سوريا .. الجرح النازف .. والمصالح المتضاربة !! ج ١


 

في خضم إعلانات توالت في الصدور من طهران في أعقاب معركة حلب الاخيرة بان حلب هي خط المواجهة الاول بين ايران وأعدائها ، وفقاً لأكثر من مسؤول وقائد في الحرس الثوري الايراني ، رغم ان الإنجاز هو روسي بامتياز باعتبار ان نتائج المعركة لم تقررها القوات المقاتلة على الارض بقدر مافعله القصف الجوي الروسي الذي لم يسبقه قصف مثيل منذ العدوان الامريكي على العراق عام ١٩٩١، حيث استهدف كل شيء في الجزء الصغير المحاصر من المدينة الذي يسيطر عليه الثوار . جاءت القوات الماشية على الارض لاملاء الفراغ الذي نجم عن هذه العملية التي اثارت ردود فعل عالمية كبيرة وكلدت ان تؤدي الى موجة جديدة من العقوبات الاقتصادية الأوروپية على روسيا التي تجد نفسها في وضع اقتصادي وعزلة سياسية لا تحسد عليها في الفترة الاخيرة .

في التاسع والعشرين ، بينما المحتفلون بالنصر الذي تعدد آباؤه ، أعلن الرئيس الروسي پوتين ان وقفاً لإطلاق النار قد تم التوصل اليه بين فصائل أساسية مقاتلة على الارض وبين الحكومة السورية وقد تضمن هذا الاعلان الموجز لبوتين النقاط التالية :
ان اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية والمعارضة وان هنالك اجراءات يجري ترتيبها لمراقبة تنفيذ الاتفاق كما ستبدأ الاستعدادات لبدء محادثات سلام من اجل حل الأزمة السورية .
ان الاتفاق هش ويحتاج لعناية خاصة وتعاون كافة الأطراف .

جاء الإعلان بعد اتصال هاتفي بين پوتين والرئيس التركي اردوغان بشان الاتفاق والإجراءات الخاصة بمؤتمر ” آستانة ” المزمع عقده في العاصمة الكازاخية في الثالث والعشرين من الشهر الجاري والذي سيضم الحكومة والمعارضة وعدد من الدول الراعية والمعنية مباشرة بالحرب السورية .

تزامن هذا الإعلان مع اعلان مماثل تقدم به اسامة ابو زيد الناطق الرسمي باسم الجيش السوري الحر ، وهو احد شخصين وقعا الإعلان باسم المعارضة وفقاً للأنباء ، أشار فيه الى تبني الاتفاق من قبل الائتلاف السوري المعارض وحث كافة الأطراف للتقيد به وذكر ان الاتفاق مضمون من قبل تركيا وروسيا .

لا توجد حتى اللحظة تفاصيل كافية حول الاتفاق الذي تضمنته ثلاث وثائق ، وفقاً للرئيس پوتين ، رغم ان تفاصيل إضافية قدمت من الجانب الروسي ؛ صدرت ردود افعال وقراءات ، وصلت حد التباين أحياناً ، من قبل مختلف الأطراف يعكس بعضها قراءة خاصة للاتفاق كما يوحي بعضها بانه انعكاس لضمانات غير مكتوبة قدمت للطرفين المتحاربين الاساسيين من جانب رعاة الاتفاق وهما تركيا وروسيا ، كما يفهم من الأخبار المتوفرة رغم اعلان پوتين ، ان ايران جزءاً من آلية الرقابة على الالتزام بالاتفاق ؛ المؤكد ان الاتفاق يعكس تفاهماً روسياً تركياً لانه جاء اثر مفاوضات جرت لمدة عشرة ايام في تركيا بين فصائل المعارضة المسلحة السورية وبين روسيا بحضور تركي ، ولم يكن ثمرة اللقاء الثلاثي الروسي التركي الايراني الذي عقد مؤخراً في موسكو ، كما ان الإعلان عن الاتفاق جاء من موسكو وأنقرة ؛ لايغير من هذه الحقيقة ماتم من إعلانات لاحقة عن حضور إيراني في الموضوع .

اعلنت وزارة الدفاع الروسية ان سبعة فصائل قد وقعت الاتفاق وهي : فيلق الشام ، احرار الشام ، جيش الاسلام ، ثوار أهل الشام ، جيش المجاهدين ، جيش أدلب والجبهة الشامية ؛ وفقاً للوزارة نفسها فان الفصائل المذكورة تمثل ستين الف مقاتل على الارض ؛ ووفقاً لتسريب منسوب لمحمد الشامي من الجيش السوري الحر فان هنالك محاولات تتم بناءاً على رغبة الحكومة السورية لإدماج جبهة فتح الشام في الاتفاق لغرض توحيد الجهود لقتال تنظيم الدولة باعتباره عدواً مشتركاً للجميع رغم ان الوقائع على الارض لاتريد هذا التوجه ، خاصة ًمع تكرر الإعلان من الجانب الحكومي والمليشيات المؤيدة له ان ما يشار اليه باعتباره خرقاً لوقف إطلاق النار هو استمرار العمليات ضد هذا الفصيل وفصائل اخرى تصنف على انها ارهابية وبالتالي فهي ليست مشمولة بالاتفاق .
قدمت روسيا بعد الإعلان بوقت قصير مشروع قرار الى مجلس الامن الدولي لتكريس الاتفاق وقد صدر القرار وان كان بصيغة معدلة أبعدته كثيراً من حيث الجوهر عن المسودة الروسية رغم تقارب الصياغات . لقد جاء القرار الجديد مؤكداً الالتزام بسيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها وسلامتها الاقليمية وأكد على ضرورة اتاحة المجال لوصول المساعدات بسرعة وامان للسكان المدنيين في جميع أنحاء سوريا . اكد القرار ، خلافاً للصياغة الروسية ، ان الحل المستدام الوحيد للازمة السورية إنما يكون من خلال عملية سياسية جامعة بقيادة سورية استناداً الى بيان جنيف المؤرخ في الثلاثين من حزيران / يونيو ٢٠١٢ …. معرباً عن تقديره لجهود الوساطة المبذولة من جانب روسيا وتركيا … كما أعرب عن تطلعه الى الاجتماع المقرر عقده في أستانا في كازاخستان بين الحكومة السورية وممثلي المعارضة باعتباره خطوة نحو استئناف المفاوضات التي ترعاها الامم المتحدة في جنيڤ في الثامن من شباط / فبراير ٢٠١٧ {ملاحظة : يمكن قراءة الكثير مما يجري فعلاً على الارض من خلال نصوص القرار كما سنرى لاحقاً } .
أعلن وليد المعلم وزير الخارجية السوري ان الاتفاق فرصة حقيقية للتسوية السياسية وان من يريد الحل عليه التوجه الى آستانة .
أعلن الجانب الايراني عن تأييد الاتفاق ، بشكل صيغة فيها قدر من الغرابة ذات الإيحاء ، حيث اعلنت وكالة الأنباء الايرانية الرسمية ان اتصالاً هاتفياً حول الموضوع قد جرى بين ظريف ولاڤروف أعرب خلاله الاول تأييده للاتفاق .
تباينت الإعلانات بخصوص الجهات الراعية والاطراف المقاتلة المشمولة وتلك المستثناة من الاتفاق ؛ الإعلان الروسي حدد المنظمات كما ورد آنفاً فيما اعلنت تركيا ان الاتفاق يستثني فقط تلك المنظمات المدرجة كتنظيمات ارهابية في قوائم مجلس الامن فيما أعلن الناطق باسم الجيش الحر ان وحدات حماية الشعب الكردي مستثناة من الاتفاق .
هنالك خلافات واضحة بين الأطراف المتقاتلة حول مصير المقاتلين والمليشيات الأجنبية . تدعو أطراف المعارضة الى اخراج المقاتلين الأجانب بما فيهم مقاتلي حزب الله بينما تعلن ايران بشكل واضح ان حزب الله باقٍ في سوريا وأضاف المالكي خلال زيارة يقوم بها الى طهران احتمال إرسال العراق قوات ومليشيات إضافية الى سوريا للمشاركة في القتال هناك .
ظلت الأوضاع على الارض تراوح في صيغة وقف هش لإطلاق النار بسبب محاولات بعض الأطراف وهي تحديداً قوات النظام وحزب الله والمليشيات المؤيدة للنظام تحقيق مكاسب في مناطق عدة وبرز من بينها على سطح الأخبار منطقة وادي بردى وهي تضم كما يبدو مصدر المياه الذي يؤمن احتياجات العاصمة دمشق . تطورت الحالة بشكل سيّء بحيث أوقفت المعارضة مفاوضات التحضير لمؤتمر آستانة ؛ يبدو ان المعركة في هذا المكان هي جزء من محاولات الساعات الاخيرة لاستعادة السيطرة على المناطق المحيطة بدمشق ، ولكن دون نجاح كبير كما يبدو .
رغم هذا الارتباك العام في الموقف الا ان هنالك قراءات واضحة ومحددة لمواقف الأطراف ، خاصة وان جذور هذا التطور قد بدات بوادرها منذ المصالحة التركية الروسية ؛ لقد كانت تلك المصالحة فاتحة تحرك كبير واعادة فرز المواقف والاصطفافات في المنطقة ، وقد عجل في كل ذلك التوقعات بما قد تتخذه إدارة أمريكية جديدة ذات عيون حمراء وأكثر رغبة في المواجهة ؛ علماً ان هذه المواجهة كانت عملية مؤجلة من جانب المؤسسة العسكرية الامريكية التي كانت تعاني منذ حوالى ثمان سنوات من استقطاعات حادة في الميزانية العسكرية جراء التورط في حربين كبيرتين في العراق وافغانستان . هذا موقف قد انتهى وان هنالك اعادة تموضع وهو مالم يخطئ الرئيس پوتين في قراءته .

قد يكون من المهم ايجاز الموقف على الارض قبل اعلان وقف إطلاق النار مباشرة مع احتمالات تطور الموقف في ضوء دخول عامل جديد الى المعادلة العسكرية مع بقاء العوامل الاخرى على ع . الموقف الجديد تمثل في اعطاء الولايات المتحدة الإذن بتزويد المعارضة المسلحة أسلحة نوعية مضادة للجو كما أعاد الرئيس المنتخب وقبيل تلمه مهام منصبه اقامة مناطق آمنة بتمويل خليجي مع مايعنيه ذلك من استدعاء لاحد أمرين من جانب الداعمين لنظام الأسد : اما التصعيد العسكري او احتواء الموقف بسرعة والقبول بالمكاسب الحالية ، وهذا يصدق بشكل لامجال للشك فيه بالنسبة للجانب الروسي بغض النظر عن اي اعتبارات تتعلق بمصالح الأطراف الاخرى . روسيا ببساطة لا تريد تصعيد الموقف اكثر مما هو عليه فعلاً لأسبابها التي نفصلها في مكان اخر من المقالة .
تمثل الموقف على الارض بالشكل التالي : لم تشكل قضية محاربة تنظيم الدولة بنداً حقيقياً في اجندة روسيا ؛ هذا واضح من طبيعة الاهداف التي طالبتها عملياتها العسكرية – الجوية التي خصصت معظمها للمعامل القوية التي تمسك بها المعارضة والجيش الحر . خلال الشهر الأخير الذي سبق وقف إطلاق النار تعرضت مناطق سيطرة المعارضة في حلب لعمليات قصف غير مسبوق أوقع قدراً كبيراً من الضحايا المدنيين وكان الروس صاروا يستخدمون المدنيين واستهدافهم اداة ضغط على المقاتلين في صفوف المعارضة . هذا نمط مالوف في العقيدة العسكرية الروسية منذ تدمير غروزني في الشيشان ، وقد تزامن مع القصف الروسي هجوم قامت به بقايا قوات النظام مع المليشيات الإرهابية الطائفية .

في الثاني والعشرين من شهر ك١/ ٢٠١٦ تم اخلاء المناطق التي يسيطر عليها الثوار في حلب وأصبحت تحت سيطرة النظام لاول مرة منذ عام ٢٠١٢ ، وقامت روسيا بنشر قوات من الشرطة العسكرية الروسية مؤلفة من عناصر شيشانية اعلنت مصادر رسمية روسية انهم من المسلمين السنة منعاً لقيام المليشيات الطائفية مثل حزب الله البناني والنجباء العراقية من تنفيذ عمليات انتقام او احلال طائفي .

قامت الحكومة السورية ايضاً باخلاء مناطق واسعة من محيط أدلب من سكانها المدنيين تمهيداً لعمليات عسكرية متوقعة هناك ؛ في هذه الأثناء قام تنظيم الدولة باستثمار الموقف وانشغال الجميع بمعركة حلب بالهجوم على حمص ومحيطها مستهدفاً السيطرة على احد المطارات في المنطقة بالقرب من حمص ، كذلك قامت قوات سوريا الديمقراطية ، وهي قوة تدعمها الولايات المتحدة ، بالهجوم في منطقة الرقة والاستيلاء على عدد من القرى شمال غرب الرقة تمهيداً للهجوم عليها في إطار عملية عسكرية بدات منذ ت٢ / ٢٠١٦ .

في تطور ” مفاجئ ” تمكن تنظيم الدولة من اعادة احتلال ” تدمر ” في الحادي عشر من شهر ك١ /٢٠١٦ منتزعاً إياها من أيدي قوات سورية مدعومة روسياً ، في المقابل خسر تنظيم الدولة مناطق مهمة في شمال سوريا لصالح القوات الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة . اما القوات التركية وقوات الجيش السوري الحر فقد حققا تقدماً ملموساً باتجاه إكمال تأمين الشريط الحدودي السوري التركي وابعاد تنظيم الدولة والقوات الكردية المناوئة لتركيا بعيداً عنها ، كما تتجه العمليات المشتركة للطرفين نحو مدينة الباب التي بدا الطيران الروسي يقدم الدعم لها في إطار علاقة جديدة باعتبارها من ثمرات اعلان الهدنة ، وتوحيد الجهود ضد تنظيم الدولة .

لم تطرأ تطورات مهمة في بقية المناطق وخاصة في الجنوب رغم ان المليشيات الطائفية التابعة لحزب الله تحاول استهداف وادي بردى لاحتوائه على مصادر المياه التي تؤمن حاجات العاصمة ؛ تصاعدت الاتهامات بين الطرفين الايراني والتركي خلال اليومين الماضيين وآخرها تصريح ادلى به وزير الخارجية التركية يدين فيها عدم التزام الأطراف التابعة لايران بوقف إطلاق النار في وقت تتحدث فيه مصادر عسكرية روسية بقيام قوات النظام بخرق الاتفاق ، وتميل اغلب التحليلات الروسية الى ترجيح الدور التركي في التسويات المنتظرة فيما يبدو ان هنالك شعوراً ايرانياً بان الأمور بدات تنزلق من بين أيديها ، وهو موضوع نتناوله تفصيلياً في مكان اخر من المقال .

بغض النظر عن آية تفسيرات او تحليلات للموقف فانه من الواضح حتى الان ان الطرف الذي اتخذ القرار هو روسيا بالتشاور مع تركيا وايران وان الأتراك كانوا الاقرب الى الطرف الروسي في الموضوع وربما جاء الإعلان على غير توقع من قبل لإيرانيين لجهة التوقيت وحتى الاهداف، هذا التفصيل – الذي قد يبدو جزئياً- يعكس في واقع الحال جانباٍ مهماً من جوهر التعقيد في القضية السورية والمتمثل في تباين اهداف ومصالح جميع الفرقاء المنغمسين في الصراع بصرف النظر عن اصطفافاتهم الظاهرية التي يبدو انها محكومة بأهداف مرحلية اكثر منها ذات طابع ستراتيجي بعيد المدى ، كما ان لكل منهم حساباته وقدراته ، غير ان الموقف الذي يبدو انه يتحكم بتشكيل صورة المشهد الحالية ويفرض ادوار محددة على مختلف الأطراف هو الموقف الروسي ، لذلك فان فهمه وفهم دوافعه ومحدداته قد يشكل المفتاح الرئيسي لفهم جوهر الوضع الحالي في سوريا واتجاهاته المستقبلية .
شكل عام ٢٠١٦ عاماً من النجاحات الروسية على مستوى السياسة الخارجية ؛ في اوروپا اجبرت روسيا حلف الناتو على استنفار قدر مهم من امكانياته ووضعها في موقف دفاعي على الحدود الروسية مع بولندا ودوّل البلطيق ، كما أحكمت سيطرتها بشكل تام على منطقة القرم وأزالت الهم الدائم لتأمين ماوى دائم وأمين لأسطولها في البحر الأسود ذو المهام الستراتيجية في احد اهم مناطق العالم من الناحية الجيوستراتيجية . وسواء صدقنا ام لم نصدق فقد أفلحت موسكو في التدخل في الانتخابات الرئاسية الامريكية ، وهذا ما تقر به وكالة CIA بشكل لا لَبْس فيه .
على المستوى الداخلي يبدو الرئيس پوتين في ذروة شعبيته ؛ من هذه النقطة تبدأ غرابة الموقف : فعندما يعلن رئيس في هذا الموقف الصاعد وقف العمليات العسكرية التي تقوم بها قواته في سوريا فان ذلك يندرج في قائمة انتصاراته رغم مايبدو في الظاهر من ان اهداف اخرى مازالت هناك ، ويمكن ذكر أدلب ومناطق اخرى كثيرة في سوريا مازالت تحت سيطرة المعارضة او تحت سيطرة تنظيم الدولة الإرهابي ؛ كلها اهداف في المتناول وتقع في صلب اهتمام ومصالح من يوصفون بأنهم” حلفاء ” مثل نظام الأسد وايران . مالذي حصل اذن كي يتوقف پوتين عند هذا الحد في سوريا ؟!

الجواب في منتهى البساطة وهو اننا مازلنا نفكر في الموضوع وفق مفردات الحرب الباردة ، ولكن الامر ليس كذلك !!

ان روسيا ليست الاتحاد السوفيتي والحرب الباردة واسبابها لم تعد قائمة منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي ، والاهم من كل ذلك ان روسيا لاتسعى الى هيمنة عالمية لاتمتلك اسبابها او دواعيها . وفقاً لمراقبين امريكان فان الهدف الروسي محدود النطاق في اضعاف النفوذ الامريكي في نطاق روسيا المباشر وهو شرق اوروپا وشرق المتوسط ؛ اقتصادياً لاتشكل روسيا منافساً للولايات المتحدة ولاتوجد مصالح متعارضة ذات طابع ايديولوجي والهم الروسي الأساس هو تأمين المحيط الأوراسي ومقترباته لاسباب تتعلق بآمن روسيا المباشر مع المحاولات الغربية والأمريكية لتضييق نطاق الطوق الأطلسي المضروب على روسيا والذي أخذ يضيق شيئاً فشيئاً منذ نهاية الحرب الباردة ؛ لاتستطيع روسيا تجاوز هذا الهدف لافتقارها للقدرات اللازمة وخاصة على الجبهة الاقتصادية . تؤكد المؤشرات الرقمية ان روسيا اكثر فقراً في الوقت الحالي مما كانت عليه قبل سنوات قليلة . لقد كان الناتج القومي الروسي قد بلغ ذروته عام ٢٠١٣ محققاً ٢.٢ تريليون دولار فيما انخفض بعدها الى حوالى ١.٣ تريليون سنوياً وهو اقل من امثاله في إيطاليا او. كندا او البرازيل كما ظل الدخل الفردي اقل من تسعة الألف دولار سنوياً ، كما انخفضت نسبة عدد الروس اصحاب المدخرات من ٧٢ ٪‏ الى ٢٧٪‏ خلال السنوات الثلاث الماضية ، ومازال الاقتصاد يعتمد بشكل رئيسي على تصدير النفط والغاز ، وفي جبهة الإصلاحات الاقتصادية لا يبدو ان نجاحاً جوهرياً قد تحقق .

من الناحية السياسية ما زال النظام يعتمد برمته على شخصية پوتين وكفاءاته وخياراته في الساحة الدولية ؛ لقد اتسم أداؤه بقدر كبير من الكفاءة وخاصة في استثمار هفوات الخصوم او لحظات ضعفهم او ترددهم وخصوصا الولايات المتحدة ؛ هذه الكفاءة في الأداء آمنت للنظام ولشخص الرئيس نسبة تأييد شعبي تصل الى ٨٠٪‏ ، ولكنه يبقى نظاماً يفتقد للقدرة المؤسسية التي تكفل له دوام الأداء بذات الكفاءة على المدى البعيد . يعتقد المراقبون ان اي اداء أمريكي اكثر فعالية وَمِمَّا يقع ضمن نطاق القدرة الكامنة للولايات المتحدة ، بدات بوادره في الآونة الخيرة من عهد اوباما ، سيشكل تحدياً مكلفاً للقيادة الروسية ولقدرات البلاد ؛ پوتين يدرك ذلك وقد قال بنفسه ان روسيا لن تتوانى في تعزيز قدراتها لردع اي عدوان ولكنها لن تدخل في سباق تسلح جديد لاتستطيع تحمل تكاليفه ، وهو يدرك جيداً الحدود الاقتصادية لبلاده ومن هنا جاءت ردود فعله الإيجابية تجاه الرئيس الامريكي المنتخب ترامپ حين قرر عدم الرد على طرد الولايات المتحدة لثلاثين دبلوماسياً روسياً مفضلاً انتظار تسلم الرئيس المنتخب سلطاته هذا الشهر ، اضافة الى صرف النظر عن أفكار أطلقها بعض المسؤولين العسكريين الروس من اعادة احياء وجود عسكري عالمي من خلال اعادة فتح قواعد عسكرية في كوبا وڤيتنام .
في هذا الإطار جاءت المبادرة الروسية في سوريا ؛ لم تعد هنالك اهداف روسية ابعد من وجود عسكري في قواعد محددة لتأمين عمليات البحرية الروسية شرق المتوسط والمحافظة على كيان الدولة السورية لضمان وجود سلطة شرعية معترف بها دولياً لتأمين دوام نفاذ الاتفاقيات التي تشرع الوجود الروسي في سوريا وفق متطلبات الامن الروسي وهي اهداف لايعارضها الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص ؛ ما عدا ذلك من اهداف لم يعد قائماً .مثل بقاء الأسد على راس السلطة وهو مالم يكن هدفاً بحد ذاته الا بقدر ما يؤمن عدم انفراط عقد السلطة في سوريا التي ستضع روسيا في موقف حرج يستدعي تدخلاً على نطاق أوسع ، وهو امر غير مرغوب فيه بسبب كلفته العالية من الناحيتين المالية والبشرية ، اما في جبهة محاربة الاٍرهاب فان ذلك لم يكن في مقدمة اهداف موسكو خارج نطاق حدودها الوطنية ولم تقم بأية عمليات نوعية مميزة على الساحة السورية ضد تنظيم الدولة باستثناء إسناد عمليات القوات السورية والمليشيات الأجنبية المؤيدة لها وفي حدود ضيقة تاركين ذلك لأطراف دولية اخرى من بينها التحالف الدولي وتركيا بشكل أساسي ؛ لقد اكد التدخل الروسي في أوكرانيا ومن بعدها سوريا قدرات روسيا كقوة اقليمية كبرى وانها قادرة على وقف تمدد الأطلسي عند حدود معينة في محيطها ، اما على المستوى العالمي فإنها تفضل التعاون في قضايا محددة مثل ” الحرب على الاٍرهاب ” في إطارها العام وجهود منع الانتشار النووي ، مع الأخذ بالاعتبار حقيقة عدم وجود دور تريد ان تلعبه باعتبارها قوة توازن مع الولايات المتحدة وهو موقف عبر عنه الرئيس پوتين في هلسنكي قبل فترة ليست بالبعيدة مؤكداً فيه ان هنالك قوة عظمى وحيدة في العالم وهي الولايات المتحدة ؛ ولكي نتبين على وجه الدقة مدى محدودية القدرات الروسية وانعكاسها على الواقع العملياتي المباشر في مناطق التماس المُحتملة مع حلف الأطلسي يكفي ان نتذكر ان روسيا اضطرت الى سحب حاملة الطائرات الوحيدة التي تمتلكها من بحر البلطيق الى شرق المتوسط دون تعويض لتعزيز عملياتها الجوية تمهيداً لمعركة حلب في الوقت الذي ينشر فيه حلف الأطلسي اربعة ألوية قتالية في المنطقة تحسباً لعمل عسكري روسي مفترض ضد جمهوريات البلطيق كما تتهيأ وحدة مجوقلة أمريكية للانتقال الى هناك ، وفي ذات الإطار تسعى روسيا الى اعادة ترتيب تحالفاتها او شراكاتها في محيطها المباشر ؛ هنا ينبغي ان نتذكر ان علاقاتها مع تركيا هي الأرجح تاريخياً على ماعداها في هذا المحيط خاصة وان كسب شريك تركي أطلسي ذو تطلعات تجارية – سياسية هو الأكثر فائدة من كسب شريك إيراني ذو تطلعات ايديولوجية – سياسية توسعية تجلب عداء الإقليم برمته على المستويين الشعبي والرسمي ، كما انه طرف غير مستعد للذهاب بشراكته الى ابعد من حدود معينة ، وقد كشفت قضية رفض استضافة طائرات عسكرية روسية في قاعدة همدان قبل اشهر قليلة حدودها وحساسيتها ازاء الموقف الامريكي .

رغم ان الولايات المتحدة تبدو محددة الظهور على الساحة السورية بقضيتين وهما قتال تنظيم الدولة قائدةً للتحالف الدولي المؤلف لهذا الغرض وتقتصر مشاركتها على جهد جوي تباينت الاّراء بشان مدى فاعليته والقضية الثانية هي تحسين وضع الاكراد في شمال سوريا وان كانت تراعي في ذلك ، الى حد تزايد مؤخراً ، الحساسيات التركية بشان الامر . هكذا تبدو الصورة ولكن الانر في تقديري يذهب لابعد من ذلك .

لست بحاجة للتذكير بان الولايات المتحدة تنظر الى جميع القضايا في المنطقة من زاويتين معروفتين وهما آمن النفط وأمن اسرائيل ، وفي ظل غياب مصالح نفطية مباشرة في سوريا وغياب تهديد مباشر للوضع السوري على المصالح النفطية في المنطقة فان الرؤية الامريكية لهذا الموضوع تتم من خلال عيون إسرائيلية ، لاشك في ذلك ؛ الرؤية الاسرائيلية لسوريا مُعرّفة ومُحدّدة بالنسبة لسوريا منذ عام ١٩٩٦ وهي الهدف الثاني الذي وضع على قائمة الاهداف الاسرائيلية بعد العراق فيما سمي في ذلك العام ” تقرير المجموعة البحثية الخاصة بإعداد ستراتيجية جديدة لاسرائيل للألفية الجديدة ” او ما عرف فيما بعد ” القطيعة الكاملة : ستراتيجية جديدة من اجل تأمين المملكة “وقد راس فريق الدراسة الامريكي – الاسرائيلي دوجلاس فيث ( الشخص رقم ٣ في البنتاغون عند غزو العراق والمكلف بإدارة الشؤون السياسية فيه لما بعد الغزو وصاحب مشروع اجتثاث البعث الذي دمر آية أسس لبناء دولة وطنية فيه ) وريتشارد پيرل ( رئيس هيئة التخطيط في البنتاغون عند الغزو والمطرود سابقاً من ذات الهيئة عام ١٩٨٢ لترويجه بيع أسلحة إسرائيلية على حساب صفقات أمريكية ) وخمسة اخرين كانت مهمتهم الترويج للمقترحات الواردة في التقرير على الرأي العام الامريكي باعتبار ان من سيتولى تنفيذ الجزء الأكبر من التقرير هي القوة العسكرية الامريكية . تم اعتماد التقرير رسمياً من قبل حكومة نتنياهو وحكومة شارون ؛ تضمن التقرير بنوداً كثيرة أهمها احتلال العراق واعادة صياغته طائفياً واثنياً باعتباره الخطر الأكبر المحتمل على مستقبل اسرائيل ، ثم اضعاف سوريا رغم ان نظام الأسد شكل ضمانة لدوام حالة الاستقرار في الجولان المحتل الا ان الأنظمة السياسية قابلة للتبدل اما القدرات فقد تؤول الى أيدي لا يمكن التنبؤ بنواياها ولابد بالتالي من اضعافها { ملاحظة : من المؤسف ان هذا التقرير لم يحضَ بالاهتمام في العالم العربي رغم انه يعتبر حجر الزاوية في فهم السياسة الامريكية في الشرق الأوسط ، وهذا هو رأي اثنين من اهم المرجعيات الأكاديمية المتخصصة بدراسة السياسة الخارجية الامريكية وهما الپروفيسور جون مارشيمر الاستاذ والمدير في برنامج سياسات الامن الدولي في جامعة شيكاغو والبروفيسور ستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية والعميد في كلية جون كندي في جامعة هارڤرد . سأعود للموضوع في دراسة موسعة مخصصة لهذا التقرير } .

دون الحاجة للخوض في التفاصيل فان آية قراءة متأنية للموقف الامريكي من موضوع الثورة السورية يَصْب في عملية اطالة امد الصراع ، بالاستفادة من الاندفاع الايراني الراغب في البقاء في سوريا في وضع المهيمن المتفرد والمحافظة على نظام الأسد كضمان لذلك ولو كان ذلك على حساب اي اعتبار اخر .

بدات الولايات المتحدة بتشجيع الثورة ثم تحولت الى الدعوة لاسقاط الأسد باعتباره فاقداً للشرعية ثم الى قصة الكيمياوي والخط الأحمر الذي سرعان ماتم تخطيه بعد ان تخلى الأسد عن ترسانته الكيمياوية وهي قصة اتضح انها حيكت بين موسكو وتل ابيب بمعرفة الولايات المتحدة ، كما كشف عن ذلك وزير الاستخبارات الاسرائيلي ( كتبت مقالاً حول ذلك على صفحتي في الموقع ) .

جراء طول امد الصراع فقد توافد الارهابيون الدوليون وخاصة من روسيا من مناطق القوقاز التي تشهد صراعات عسكرياً بين المتمردين الإسلاميين والسلطات الروسية ، وهو ما تعتبره هيلاري كلنتون احد اخطاء السياسة الامريكية تجاه سوريا في مذكراتها المنشورة تحت عنوان ” خيارات صعبة ” ، أعقب ذلك انسحاب أمريكي تام من الموضوع وإفساح المجال لتدخل روسي مباشر وواسع النطاق وكان من أولى نتائجه ، والامريكيون على ادراك بذلك كما تؤكد فورين افيرز الامريكية ، موجة تدمير شاملة للبنى التحتية ولمقومات الحياة المدنية ودون اعتبار لحياة الانسان .

هل ان السياسة الامريكية هي ثمرة عمل مؤسسي ام انها سياسة خاصة بإدارة اوباما ؟!
يجمع المراقبون على انها سياسة مؤسسية وان اوباما توجه بإعلاناته المثالية المتناقضة ليضفي عليها طابعه الشخصي . لقد وجهت مجلة ” فورين افيرز ” سؤالا الى رئيس الأركان السابق دمبسي عن رأيه في الموقف في المنطقة فاجاب بانه هو الأفضل الذي يمكن تصوره ، ولم يعد خافياً ان المؤسسة العسكرية الامريكية ، وهي الفرع الأكثر تأثرا ، في السلطة التنفيذية ، بالضغط الصهيوني هي التي تقف خلف السياسة الامريكية في سوريا وهي التي تعارض اي انخراط عسكري او تقديم مساعدات نوعية للمعارضة المسلحة السورية التي تناوئ بعض فصائلها اسرائيل واحتلالها للجولان بشكل صريح باعتبار ان هذه المؤسسة في حالة اعادة تنظيم وترتيب أولويات جديد في ضوء تقليص موازنة الدفاع تحت تأثير الأزمة المالية .

لعل السؤال المشروع هو هل ان إدارة ترامپ ستحدث تغييراً جوهرياً في السياسة الحالية ازاء سوريا ؟! على الأغلب لن تشهد الساحة السورية تغيراً جوهرياً في السياسة باستثناء التهديد بتدخل غير مباشر مثل تزويد المعارضة المعتدلة ، وفقاً للمعايير الامريكية ، باسلحة مضادة للجو .

لقد بدا الموقف الامريكي واضحاً للقراءة في عدم الانضمام للترتيبات الروسية – التركية – الايرانية وعدم الحماس لمؤتمر آستانة والتأكيد على ان الحل يجب ان يتم في إطار جنيڤ ومهمة المبعوث دي مستورا ، وهو ما قد يعني عدم الرغبة في حسم الموقف وفق تسويات قد لاترضي واشنطن او الحليفة اسرائيل قبل حسم موضوع الجولان بشكل نهائي بما يؤمن لاسرائيل متطلبات الامن التي تريدها وفي مقدمتها اعلان المنطقة منزوعة السلاح وعدم السماح بعودة سكانها الذين تركوها عام ١٩٦٧اليها فضلاً عن ضم مناطق المستوطنات الى اسرائيل والتي تضم اهم موارد المياه في الهضبة واتفاقية سلام واعتراف متبادل مع سوريا .
( يتبع في جزء لاحق )

3 تعليقات

  1. سرد رائع و تفاصيل و تسلسل للأحداث و تحليل عقلاني للاوضاع في سوريا. بتقديري لا زالت الأمور في سوريا لم تصل الى نهاية الطريق. و ربما ننتظر ترامب ليدلو بدلوه و نرى ما سيقدمه من جديد، و بشكل خاص ما بتعلق بموضوعي العراق و سوريا.

  2. فهم عميق وسرد غير متشنج، مع سعة اطلاع وهدوء.. نحن نطالب الكاتب بالمزيد من المقالات حول الوضع السوري الملتبس والشائك وخاصة تحليل الوضع الايراني ومعطياته التي يبدو ان الكاتب يفهمها بشكل مغاير وعميق.. شكرا جزيلا لك استاذ فائز السعدون

  3. استاذ فائز السعدون تحية واحترام لشخصك ولرأيك . انا علقت الجزء الثاني وقد فهمت أنك من المعاديين لأيران وليس من الناحية القومية فقط وبل ربما العقائدية والمعتقد , أنا لست بموقع الدفاع عن ايران ولكني رفعت رأسي وانت رفعت رأسك من حيث لا تدري بفضل دعم ومساعدة ايران لدول محور المواجهة والمقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية وبكونها اول دولة في العالم تفتح سفارة فلسطينية في عاصمتها . بينما أنت نسيت من قدم فلسطين لليهود ومن قسم لبنان عن الحااضنة السورية ونسيت من قدم عبدان وألأهواز لنظام شاه ايران , ونسيت من قسم الكويت وفصلها عن الحاضنة العراقية , ومن سلم كيليكة والاسكندرون الشمال السوري لتركيا , نسيت ساكيكس _ بيكو ووعد بلفور . نسيت من جاء بالقاعدة واسسها ومن هم ممويليها ماديا . وعندما تشاهد أخبار الآحداث في سوريا والعراق على التلفاز هل تشاهد فقط الفضائيات الخليجيات العربية والجزيرة أو تلبس نضارة ضد المشاهدة حتى لا تشاهد من تسميهم بالثوار وهم يذبحون ألأطفال ويعدمون الشباب بقطع رؤوسهم ويغتصبون البنات القاصيرات والسيدات ويفجرون المساجد والكنائس . استاذ فائز من ينادي بقطع حبال المشنقة لا يرفع أعمدتها من الناحية الاخرى فأنت هكذا . الكاتب عليه أن يكون منصف ولا يكون منحاز . أنا اطالب ايران باعادة الاهواز والعبدان ولكن ليس في هذه الاوقات الصعيبة حتى لا تستغلنا امريكا والسعودية التي تحمل لواء العداء للمسلمين وليس فقط للشيعة وانا لا اخاطبك كمسلم ولا مذهبي أنا اخاطبك كعضو ومسؤول في الحزب السوري القومي الاجتماعي , أنتظر الى أن تهدأ الأوضاع ولا بد الا أن نجد الحل
    للمرة الثانية استحلفك برحمة ضميرك هل أنت مقتنع بأن الارهابيين هم ثوار في سوريا وفي العراق : استحلفك بالمبلغ الذي تتقاضاه من أسيادك هل انت مقتنع يتحليلاتك الخيالية ؟

اترك رد