الحرية والديمقراطية والعلمانية .. حلقات تحرر العقل العربي


 

في محراب الكلمة والفلسفة والفنون تكون التاريخ الانساني ليحمل الحضارات والفكر والمعرفة الي البشرية جمعاء دون تفرقة أو تمييز في الدين والجنس والعرق. فمنذ آلاف السنين تم كتابة الأديان وتكونت المشاريع النهضوية للشعوب والدول، منها ما نجح في التقدم، وبعضها مازال يصارع لتكوين هوية ومشروع حضاري ينطلق بها الي المستقبل.

لقد أنكب المؤرخون الأوروبيون في القرن التاسع عشر الذي يعتبر قرن التاريخ على إعادة كتابة تاريخ أوروبا وفلسفته من منظور تاريخاني ينطلق من أن الحقيقة ليست معطى جاهزا متعاليا، بل معطى تاريخي، بمعني أنه يتطور مع التاريخ، ومعنى هذا أن الحقيقة في كل عصر هي أقرب الي الكمال منها في العصر الساري، وأن الآتي أقرب الي الحقيقة من الراهن. ونتج عن ذلك أنه لما كانت أوروبا وحضارتها هي الحاضر أي أنها العصر الحديث أو الأزمنة الحديثة وتعيش وحدها الحداثة، فإن جميع العصور السابقة في تاريخ الانسانية هي عبارة عن مراحل قطعها التطور في مسيرة حضارية بلغت أوجها في أوروبا الحداثة، وهكذا يكون التاريخ قد أختار أوروبا لتكون قمة مساره وأوج تطوره الآن، وقائدة هذا المسار غدا. وفي خضم التطور الحاصل في أوروبا والعالم المتقدم، نتسائل نحن العرب والمسلمين عن الدور التاريخي والحضاري الذي نريد أو الذي خسرناه.

سنلاحظ أن القضايا الأساسية التى شكلت قوام فكر النهضة العربية في القرن الماضي ما زالت حية قائمة كمطالب وطموحات مع بداية القرن الحالي، فالوحدة العربية، والجامعة الاسلامية، والوقوف في وجه التدخل الاوروبي والأمريكي، وتحرير المرأة، ونشر التعليم، والأخذ بأكبر نصيب في الصناعة والتكنولوجيا، ومحاربة مظاهر التخلف في الفكر والسلوك، والوقوف في وجه الظلم والاستبداد، والمطالبة بالشورى أو الديمقراطية..الخ. هذه القضايا كانت تشكل في القرن الماضي قوام فكر النهضة وعنوان اليقظة للعرب والمسلمين، ما زالت مطروحة اليوم، ما زالت أهدافا ومطالب تنتظر التحقيق.

لكن السؤال المصيري ضمن التحولات التاريخية في العالم الغربي وضمن تعسر مشروع النهضة العربية والاسلامية، ينطلق من:
– ما هو السبب في اخفاقنا؟
– كيف ننطلق من جديد؟

نحاول هنا، وضمن المتاح لنا، أن نستعرض بصورة نقدية وأكثر شفافية وصراحة، الإجابة على أسئلة ليس متفق عليها في بعض الأحيان، وخاضعة في أحيان أخر لبنية العقل العربي والاسلامي المتوالد من التاريخ العربي وتاريخ الدين الإسلامي.
إنها تحولات لا ينبغي لنا أن نرى فيها نهاية التاريخ ولا أن نجعل منها مقبرة الأمل..إن المراجعة النقدية ضرورة ملحة لاستعادة الأمل واستئناف المسيرة مع التاريخ للمشاركة في صنعه والتأثير في مجراه، فكلما تحركنا في اتجاهات متعددة ومختلفة، فهنا نصنع مخاضات للعقل ورؤية ساطعة لمشاكلنا الداخلية، ننقلها الي الحاضر، والي أجيال متعطشة لمعرفة لماذا تخلف العرب والمسلمين وتقدم غيرهم.

لاشك ان التراكم المعرفي، العلمي والفلسفي، خلال القرون الماضية كان له الاثر الاكبر في تطور المفاهيم الانسانية والبشرية المتعلقة بمبادئ الدولة وحقوق الإنسان والمرأة والحريات الفردية وحتى الأطفال بينما لم تستطع الاديان او التعاليم والوصايا الدينية من تقديم اى مقياس يمكن ان نقيس به تطور الأمم والشعوب والمجتمعات ما عدا بعض التجارب الملحقة ضمن ظروف مادية وفكرية غلبت الدين في بعض مراحله كالدولة العباسية، وذلك لثبوت النص الديني وعدم قابليته للتعديل او للتغيير توازيا مع التطورات الفكرية والفلسفية.
إن عملية استنهاض العقل العربي لمواجهة تحديات الاستبداد الديني والسياسي هي عملية متعددة الجوانب والأبعاد، وبالتالي فهي متعددة الحلول والطروحات. فتخلف العقل العربي ظاهرة تمتد جذورها في الدين والقيم والتقاليد الاجتماعية الموروثة التي لا تنظر للتقدم على أنه مرحلة تقطع مع الماضي بل تجذب حلول الماضي على اعتبار انها حلول صالحة لكل زمان ومكان باعتبار انها مقدسة إلهيا وهو ما عطل عملية التحول الديمقراطي والفكري كما حدث للغرب في ثورتهم ضد الكهنوت المسيحي وتفكيك اللاهوت المسيحي. كما يمكن اعتبار ازمة العقل العربي مشكلة ثقافية أفرزتها الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي واجهت الانسان العربي في مجتمعاته، بما فيها انتشار الأمية، وعدم تكافؤ فرص العمل، وتزايد الضغوط لإبقاء المرأة محاصرة في إطار فضاء اجتماعي محدد سلفاً وفق معايير دينية وقبلية، وهيمنة الأب الرمزي في السلطة دون أي تغيير سياسي في مفهومي تداول السلطة ودمقرطة المجتمعات العربية. إن الأمر ببساطة يتعلق بكون العقل العربي ليس سوى امتداد لمنظومة اجتماعية سياسية ثقافية اقتصادية تراكمت تفاصيلها عبر قرون طويلة، لتفرز هذا الإرث الاجتماعي والثقافي الذي يحرك اتجاهات المجتمع ويؤطره نحو الاستبداد والخضوع والطاعة.
لا سبيل اليوم حتى ينطلق العقل العربي من جديد للمشاركة مع اقرانه في العالم الحر سوى بإطلاق جملة من المعايير الانسانية التى شكلت اطار التقدم، ومن أهم المعايير هي الحرية. يقول طوكفيل وهو أحد أقطاب الليبرالية في القرن التاسع عشر “إن معنى الحرية الصحيح هو أن كل إنسان نفترض فيه أنه خلق عاقلاً يستطيع حسن التصرف، يملك حقاً لا يقبل التفويت في أن يعيش مستقلاً عن الآخرين في كل ما يتعلق بذاته وأن ينظم كما يشاء حياته الشخصية” .
فالحرية في المفهوم الانساني الليبرالي هي المبدأ والمنتهى، الباعث والهدف، الأصل والنتيجة في حياة الإنسان، وهي المنظومة الفكرية الوحيدة التي لا تطمع في شيء سوى وصف النشاط البشري الحر وشرح أوجهه والتعليق عليه. وبالتالي لا يمكن لنا أن نخوض في أي مجال فكري او سياسي او اقتصادي دون أن تكون الحرية هي الاطار العام لتحديد تطلعاتنا ومجال تقدمنا. وهذا ما يجعل المعيار الثاني للتقدم هو ما تفرزه الحرية من ديمقراطية وتداول للسلطة واحترام حرية الرأي والاعتقاد. حيث تعتبر الديمقراطية من النظم الليبرالية التي تسعى لإعطاء الفرد حقوقه وهي نوع من التطبيق العلمي للفكر الليبرالي. يقول الدكتور حازم البيلاوي: “فنقطة البدء في الفكر الليبرالي هي ليس فقط أنها تدعو للديمقراطية بمعنى المشاركة في الحكم ، ولكن نقطة البدء هو أنه فكر فردي يرى أن المجتمع لا يعدو أن يكون مجموعة من الأفراد التي يسعى كل فرد فيها إلى تحقيق ذاته وأهدافه الخاصة”.
وتستكمل حلقات تحرر العقل العربي مع العلمانية كحاضنة للتعدديات الدينية والطائفية والقبلية وكحماية للإنسان من توحش الأديان والطوائف وتقاتلهم المذهبي والسياسي والاجتماعي كما حدث لهم تاريخيا في المجتمعات البدائية، وحاليا مع المجتمعات التى تحكم بالدين والمذهب. فالعلمانية بما تحققه من فصل الدين عن الدولة نجحت بشكل كبير وخصوصا في المجتمعات الغربية من تحييد الفضاء الديني، وليس بإقصائه او محاربته. وأدى ذلك الي الاهتمام بالانسان ضمن محيط يهتم بالمواطنة والمساواة والتعايش وهو ما يؤدي الي تقدم المجتمع ورفاه الانسان.

دون الحرية والديمقراطية والعلمانية كآليات سياسية واجتماعية واقتصادية، لن نستطيع ابدا مجاراة التقدم الانساني، ولن نستطيع التفكير بحلول عقلانية، ولن نواجه انفسنا تاريخيا للإجابة على أسئلة أرقتنا طويلا وجعلتنا نخوض صراعات عديدة وحروب ندفع الي اليوم ثمنها لأننا لم نبدأ في الإجابة على أسئلة الدين والتقاليد والحكام العرب بشكل جدي وصريح وواضح.

1 تعليقك

  1. تحياتي – مقال رائع فيه نقاط جوهرية جديرة بفتح مزيد من التوضيح ومزيد من النقاش (الحر ) بعيداً عن المكونات الاثنية للمجتمعات الإنسانية؟

اترك رد