حوار الأمم الأربع

 

“منذ بداية الثورة (14 جانفي – يناير/ كانون الثاني 2011) وإلى الآن حضرت نحو 300 مؤتمر وندوة وفعالية حقوقية وثقافية وتدريبية، كان أغلب المحاضرين والمتحدثين فيها أجانب وغربيين، لكن هذه الفعالية لها نكهة خاصة، فالمتحدثون فيها هم من أبناء المنطقة: عرباً وكرداً وتركاً وفرساً… إنه شيء مختلف ونحتاج إليه وإلى حوار جاد ومسؤول للبحث عن المشتركات التي تجمعنا”.
بهذه الرؤية اختصر أحد المشاركين مبادرة الحوار بين مثقفي الأمم الأربعة، التي أطلقها “المعهد العربي للديمقراطية”، والذي تأسَّس في العام 2012 بعد نجاح الثورة التونسية، واتّخذ من تونس العاصمة مقرّاً له، وهو امتداد لـ”مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي” الذي تأسَّس في روتردام (هولندا) العام 2004.

ولم يأتِ هذا الحدث الثقافي المتميّز إلاّ بعد حوار ونقاش وجدل بين نخب مختلفة ومتعدّدة، وفي بلدان عديدة، الأمر الذي وفّر قناعات متراكمة وخبرات مضافة، لتأكيد أهمية مثل هذا الحوار الذي لم يعدْ حسب تقديري ترفاً فكرياً، بقدر ما هو حاجة ضرورية وماسّة، فالحوار الثقافي بشؤونه وشجونه بين مثقفي الأمم الأربعة أصبح اختياراً وخياراً لا غنى عنه، ولا مناص من اعتماده وسيلة فعّالة للعلاقة بين البلدان والأمم والشعوب والجماعات، وبهذا المعنى فهو في الوقت نفسه اضطرار، لأن نقيضه سيعني استمرار الحال على ما هو عليه من تباعد وانغلاق وتناحر، على أقل تقدير.

وفي حين يتجه العالم أمماً وشعوباً وهيئات نحو التقارب والتعاون والتكامل، تستمر منطقتنا في حالة من التنافر والنزاع والاحتراب، تلك التي لا يستفيد منها إلاّ أعداء الأمم الأربع، ومن يغيظهم أي تقدم يحصل على طريق إذابة الثلوج التي تمنعهم من التلاقي والتراضي والتشارك.

إن عالمنا المعاصر عالم متشابك ومتعدّد ومتداخل من المصالح والمنافع والمشتركات، خصوصاً في ظل المرحلة الثانية من الثورة العلمية – التقنية منذ نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، ولا سيّما في مجال الاتصال والتواصل والمواصلات، الأمر الذي يتطلّب التغيير باتجاه التعايش والتفاهم والتسامح والسلام والتواصل، وعكسه سيستمر الصراع والاحتراب والتخندق والتمترس والانعزال الذي دفعت ثمنه شعوبنا وأممنا غالياً، فما بالك باستمرار النزاعات والتناحرات والحروب الخارجية والداخلية، الدولية والأهلية، وشيوع ظواهر الإرهاب الدولي العابر للقارات والحدود، وهو إرهاب معولم لا دين له ولا قومية ولا لغة ولا جنسية ولا منطقة جغرافية ولا هويّة خاصة.

ومثلما كان الحوار العربي – الكردي فكرة عامة، فقد أصبحت بفضل المبادرة التي أطلقتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان منذ أكثر من ربع قرن والتي تبلورت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) العام 1992، فكرة ملموسة وقابلة للتنفيذ والتفاعل والتواصل، حيث تم تنظيم حوار في لندن لأوّل مرّة بين مثقفين من العرب والكرد (من أقطارهم المختلفة) وضم الحوار 25 عربياً و25 كردياً، وعلى أساسه نُظّم الحوار الثاني العام 1998 في القاهرة، ومن ثم تمَّ تأسيس جمعيات للصداقة العربية – الكردية في فلسطين والأردن والعراق ونواتات أخرى غيرها.

الحوار بين مثقفي الأمم الأربع ينطوي على عدد من الاعتبارات، وأهمها:
الأول – أنه حوار ثقافي معرفي يتّصل بمجمل علاقات الأمم الأربع، وهدفه تعزيز وتوطيد العلاقات بمختلف جوانبها، وبين المثقفين بشكل خاص. وهو حوار سلمي ومستقبلي، لا يبحث في الماضي إلاّ بالقدر الذي يتناول ما هو إيجابي وجامع وموحّد، أي أنه لا يستغرق في بحث السلبيات القديمة والعقد التاريخية، وإنما يركّز على الإيجابيات والمشتركات، لا سيّما في بعدها الإنساني، وفيما يتعلّق بالقيم الإنسانية المشتركة، وحقوق الإنسان، بما فيها حق الأمم والشعوب بتقرير مصيرها بحريّة، وحقها في اختيار نظامها الاجتماعي دون تدخل أو هيمنة أو أي شروط مجحفة أو غير متكافئة.

الثاني – أنه حوار يستهدف دعم مشروع الانتقال الديمقراطي ودحر التحدّي الإرهابي، وذلك بالتنمية واعتماد قيم التّسامح والسّلام واللاّعنف، وهو حوار يبحث في أواصر الصداقة والتضامن. وبهذا المعنى فإنه يستهدف تطويق ظواهر التعصّب والتطرّف والطائفية والعنصرية والإلغاء والتهميش، والتصدي لمحاولات زرع الشكوك والألغام بين الأمم الأربعة، خصوصاً وأن قوى غير قليلة خارجية وداخلية، استعلائية ومتطرّفة، يهمّها أن تبقى أممنا وشعوبنا في حالة من التباعد والتفرّق والتشتّت والتشظّي، بل والاحتراب والكراهية.
الثالث – أن مثقفي هذه الأمم بقدر اعتزازهم بهويّتهم وخصوصيتهم وتراثهم وتاريخهم ولغتهم، فإنهم في الوقت نفسه يشعرون بأنهم جزء من حضارات وامتداد لثقافات تفاعلت في الماضي في إطار أديان وسلالات ولغات كانت عامل قوّة وليست عنصر ضعف وعامل غنى وليس عنصر خواء، واليوم فإن المثقفين بشكل عام يشعرون أكثر من أي وقت مضى أنهم جزء من الثقافة الإنسانية، وبقدر محليتهم فهم مثقفون كونيون بما يحملونه من قيم، يتواصلون بها مع الآخر، ويعترفون لغيرهم مثلما لأنفسهم بالحقوق والمساواة. وهذا يعني أن اعتزازهم بثقافتهم وخصوصيتها ولغتها، إنما هو تفاعل مع القيم الإنسانية والحضارة البشرية بشكل عام.

وفي ختام ندوة “حوار الأمم الأربع” التي استمرت 3 أيام، (23 – 25 ديسمبر / كانون الأول 2016) صدر “إعلان تونس” الذي تضمن الأسس والأهداف والوسائل التي قام عليها تأسيس “المنتدى المشترك للأمم الأربع” وكُلِّف المعهد العربي للديمقراطية باعتباره صاحب المبادرة في إدارة شؤونه واقتراح الخطط والبرامج لأنشطته وفعالياته، مع تشكيل لجنة عليا للمتابعة تعمل على رسم السياسات وبناء الاستراتيجيات لإنجاح مساره وتحقيق أهدافه.

وأكّد “إعلان تونس” على تقريب وجهات النظر، والمساهمة في نشر ثقافة الحوار، ومحاربة الأفكار والمشاريع المتعصّبة والمتطرّفة والإرهابية، بتشجيع مراكز القرار على التواصل والتعاون والعمل المشترك، وبما يساعد الأمم الأربعة على ضمان مصالحها وتحقيق تطلعاتها، خصوصاً عندما أكد على استقلال القرار الوطني، ومنح الأولوية لإيجاد حلول بين أبنائها، وبما يجنّب أهوال التدخّل الخارجي ويعزّز قدراتها الذاتية.

لعلها المرّة الأولى التي يتمّ فيها الاتفاق على تنظيم “منتدى مشترك” للأمم الأربع، ينعقد سنوياً بالتتابع في ما بينها، ويكون مفتوحاً لمثقفين ونشطاء مدنيين ومؤسسات مجتمع مدني، وذلك من خلال المساهمة في العمل على تعبئة قوى التنوير والتحرّر والديمقراطية لمجابهة المشاريع الإرهابية “الداعشية” ودعم مسارات الانتقال الديمقراطي في المنطقة، وفي مقدمتها التجربة التونسية، كما توجّه إعلان تونس إلى مخاطبة الحكومات المعنية والجهات السياسية والمنظمات الإقليمية والدولية، ذات الصلة.

لا تعليقات

اترك رد