إليها هنا


 
(لوحة للفنان صبيح احمد)

أيتها الروح العذبة التي هبطت علي في ذاك الصّباح، لتشرق في سمائي شموسًا وتنير كواكبَ، تزهر بساتيني سواسنَ وزنابق، يتدافع الياسمين وشقائق النّعمان والحنّون، كلها تفرش لكلماتك بساطا تظللّه أقحوانة.

يا جميلتي المجهولة المكان والزّمان السابرة ثنايا الرّوح، أشعلت ذكرى كلماتك نار الدفء في خريف عمري، جددت لروحي ربيعًا آخر، قطفت من السماء نجوماً مضيئة، زرعتها نقوشا على نفسي المتعبة بهموم الحياة وعشق الوطن.

يا جميلتي مجهولة الزمان والمكان السّابرة ثنايا الرّوح، تعالي نبثّ الكلمة روحًا والبعد حياة، فأنا مثلك أسير الوحدة والغربة، تسكنني الأشواق ومشاعر الحبّ وهمساته، تقودني أشرعتي في مرافئ الجمال، أبحث لنفسي عن مرفأ أخضر، كشمس بلادي وتلالها المشرقة بزهر الرمان واللوز الأخضر، المضيئة بزيت زيتونها، العابقة برائحة ورودها وبساتينها. تجوب روحي المرافئ والبلدان، ينـزرع جسدي كزيتونة يتحدث عن تاريخها الأجداد، وكلما تحرك هذا الجسد.. اصطدم بثعبان طويل ضخم، يفصل الجار عن جاره والحبيب عن حبيبه، ملتهما الجمال حاجبا الشمس والريح الغربية، هو ثعبان إسمنتي تحميه أجهزة الرقابة والأسلاك الشائكة وبنادق الجند وقسوتهم، تزيد من قمع الجسد حواجز منثورة في وجه الوطن، كبثور جدري أسود في الوجه الأبيض الجميل، مانعة لنسمات الهواء حاجبة للنفوس، قاتلة للأجساد بطلقات وحراب سوداء. فلا أمتلك يا امرأة الشوق إلا تحليق روحي في سماء رحبة، تطير من فوق الحواجز والجدران محلقة بسماء الله تظلّلنا، تجوب البحار والمرافئ، التلال والسهوب، مرفرفة على نافذتك كطير أضناه الشوق لعش الوليف.

آه يا امرأة لم أجدها بعد، لو كانت أقدامي لغير الجلادين لسرت إليك أبحث عنك في الأرض الرحبة، ألملم بطريقي قطرات الندى لأروي روحك المتعبة، لتينع حدائق وبساتين، لتتمازج الأرواح مستحمة بالزيت المقدس متعطرة بطلّ الياسمين، محلقة بفضاءات رحبة أرواحا حرة متمردة، تعشق الأرض تخلق الحياة.

*من كتاب أطياف متمردة من منشورات دار فضاءات/ الأردن

لا تعليقات

اترك رد