود والتعصب ، ولا تنكر تيارات الحداثة وما بها من شطحات . فجائت تجربته مجردة وإن كانت تحمل صياغة مثقفة تصعب قرائتها للمتلقى البسيط الثقافة ، ولكنها فى نفس ذات الوقت تسعى إلى الأخذ بيده ودفع فكره نحو فضاء أوسع للتفكير والتثقيف . ولا شك فى أنها أحد التجارب التى تربت على الفلسفات المفاهيمية لصالون الشباب ، وأدركت مغزاها ولعبت على مساحات الحرية التى شرعتها فى تلك الفترة ( بداية التسعينيات ) ، كما أتت دراسته الأكاديمية فى كلية التربية الفنية والتى تتمركز على قائمتين هامتين وهما ( المنهجية و الخامة ) ، أتت تلك الدراسة عنصرا داعما لتلك التجربة الهامة ، ولعب شغف / عماد أبو زيد الفنى والفكرى دور حجر الزاوية والذى منح التجربة ذلك الترابط وهذا التواجد وسط أبناء جيله بشكل خاص وفى التشكيل المصرى الحديث والمعاصر بشكل عام . وقد مكنت سياسات السياق التجريبى والتى إنتشرت عالميا فى نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات ، ومصريا مع بداية فعاليات ( صالون الشباب ) ، مكنت تلك السياسات الفنية والتشكلية تجربة الفنان / عماد أبو زيد من ممارسة تجربته من خلال تفريعة ( الأعمال المركبة / المفاهيمية ) ، والتى كانت تعجز اللوحة فى التعبير عن مفاهيمية طرحه بنفس اللغة البصرية التى وفرتها له تلك التفريعة المستحدثة ، لما للوحة من حدود بصرية وإمكانات ذات درجة من المحدودية فى التعبير عن جملته الفكرية ذات التفاصيل والنقاشات وما وراء العلاقات البصرية ، وإن كانت تجربته قد إحتفظت بمنجزها من العمل التصويرى ( اللوحة ) والذى أجد إحتفاظه به نوع من التوثيق المشفر ، والذى يسهل تفكيكه بصريا وإستحضار مفاهيميته بصورة ليست بالصعبة وإن إحتاجت إلى حد معين من الثقافة فهو لا يقدم للمتلقى فنا ذو علاقة بسطحية غريزة الفضول البصرى ومتعة الإمتلاك ، بقدر ما يقدم له فكر يعمل على الأخذ بيديه نحو براحات الفكر وميادين التذوق . وإن كان منجزه التصويرى قد إحتفظ بما فيه من جماليات التجريد وأسس التصميم و براحات التجريب من خلال الوسائط المتعددة . ولكن تبقى الأعمال المركبة فى تجربته هى الأكثر حضورا وطزاجة حتى اليوم وإن لم يتبقى منها سوى شفرات اللوحة التصويرية المسطحة ،

وتجربة / عماد أبو زيد واحدة من التجارب التى ناقشت وطرحت العديد من التساؤلات . وعزت طرحها من خلال الإشكالية الأبدية والأزلية والجدلية وما أطلق عليه ( إشكالية الأصالة والمعاصرة ) ، والتى أرى أن / عماد أبو زيد قد أنكر خبث مغزاها . وأعتقد ولا أدعى الجزم بذلك بأنه يشاركنى خبث تلك الإشكالية وغرضيتها ، والتى إستوقفت السواد الأعظم من المبدعين فى منتصف الجسر بين الأمس والغد ، بل وتهدد دائما بنسف ذلك الجسر من خلال الوقيعة بين الماضى والمستقبل من خلال الحاضر الرابط بينهما . فقد أتت تجربة الفنان / عماد أبو زيد لتناور فى براعة وسلاسة وتتفادى الوجود على ذلك الجسر المهدد دائما بالنسف من خلال تلك الإشكالية شديدة الإنفجار ، فقد رأى / عماد أبو زيد السير فى ركب هذا التيار المرن والمتعقل فى إعتبار الأمس موجودا منطقيا وجب المرور من خلاله للوصول إلى اليوم ، والتجهز منه للإنطلاق إلى الغد ، وعلى الرغم من كونه قد ناقش ورصد مظاهر حالية تفشت فى حاضرنا وأصبغت عليه صبغات الهيكلية عديمة الواقعية والمذاق وقليلة الفائدة والعائد ، وقد يرى البعض أن إستعانة / عماد أبو زيد بالعديد من الرموز والثيمات الأصيلة هو نوع من الخوض والتناول لإشكالية ( الأصالة والمعاصرة ) ، إلا أنه يقوم من خلال تلك الإستعانات والتناولات بتلك المناورة الضرورية والمباشرة فى إستحضار روح الأمس مجردة من متونها ، فالمتنون من وجهة نظره هى ذات خصوصية بالنسبة للزمان والوقت ، وبالنسبة للمكان والجغرافيا ، أما الروح والحالة فهما يمثلان الصدق فى التناول والإخلاص فى الطرح فى مطلق الحال ودون الإعتبار لعنصرى المكان والزمان . كما أرى أن طرح / عماد أبو زيد قد تطرق لإشكالية القيمة والمنجز الإبداعى الواهى والهيكلى والخادع ولا أدل على ذلك من عمله المركب والذى شارك به من خلال العرض النوعى ( ماذا يحدث الآن / قصر الفنون 2006 ) والذى حام حول شكل المتغيرات الإبداعية فى الوقت الراهن . ذلك العرض الذى ناسب وصادف مفهوم وفكر / عماد أبو زيد . فأتى عمله والذى تصدر القاعة الرئيسية للعرض بمثابة نموذج لمفهوم العرض . و مثالا يحمل درجة كبيرة من النضج والوعى والإدراك فى تجربة الفنان / عماد أبو زيد والتى يدعمها دائما بفلسفته تجاه ما يطرحه ، ويعمل على تفنيد أسانيده فيها دون إبهام بحجة المطلق الفنى .

وربما يقصر المقام عن إستعراض نماذج عدة من منجز تلك التجربة ومرحلياتها وخصوصا ذلك الخاص بالمنجز البحثى فى تجربته والتى لا أجد إنفصلا فى شقيها الفنى والأكاديمى . ومن الخطاء أن نرى من المنجز التشكيلى هذا الملموس المجسم والمسطح فقط ، فالجانب البحثى والأكاديمى هو جزء لا يتجزء من المنجز التشكيلى ، فكثير من المغاليق الفنية قد فض أقفالها منجز المتن المكتوب ، ورقعته البحثية بما حوته من تفاصيل أو نتائج كان لها الأثر فى إماطة اللثام عن معضلات تقنية أو مفاهيمية ، ولكننى أستعرض هنا بعضا من نماذج ( العمل المركب ) فى تجربته ، وكذلك تناولا مختزلا ومختصرا عن البعد الفنى والتقنى فى أعماله التصويرية والتى ناسبت ملكاته فى التعبير من خلال الخامات المتنوعة والتى أورثتها إياه الدراسة الأكاديمية .

وقد أتت الأعمال المركبة فى تجربة الفنان / عماد أبو زيد مرادفة لما يشبه البطولة المطلقة والمنفردة لممثل فى تجسيد نص أدبى طويل و دسم و زاخر بالتفاصيل . فالأعمال المركبة واحدة من وسائط التعبير الكاشفة والتى تضع المبدع والممارس للفن تحت ضغوط كبيرة ، كتلك التى يتعرض لها المبدعين فى تجارب الأداء العلنية والغير قابلة لتدارك الأخطاء و إصلاح إوجه القصور . وقد جائت جميعها لتطرح تساؤلات وتستعرض إشكاليات جدلية كبيرة منها ما هو خاص بالماضى البعيد ومدى ما طاله من طمس وفقد ناتج عن عوامل عدة ومدى علاقته و تأثيره فى الحاضر بما فيه من حلول مستحدثة تمكن من التوثيق والتداول على نطاق أسهل وأوسع إنتشارا ، كعمله المركب ( حريق مكتبة الأسكندرية ) والذى نال عنه جائزة العمل المركب لصالون الشباب فى دورته ال ( الثامنة ) عام ( 1996 ( ، ومنها ما يطرح إشكاليات زيف القيمة وما آلت إليه من سطحية إستهلاكية متسارعة لا تلبث أن تزول وتندثر وتتوارى دون ترك أثر أو ذكرى من جراء أسباب عدة ، منها ركاكة الفعل الإبداعى وسطحيته وقشرية مظهره وخواء مضمونه ، وإزاحة ما يليه من مستحدث وتناول ، وكأننا أمام مادية تتشكل من جزيئات مهوسة ذات إنشطار عشوائى إهوج تتدافع فى إتجاهات متضاربة تاركة إنطباع رمادى بارد متصحر التضاريس وقاحل المناخ . وقد عبر / عماد أبو زيد عن تلك الإشكالية بعمله المركب فى عرض ( ماذا يحدث الآن / قصر الفنون 2006 ) ذلك العمل الذى جاء فى شكل تجهيز فى الفراغ . فى مساحة تقارب الثلاثون مترا مربعا . مستغلا ضلعين متقابلين لفرضية مستطيل ، شغلهما بعدد بعدد عشرة أعمال تصويرية بقياس متوسط للعمل الواحد فى حدود ( cm150×cm150 ) ، صور من خلالهم حالة تجريدية مستمدة من روح الماضى ومتنونه وصوره ورموزه الدالة على حالات الحضارة وما بها تأصيل ، وصاغها من خلال خامات متنوعة وعجائن لإحداث المناسيب على السطوح وأظهرها بما يرادف تعتيق الزمن ، وجائت أرضية العمل تتوسطها عملين أخرين للتصوير على نفس الوتيرة ، وعلا هاتان اللوحتان على الأرض شبكة شفافة على إرتفاع يقارب الcm 60 تصنع من تقاطع خيوطها مربعات متساوية المساحة المربعة ، ثم قام بتغطيتها . بورود بيضاء هيكلية . صاغها من خامة الفوم والتى تعامل معها ببساطة وسلاسة غاية فى الروعة ليصنع منها تلك النماذج المعبرة عن الورود الصناعية ذات الشغل وليست ذات المضمون . واتت تلك الورود المحمولة على تلك الشبكة الشفافة لتغطى هاتان اللوحتان فى الأسفل وتخفى النسبة الكبيرة من مساحتهما وتفاصيل ما بهما لتعلو عليهما وتأخذ عين المتلقى . كما صنعت تلك الورود ومنسوبها علاقة تقابل مع اللوحات العشرة المعلقة على ضلعى المستطيل ، ليجد المتلقى نفسه فى مقارنة إجبارية بين الماضى بما فيه من قيمة تأسست على أصول وثوابت ، وبين تلك الورود الثابتة المظهر ولكنها فى واقع هيكلى يمثل إستهلاكا سريعا على كافة المستويات ويعبر عن الحادث فى تلك الأونة ، ويضع تساؤله عما سيحدث فى الغد .

أما عن الشق التصويرى فى تجربته فأراه يمثل ذلك الأرشيف المعبر عن مرحلية وتدرج الفكر لديه . وإن كان يحمل كما سبق وأن
ذكرت درجة من الإبهام فى القصدية ، إلا أنه أيضا لا يخلوا من تعبيرات ودلالات سواء على مستوى اللون أو مستوى الرمز . فألوانه فى كافة تبايناتها أتت على درجات من الأوكر والسيبيا وبعض المساحات الحيادية المذهبة وجميعها تدفعنا إلى إجترار الأمس بكافة أشكاله وحضور عبقه ورمزياته و ثوابته ومعايير الممارسة الحياتية لمجتمعه وشخوصه . كما أتت بعض أعماله فى التصوير لتطرح علينا نموذجا شديد القدم وهو ما طرح فيه نظرته تجاه دلالات الرمز فى رسوم ما قبل التاريخ وبخاصة تلك التى أتت على جدار الكهوف فى ( تاسيلى بالصحراء الكبرى . وكهوف سيبيريا ولاسكو والتميرا وغيرا من كهوف أوروبا الغربية ) أتت جملته لتطرح إشكاليات ذات علاقة بمغزى الرمز فى تلك الرسوم وغرضيته ودوافع رسمه وإيجاده على تلك الحالات وقد أصل تلك التجربة ببحثه تحت عنونة ( الرمز فى الفن البدائى وما قبل الأسرات والحضارة المصرية القديمة كمصدر لإستلهام أعمال تصويرية ) ، وهى واحدة من الإشكاليات ذات العلاقة بوظيفة الرمز فى المجتمعات القديمة وقيمته بالنسبة لتلك المجتمعات . أما على المستوى التقنى . فقد أتت لوحاته من تلك اللوحات ذات الدسامة لما بها من تناولات ذات علاقة بتناغم توظيف الخامات المختلفة لإيجاد تأثير خادم لمفهوم الطرح و الجملة الفنية للمبدع ، وقد خرجت لوحاته التصويرية حاملة معها تلك الروح العتيقة التى إستحضرها من الماضى ، فالخامة فى أعمال الفنان / عماد أبو زيد تلعب دورا هاما فى تحقيق مفهومه ، كما تأتى مهارة التعامل مع الخامة من خلال الممارسات التقنية المتنوعة والتى تؤدي دائما إلى إستخراج إمكانيات الخامة الدفينة والتى تنعكس بدورها على ثراء السطح ليؤدى دوره فى الجملة التصويرية ،

إن مثل تلك التجارب القائمة على تلك الجملة النقاشية الطويلة لهى واحدة من مكاسب سياسات التجريب التى دفعت بها المؤسسة الرسمية فى مطلع التسعينيات ، وهى أحد الأسباب الدافعة بالتشكيل المصرى إلى التطلع إلى حركات الحداثة العالمية ومدارسها ونشاطاتها وكيفيات التناول لأساليبها ووسائطها التى أخذت فى التوسع . وهى من تلك الأطروحات التى تطرقت إلى الخوض فى إشكاليات الفن المزمنة والمثيرة للجدل والتى تتولد عنها تلك التجارب الممتعة إذا ما تم ممارستها بتلك الجدية ، وهى أيضا تمثل الحراك التشكيلى الذى تتفاعل فيه جملة المفهوم مع جملة المطروح من منجز ، لتضع أمامنا تلك الأسئلة التى تدور فى خلد الكثيرين عن قيمة الفن وماهيته ومعايير تقديره وتقيمه وإحداث نقاط الفصل فيه بين ما هو حقيقى وما هو عبثى . وتحديد معاييرالقيمة ما بين المنجز والمفهوم .

وأخيرا خالص تمنياتى للفنان والصديق د/ عماد أبو زيد بعرض موفق فى معرضه غدا والذى تستضيفه قاعة ( كحيلة ) بالقاهرة إبتداء من التاسع من يناير 2017 .

لا تعليقات

اترك رد