بعيدا عن السياسة.. نحن بحاجة إلى صحافة


 

مشكلة التواصل والتلقي والأثر لا تلقى نقاشا في الساحة الثقافية والقراءات الجماعية التي تنظم على شرف الكتّاب لنقد أعمالهم وتقريب فهمها و شرحها للقارئ البسيط فحضورها شكليا من قبل ولم تعد حاضرة إلا نادرا مما يجعلنا نتساءل: إلى أين تتجه الثقافة والفكر والأدب في الوطن العربي في ظل الفساد و الشللية واستنفاذ المال العام دون الانتفاع به في بناء مواطنة ووعي من اجل الارتقاء بالمواطن إلى مرتبة المشاركة التي تجعله مسؤولا عن سلوكه و اختياراته.
إن الحديث عن الكاتب الذي يقدم بضاعته للقارئ عبر الصحف والمواقع الالكترونية تشهيرا لعمله الذي بذل في سبيله التعب والوقت والضغط النفسي والعقلي والعصبي يعتبر انجازه جزء منه إن لم يكن هو ذاته، مصدّره لغيره فاضحا و فارضا مشكلاته وعوالقه الاجتماعية والسياسية عارضا إياها للنقاش؛ فانتشار الخبر يخدمه ويريحه وفي تشهيره وإعلانه اقتراب من القارئ الذي فرضا انه مستويات كذلك. الكاتب يلجأ إلى التشهير بعمله و مطبوعه تلخيصا و عرضا وبمجرد النشر تتقاسم بعض الصحافة خبر الصدور والتلخيص دون ذكر المصدر بل تلجأ حتى إلى بتر بطاقة المعلومات مكتفية بسطور خدمة للصفحة الثقافية هذا من جهة، أما إذا طلب الصحفي ذاته جديد دار النشر فإنه في الغالب ما يأخذ التفاصيل من الصفحة الالكترونية عبر شبكات التواصل أو من موقع الدار أو موقع الكاتب ذاته استسهالا للخبر من جهة؛ و لصعوبة حصوله على المطبوع وفقدانه في السوق لسوء توزيعه من جهة أخرى وفي الحالة الثالثة حتى و إن اهدي الصحفي المطبوعات كلها و تصله لداره فإنه كسول لقراءتها مكتفيا بالنظر إلى الإهداء.
قليلهم قارئ و أكثرهم عازف متكبر مستعمل، ليسوا أصحاب صنعة تحتاج إلى كد وصبر و طول بال، تحتاج إلى جمال داخلي و رغبة الاستكشاف. الصحافة اليوم تؤسس للرداءة في الوطن العربي فالكاتب الحقيقي والصحفي موهوب بالفطرة وحاذق بالممارسة والتجربة لبناء حس فني وذوق ثقافي ونقد أدبي؛ الصحفي أحيانا لا يكتفي بأخذ الخبر والموجز المطبوع من صاحبه من خلال بريد أو من خلال صفحة بل عبر الهاتف ويقنع بما أعطي له وينشره في الجريدة لأنه يعلم يقينا أن الناس لا يقرؤون وهذا يدخل في باب خبرته و التزاماته مع مديره . نتساءل هل هناك أخلاقيات صارمة للمهنة تلزم الصحفي بمعاينة الكتاب و لو ظاهريا و نشر الخبر كما هو على ظهر الكتاب؟
كثيرون يتعاملون مع نشر الخبر لا مع المعاينة و التواصل مباشرة حوارا و سؤالا ولو كان مقتضبا.
في الحقيقة نحن بحاجة إلى صحافة أدبية و فكرية مهمتها متابعة و قراءة الأعمال والنقد والتصويب.
قليلة هي الجرائد التي تهتم بأمر الكتاب ومشكلات الثقافة فعمل اغلبها الأخبار حتى الساقط منها وفتاوى الدين وصفحات الرسائل والردود للمشكلات النفسية. إضافة إلى الناشر الذي يجب تحمل المسؤولية لأنه اسقط شرط التوزيع والصقه بالمؤلف الذي لن يوزعه إلا في نطاق محيطه الضيق. الكتاب آخر شيء ننتبه إليه لأننا أمة تخافه و تكرهه و في الحقيقة هي تحب الجهل وتحمده فقد رأت سقوط المتعلمين وشاة ومنافقين وأنانيين و متحزبين؛ كثير الكتّاب أقربهم لبيع الموقف والمبدأ وحرفتهم تجارة في سوق يكسوها وحل الفساد، إن داود ضاع زبوره ونحمد الله على من لا يزال يخدم الأدب و يتابع أعمالهم فأغلب الصحفيين اليوم يشهرون لديار نشر تطبع لهم على حساب غيرهم مقابل الإعلانات المجانية إن لم يكونوا ذاتهم هم أصحابها.

لا تعليقات

اترك رد