القواعد القانونية بين الدين والأخلاق


 

أن للدين والأخلاق أثرا كبيرا في تكوين القواعد القانونية إذ تتحول في كثيرمن الأحيان بعض قواعدهما إلي قواعد قانونية متى وضعت الدولة لها جزاءدنيويا وأخذت الناس باحترامها وكلما تقدمت الإنسانية كلما ضاقت مسافةالخلف بين الدوائر المختلفة للقانون والأخلاق والدين فيدخل كثير من الواجبات الخلقية والدينية في دائرة القانون

فالأخلاق تتضمن قيما ومبادئ عامة محددة لاستقامة السلوك الإنسان يتصلح للبشر كافة دون اعتبار للزمان أو المكان. فالله تعالى خلق الإنسان مناجل أن يعمر هذه الأرض وينشر فيها السلام والمحبة على أساس الفطرة الخيرة للإنسان. ويرى بعض العلماء إن أصل فطرة الإنسان تشبه كيانه الجسدي على أساس إن أصل الجسم الإنساني هو الصحة وما المرض الذي يعتريه إلا حالة طارئة بسبب الغذاء أو الهواء ، وهكذا الأخلاق الإنسانية فعوامل الشر التي تعتري الإنسان عبارة عن أمر طارئ على أصل فطرة الإنسان

وفي الواقع، إن التفريق بين القواعد القانونية والأخلاقية لم يحدد بصورةعلمية واضحة إلا في العصور الحديثة وبصورة خاصة في القرن الثامن عشر. أما في العصور السابقة فقد كان التداخل بين هذه القواعد كبيرا إلىحد يصعب معه التفريق بينهما، بالرغم من أن الرومان قد عرفوا نوعا من هذا التفريق (حيث أن أحد كبار فقهائهم بول (Paul) كان يقول إن ما يسمح بهالقانون لا يكون دوما موافقا للأخلاق، وهو يعني بذلك أن هنالك فارقا بين القانون من جهة والأخلاق من جهة ثانية). في العصور القديمة، كان الدين هو المسيطر بين أغلب الشعوب، وكان ما يأمر به الدين يعتبر في الوقت ذاته موافقا للأخلاق وواجب الإتباع من الوجهة القانونية.

وبالرغم من أن التداخل لا يزال كبيرا في العصر الحاضر بين قواعد القانون والأخلاق، حيث أن الأولى هي في أغلبها مستمدة من الثانية (فالقواعد التيتأمر بعدم القتل أو السرقة أو بوفاء الديون مثلا هي قواعد قانونية وأخلاقيةفي نفس الوقت)، بالرغم من هذا التداخل الكبير فقد حاول فقهاء القرن الثامنعشر، وبصورة خاصة توماسيوس (Thomasius) وكانت (Kant)، بيان بعضالفوارق بينهما، وهي فوارق يؤدي إليها اختلاف الغاية والهدف بالنسبة إليهما، من حيث أن الأخلاق تهدف بصورة رئيسية إلى تحقيق الطمأنينة والسلامة الداخلية للإنسان وبلوغ الكمال الفردي، بينما يهدف القانون قبلكل شيء إلى تحقيق الطمأنينة والسلامة العامة أو الخارجية وتأمين النظامفي المجتمع.

فقد قال الله تعالى:( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم… وهذا دليل أكيدعلى إن الإنسان خلق وفطرته قد طبعت على الخير وليس الشر. وقد يتحولالإنسان إلى الشر نتيجة عوامل مختلفة من بينها إن يحيا في مجتمع غير منظم تسوده الفوضى لان المجتمع المنظم يتحقق فيه العدل الذي هو نعمة مننعم الله على الإنسان. إذ به يتحقق التوازن بين الحقوق والواجبات ، فلا تبرزإلى الوجود طائفة تتمتع بامتيازات تختلف عن الآخرين ، إذ يؤدي ذلك (إنحصل) إلى تولد الشعور بانعدام العدالة ، وبالتالي انعدام الاستقرار فيالمجتمع . فالإسلام أكد بنصوص واضحة صريحة على أهمية تحقيق العدل(إن الله يأمركم إن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس إن تحكموابالعدل

القانون ظاهرة اجتماعية فلا قانون بلا مجتمع إذ هو تلك المجموعة من القواعد السلوكية التي تنشأ لتنظيم سلوك الأفراد داخل المجتمع ليفض ما قدينشأ بينهم من تضارب ويحل ما عسى أن يثور بينهم من خلافات بحيث أنهإذا لم يوجد مجتمع فلا تقوم الحاجة إلى القانون، ويستوي أن يكون مصدرهذه القواعد هو التشريع أو مصدر قانوني نعترف به. وهذا القانون الموجه إلى الأشخاص إما أن يتضمن أمرا لهم بالقيام بفعل معين، أو نهيا عن القيامبه، أو مجرد إباحة هذا الفعل دون أمر به أو نهي عنه. وفى إطار المجتمع الإنساني فإن المقصود بالمجتمع هنا ليس هو مجرد اجتماع عدد من الأشخاص لقضاء حاجة ما كالاستمتاع بمنظر طبيعي، أو مشاهدة عرض معين، ولكن

المقصود بالمجتمع الذي على قدر معين من الاستقرار أي المجتمع السياسي المنظم الذي يخضع أفراده لسيادة سلطة عامة تملك عليهم حق الجبر والقهرحتى ولو لم يتخذ هذا التنظيم السياسي شكل الدولة بمعناها الحديث. كماأن القانون لا يهتم بسلوك الإنسان إلا فيما يتصل بتنظيم العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع أي السلوك المتصل بالجماعة دون غيره من أنواع السلوك الأخرى التي ليست لها ذات الصفة.

. كما أكد الإسلام على المساواة بين كل أفراد الأمة بما فيهم من هم في أعلىالمستويات عن طريق قواعد قانونية عادلة تطبق على الكل مهما كانت مواقعهم ، ويتجلى ذلك في قول رسول الله محمد (ص) : (إنما أهلك من كانقبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق الضعيف أقامواعليه الحد ، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها . فالإنسان إذا عاش في مجتمع غير منظم تسوده اللامساواة فقد تنحرففطرته الخيرة إلى الشر ، فالمجتمع غير المنظم مرتعا من مراتع الفوضى والأنانية والجحود وانعدام الوفاء والظلم والفساد .

ومن العوامل المؤثرة في ابتعاد الإنسان عن فطرته الحكم الظالم المتمثل بالاستبداد والزعيم الأوحد الذي يتجه إلى الظلم والاستغلال الذي يولد فينفوس الناس الحقد والكراهية .

وبظهور الدولة اقتضى الأمر سن القوانين لكي تلزم المخاطبين بقواعدها،فالدولة ظهرت في القرن السادس عشر الميلادي والعاشر الهجري وأصبح تشخصاً من أشخاص القانون الدولي العام، وقد نظمت الحياة الدنيوية، ولم تكترث بتنظيم الحياة الأخروية، ففي الوقت الذي يهتم الدين والأخلاقبالنوايا والمقاصد الباطنية للفرد، لا تهتم القاعدة القانونية بذلك إلا إذا تعلقت بالقصد الخاص للجريمة الجنائية أو المدينة أو التأديبية.

فقواعد القانون أقل عدداً من القواعد الدينية والأخلاقية، والقوانين أقل تشدداً من هذه القواعد لأن المطلوب من البشر أن يعيشوا بسلام اجتماعي، أماالضغائن والأحقاد فلا يأبه بها القانون إلا إذا فاءت إلى أضرار الآخرين، بينماالدين والأخلاق يهتمان بنقاء السريرة وصفاء الصدر وتجنب المشاعر السلبيةتجاه الآخرين، فالشخص فرداً بشرياً أو شخصاً معنوياً عاماً أو خاصاً يخضع للقواعد القانونية فلها الأولوية في اهتمام الدولة. بيد أن الدولة لاتكون مكترسة تماماً بالقواعد الدينية والأخلاقية بل تحاول أن تأخذ منها ماهو في مصلحة السلام الاجتماعي والضمير الإنساني العالمي الخالد، فتلزمالقواعد القانونية أن ينفق الأب الموسر على أبيه أو أمه أو أخيه العاجز، وهي النفقة المعروفة في الشرع الإسلامي، وما زالت بعض القوانين تحظر انتحار الفرد وتلزم الفرد بمساعدة من يتعرض للدهس أو الغرق أو الموت، فلا يقبل المشرع الوضعي أن يقف الفرد متفرجاً على أخيه الإنسان وهو بأمس الحاجة للعون الجسدي

كمن يرى طفلاً يتدحرج في الطريق العام وتأتي سيارة قادمة قد تدهسه لو لم ينقذه في الوقت المناسب، كما أن قوانين الدول الإسلامية بعامة والدول العربية بخاصة تأخذ بأحكام الأسرة (الأحوال الشخصية) وفق المذاهب الفقهية الإسلامية لهذه الدول، وهذا يعني أن هذه الدول قننت أحكام الزواج والطلاق والميراث تقنيناً قانونياً، وبدلاً من أن تكون هذه الأحكام مبثوثة فيصلب كتب الأصول والسلف الصالح تجسدت في قوانين معاصرة.

خلاصة الأمر أن الشخص يخضع لقواعد القانون بصفة رسمية لأنها مقترنة بجزء مادي عكس القواعد الدينية والأخلاقية التي يتجاهلها ضعاف النفوس أو ذوو الضمائر الميتة، فالقانون يحترم من النبيل والدنيء، فالأول يحترمه لأنه في مصلحة المجتمع، وفي مصلحته أيضاً، والثاني يحترمه لأنه يخافه،ففيه من العقوبة المادية ما تكفل سيادته ونفاذه وقد يحاول التحايل عليه!

ولو انتفى القانون، أي أصحبت الدولة من دون قوانين وأنظمة لتحول المجتمع إلى غابة يأكل الشديد الضعيف، فالقانون سلاح الدولة المادي في كفالة استقرار النظام العام بما يحويه من علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية،ومراكز قانونية عامة وخاصة.

الدكتور عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبير في القانون العام

ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية

ومستشار وعضو مجلس الإدارة بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والإستراتيجية بفرنسا

ومستشار الهيئة العليا للشؤون القانونية والاقتصادية بالاتحاد الدولي لشباب الأزهر والصوفية

ومستشار تحكيم دولي وخبير في جرائم امن المعلومات

لا تعليقات

اترك رد