إلى نساء بلدتي الكادحات

 

لن أنتظر أيا من أعياد النّساء ولا وزارة المرأة ولا حتى القوانين التي يُنتظر منها حفظ مقام السيّدات في هذا البلد وفي غيره من الأوطان. فعلى كاهلهن وحدهن تنشأ أجيال وأجيال…هي في الغالب ناكرة للجميل ولن أنتظر الاحتفاليات الكرنفاليةلأخلع لكنّ القبّعات. فأنتنّ الحواجب والمحاجر بل والعيون أنفسها. أنتنّ المحاضنأنتنّ المراقي وسبل التفوّق والنجاح والتميّز .وكلّ من أنكر جميل أمّه على بنائه الفيزيولوجي والأخلاقي والفكري لايمكن أن نعدّه إلاّ جَحودا حقودا .

أنت أيّتها المرأة يامعمّرة الدّيار و زارعة الحقول وجانية الثّمر وباثّة النّور في الدّور والنّاهضة بكلّ الأعمال التي عفّ عنها صديقنا الرّجل. وقد غلب عليه كسله وميله إلى القيادة والسّيادة. فها أنا أشعر بتبلّد المشاعر وانقباض الفؤاد كلّما وقعت عيني ذات فجر على شاحنات تُملأ صناديقها نساءً ويكون ذلك قبل أن يُفيق المؤذّنُ أوّلَ المتخاذلين .

لا تغادر المرأة في قريتي بيتها إلاّ وقد وضّبت شؤونها وجهّزت المآكل والمشارب واستجابت فيها خاصّة لرغبات بعلها. يغادرن المسكينات وقد غالبت حماستُهن الصّقيع الذي تَبْكم له الكلاب وتجمد العروق. فيُستعان على تحريك الدّم بنيران الكوانين. فالفحم والحطب ثمينان في قريتي تستعيد بهما الكادحات الحياة التي تكاد تجمد في أجسام نحيلة نحتتها الفاقةُ وزوّقها الفقدُ وابتدعت لها الشّموسُالحارقةُ خرائطَ على الوجوه والزّنود فما حُجب منها فهو أبيض كالقشدة وما طالتهالشّمس احمرّ فازرقّ فاسودّ فـ”افحمّ”

كادحات قريتي يغرسن الشّجر. ويسقينه. ويشذّبنه. ويرعينه. ويقاتلن إلىجانبه كلَّ الطّفيليات. ويقلعن كلّ العاديات من شوك وسدر وما شابهها .هنّ زارعات الخير. فالكلّ يطعم من عرقهنّ وهنّ مُسديات النّصح فالكلّ يستقيم باستقامتهن.وهن العطوفات بالذّراري في المساءات الشّرسة واللّيل البهيم. فيأوي إلى كلّ امرأة منهنّ فريق من الأطفال تُشبعهم من جوع وتأويهم من خوف وتسامرهم اللّياليَ الطّوالَبحكاياتها اللّطيفة . وكثيرا ما كنت أتساءل من أين تأتي جرباء حدباء عرجاء كهذه باللّطف وقد صبغت عليها الطّبيعة بديع صور البؤس وقد زادها إيثارُ أبنائها خصاصةً وشحوبًا ، إلاّ أنّها تظلّ منهلاً طيّبًا للّطف والحنان بل ومنبعا للأهازيج والأغنيات..

فهي تنسج الملابس والأغطية وتُقيم الحظائر للأغنام والأبقار، وهي التي تُقيم الأفراحَ فتُعدّ المآكل وتطبخها وهي التي تغني بالسّهرات وتصنع أنغاما يتراقص لها الصّبْيةُ . .

مسكينة أنت بنت بلدي تحملين الأثقال وتكتمين الأقوال وتسهرين اللّيالي الطّوال. ويختارك التّعب هدفًا له. فأنت الحلقةُ الأضعفُ إلاّ أنّ الخير ينسب للرّجال. وتكتُمين غيظك بفؤاد حليم لا يفيض إلاّ ببسمات مسرورة. حِملك سيّدتي قد تنوء تحته الجبال والجمال غير أنّك تسعدين به. وتُهدين ثمرةَ شقائك لأحبّتك فتنقدينهم زهيدَ أجرك ووفيرَ أملك.. لله درك أيقونةً تُكابد لأجل حياة أفضل. ولو صادف وانتقلت إلى إحدى المدن القريبة بحثا عن عمل أفضل فالمشاقّ هناك بانتظارك أضعافا وأضعافا ..الأجر زهيد والمقام وحيد والكلّ متربّص بك. فلكأنّكما خلقت إلاّ لتكوني فريسةً لكلّ من هبّ ودبّ. ورغم كلّ ذلك يُعلنونك في المحافل سيّدة مؤقّتا ويجزلون عليك الأُعطيات الوفيرة التي لا تتعدّى مجرّد القول. فكلّالنّذور غير صادقة إلاّ في ما قلّ من الأحوال والآجال..

أمّا من حالفها الحظّ من بنات قريتي وأتمّت دراستها بقدرة قادر.. ثم نالت وظيفة بعد طول انتظار. فحالها لا تختلف كثيرا عن حال صديقاتها الكادحات.فهي تحت المجهر كلّ العيون تراقب لباسها وأكلها وعلاقاتها وتعاملها مع الآخرين.بل قل هي مطالبة بأن تكون النّموذج وكيف لها ذلك وهي مشطورة بين التزاماتها العائلية ومتطلّبات الحياة الاجتماعية والعملية. فعليها أن تكون الموظفة المثالية في عملها والنّاشطة الاجتماعية والبنت البارّة بوالديها والأمّ المثالية والزّوجة الصّالحة والعشيقة المثيرة والجارية المطيعة.. والويل لها إن زلّت بها قدمٌ أو نسيت أو قصّرت في مهمّة من هذه المهامّ. ستلغى كلّ امتيازاتها وتحلّ بها اللّعنة ولن تجد مكانا لا في الأسرة ولا في المجتمع.

المرأة في قريتي يصح فيها التشبيه ب “جمل بروطة” ذاك الذي يصعدون بهإلى البئر صغيرا (قاعود)ولا يخرج منها إلاّ شارفا (المسنة من النوق) أو يقسَم قطع لحم. فهي أيضا تدخل معترك الحياة صغيرة فتتقاذفها المشاغل والمشاكل و الصّعوبات ويرسم عليها الزّمن خيوط البؤس والتّعاسة والحرمان. فتكتم ما في صدرها لأنّها تدرك جيّدا أنّه لا يمكن لها الاعتراض. فمجتمعنا مهما تظاهر بالتفهّم والتطوّر والانفتاح فهو دائما مجتمع ذكوريّ بامتياز. يجوز فيه للرّجل مالايجوز للمرأة. فهي نصف الرجل نظريا لها حقوق لا تحصى ولا تعدّ إلى أن تحتاج إلى حقّ من هذه الحقوق فتجد نفسها تسبح في عالم افتراضي خال من الحقوقمليء بالواجبات. فتصفعها يد أبي جهل وتوقظها من حلم الحرية وزيف المناصفة.فتجد نفسها جارية من جواري الجاهلية الأولى…

دمت صنديدة أيّتها التّونسية. تنهشك الألسن والأظافر والأفكار. وتظلّين صامدةً شامخةً منتصبةَ القامة. وكلّ من يذكرك يذكر بن وتضحياتك الجسام ويديك الكريمتين وجبهتك الشّامخة . دام لك العزّ والشّرف أيّتها المرأة والنّصف …

لا تعليقات

اترك رد