من أين ياتي الشر: تأملات في مصادر الشر ودوافعه

 

صراع الحياة والموت
اعتبر العالم النفسي الاشهر سيجموند فرويد ان هناك قوتين محركتين للفرد وللمجتمع الانساني عموما، تتصارعان وتتقاطعان وتتناقضان، احدهما اسماها القوة الايروسية باعتبارها قوة الحياة والحب والابداع والاخصاب الجنسي ، والرضا النفسي، وحفظ النوع ، واسمى الثانية القوة الثانتوسية ، المقتبسة من الكلمة الاغريقية التي تعني الموت، وهي القوة المحركة للعدوان والسادية، والدمار والعنف والموت او القتل ، وفي توصيفه للقوتين يقول ان البشر لحظة استجابتهم لقوة الثانتوس ، اخترعوا ادوات الدمار الشامل التي تعني امكانية الانقراض لجنسهم، وبالمقابل فان قوة الايروس ، عند الاستجابة لها، ستقوم بالجهد الذي يؤكد وجود الانسان واستمراره، والنضال ضد ذلك الخصم الذي لا يموت هو ايضا ولا يندثر الا وهو الموت، ولكن من تراه يستطيع ان يقول ما مدى النجاح، اوما هي النتيجة التي سيصل اليها كل منهما في نهاية المطاف؟ بمعنى هل ستتمكن قوة الدمار في انفسنا اي قوة الثانتوس ، ان تنجح في الوصول بالجنس البشري الى الانقراض عن طريق ما يراكمه البشر من اسلحة الفتك والدمار ، اما ان قوة الايروس ، قوة الخير والمحبة والحياة ستنجح في انقاذ البشر والمحافظة على النوع ؟

القوتان تتجاذان النفوس ، وتتجاذبان المجتمعات ، وعن الصراع بينهما نتجت الحروب، وكان اخرها حربان عالميتان شملتا الكرة الارضية بما الحقتاه من موت ودمار ، كما نتجت عن هذ ا الصراع انجازات انسانية تناقض القتل والاحتراب، ليس اقلها هذه الاختراعات التي اضافت قيمة لحياة البشر مثل ثورة الاتصالات والمواصلات وعلوم الجينات والامصال التي صارت تقضي على اوبئة ظلت لالاف السنين تحصد الملايين من البشر، وهو صراع نراه في نفوسنا وفيمن حولنا عندما نرى القوة التدميرية تنجح فتسبب جرائم القتل واحيانا حماقات الانتحار وايذاء بعضنا الاخر ، او تنجح القوة الاخرى المناقضة لها ، فنرى تجلياتها فيما يعرض لنا من ابداع وجمال ومحبة وفتوحات في علوم الطب ومناشط لاعمال الخير .

وطبعا لهذين القوتين تجليات وانعكاسات في الفنون والاداب ، وهناك تراث انساني في الروايات والافلام والمسرحيات التي تتكلم عن الصراع بين هذين القوتين ، اللتين يمكن ايضا ان ننسبهما الى الشر والخير، وهو تراث موجود منذ فجر البشرية وما الصراع الذي نقرا عنه في الاساطير الفرعونية عن ست اله الشر واخيه اوزوريس الذي يرمز للخير، ان هو الا معنى من هذه المعاني التي تتكرر في كثير من الاساطير ، بمثل ما نجد لها نظائر فيما انتجه الكتاب والفنانون من ابداع فني وادبي على مر العصور.

اذن فان فرويد لم يفعل اكثر من القيام برصد حقيقة من حقائق الحياة البشرية ، وربما اخضعها لشيء من تصوراته عن الطاقة الجنسية باعتبارها طاقة زود الله بها الكائنات الحية للتوالد وحفظ النوع ، فكانت بالتالي قوة الحياة والخصوبة بل ان فرويد نفسه يعترف بانه مدين لاهل الشعر والادب والفلسفة باستعارة هذين المصطلحين وبالفضل في اهتدائه لما يمثلانه من قوة في حياة البشر والمجتمعات .

المهم اننا امام حقيقة كونية ، اعتنى برصدها علماء النفس، واعتنى بتصويرها اهل الادب والفن، ولست هنا بصدد بحث ادبي اتتبع فيه اثر هذين العنصرين في القصة او الرواية، ولكنني اريد ان ارى تأثيرهما في واقع حياتنا العملية هذه الايام، واحتكاما الى الحالة التي تعيشها ليبيا وللماضى البغيض متجسدا في اربعة عقود من العهد الانقلابي يتقوض تحت ضربات الثوار، اقول ان هناك في هذه الثورة ، او هذا الصراع من اجل الحرية ، او هذه الحرب الشعبية التحريرية ضد كتائب الطغيان ، يتجسد شيء من هذا الصراع بين قوة الحياة وقوة الموت ، وارى ان هذه العقود من حكم السيد العقيد، كانت في جوهرها لحظة انتصرت فيها قوة الثانتوس ، قوة الموت والقتل ، قوة الدمار والعنف والتخريب، قوة الساديزم والعدوان، على قوة الخير والحب والابداع والخصوبة، القوة الايروسية كما في تعبيرات فرويد ، ولانه لا امكانية لان تحتكر قوة ما المجال على الدوام ، وتستاثر به على حساب الاخرى، فكان لابد لقوى الحياة ان تنطلق من اجل ان تسترد مواقعها وان تحارب من اجل منع احتكار قوة الموت والعدوان لحياة اجيال واجيال اوسيطرتها على المشهد الليبي لاماد طوال ، وبرغم حقيقة ان السيادة والسيطرة خلال اربعين عاما ونيف كانت لقوة الثانتوس، فان قوة الايروس لم تكن غائبة تماما ، كان حضورها ضعيفا ، ولكنها كانت موجودة لكي لا يقطع السيد ثانتوس دابر الحياة ويستاصل الزرع والضرع ويحيل الارض الى يباب ، وهو طبعا ما حاول فعله ، بما اساله من دم ، وما اشاعه من دمار ، وما اثاره من حروب ، وما نفثه في اجواء البلاد من كراهية وحقد ورعب، ومع ذلك كانت تلك القوة المحبة للحياة، تنافح وتدافع وتزرع بذورها وسط كل قطعة يباب يصنعها، لكي لا تتصحر الحياة البشرية، بمثل ما تصحرت الارض ، وكانت الحرب التحريرية التي اعلنها الشعب الليبي ضد الطاغية هي في حقيقتها حربا ضد قوة الموت والقهر والعدوان ، واحدى خصائص هذه القوة التي يجسدها الثانتوس، ظهرت جلية في الخطاب الذي رد به الطاغية على طلائع هذه الثورة ، لانه خطاب يعلى قيمة الموات والدمار، ويحتكم اليهما ، ولا يرى دورا للحوار ولا يعرف الاعتراف بالاخر ولا يدرك شيئا الا انه هو القوة الطاغية الباغية الماحقة الساحقة الحارقة الخارقة، التي يجب ان يخضع لها الاخرون ويعترفون بسيادتها عليهم ، وعندما يصدر عن هؤلاء الاخرين رايا يخالفه او يرفض سيطرته وتسيده عليهم، لايجد وسيلة يعرفها للتعامل معهم غير احالتهم ، عبر سيالاته الذهنية المريضة ، وخطابه المعبر عن هذه السيالات، الى جرذان، وصار التعامل معهم يقتضى بالضرورة تعاملا غير التعامل الذي يقوم بين البشر والبشر ، وانما بين البشر والجرذان ، بمعنى الحوار الوحيد الذي يستحقونه هو رشهم بالمبيدات الحشرية ، اي قتلهم كما يفعل البشر مع الكائنات المضرة من دواب وحشرات، انه خطاب الطغيان ، خطاب الموت ، خطاب الثانتوس الذي لا يعرف الا المحق والسحق والقتل .

نعم هذا هو جوهرالصراع الدائر في ليبيا ، ولعله كذلك في بقاع اخرى من العالم العربي ، استحوذ فيها اجناد الثانتوس على المسرح عدة عقود، وحان بالنسبة لهم وقت الانسحاب ، لاعطاء الفرصة لقوة اكثر جدارة بالحياة وجدارة بالحضور فوق ارض البشر ، قوة الخلق والابداع والجمال والحب والحرية والخصوبة والنماء.

حديث عن الضعف الانساني
من الحقائق التي تأسست من خلال مراقبة السلوك الانساني ، وعبر شواهد التاريخ ، وغيرها من احداث ووقائع حظيت بمراقبة وفحص اهل الفكر قديما وحديثا ، ان البشر يمكن تصنيفهم الى اكثر من درجة في الرقي والسقوط ، بدءا بصنفين من البشر هم الابرز والاكثر ظهورا على السطح ، يمكن ان نسمي احدهم ، plus ، كما يقول اهل المحاسبة ، وهو نوع من الناس يمثلون اضافة للجنس البشري وحياتهم فوق الارض ، علما اوفكرا اونضالا اوقيادة ، ويضرب المفكر العربي المعروف عباس محمود العقاد ، المثل على هذا النوع في البشر الذين عاصرهم وحضر مصرعهم ، المهاتما غاندي ( الحديث هنا يستثني طبعا الانبياء والرسال ومؤسسى الديانات ، ويهتم بالبشر من خارج اصحاب الهالات المقدسة ) ويقابل اهلا الاضافة من نوع plus جماعة نسميهم بلغة اهل المحاسبة ايضا ، Minus، اي الذين ينتقصون من الحياة ويرتكبون من الافعال ما لايشكل اضافة وانما يشكل خصما ونقصا وربما تخريبا وتدميرا لها ، و في هذا المقام يختا ر العقاد شخصية مناقضة للمهاتما غاندي ، هي شخصية قاتله ، وهو هندوسي اعماه الحقد والتعصب اسمه كاديس ، ويمكن طبعا ان نضع في خانته كل اهل التعصب والاجرام في العالم من صنفه ونوعه من بن لادن الذي كان يرتكب جرائمه تحت غطاء الدين الى اهل المافيا الذين يرتكبون جريمهم دون حاجة الى غطاء ، وطبعا لا يحتاج اهل هذا النوع ان يكونوا جماعات دائما وانما يعملون ايضا بصفتهم الفردية وينتشرون في الارض لا يجمعهم الا الانتماء لهذا النوع من الجنس البشري ، ويصعب لاي ينسان ينشط في الحياة الا يلتقي بهم كما يقول شطر من بيت الشاعر المتنبي ” والحر ممتحن باولاد الزنا ” وطبعا هم ليسوا بالضرورة ابناء من صلب اباء غير ابائهم الشرعيين ولكنهم ابناء زنا بمعنى اللقيط الذي لا يجمعه نسب بالانسان في معناه الحقيقي ، يلتقي الانسان بهم ، ويعرفهم من سلوكهم العدواني ، وحجم ما لديهم من شر ، وقد يمر بمحنة تظهر لهم حقيقة ان الله انتزع من قلوبهم عنصر الخير ، وفي هذه الخانة يمكن ان نضع كثيرا ممن وصلوا للاسف الى قيادة الشعوب فاكتوت بنارهم جموع هائلة من البشر ، كما حدث مع من عرف التاريخ من هؤلاء الحكام المجرمين بدءا من كاليجولا ونيرون وهولاكو وجنكيزخان ، قديما ، الى هتلر وموسيليني وصولا في وقتنا الحاضر الى صدام والقذافي ، ودوائر تضيق وتتسع من الخدم والاعوان والجلاوزة ممن اباحوا لهم انتهاك الحرمات والحقوق وارتكاب اصناف الايذاء والعذاب للشعوب المكبلة بنير حكمهم الاجرامي . نوعان من البشر يقفان على طرفي هذا الشريط او الشرط الانساني ، ايجابا وخيرا ، او شرا وسلبا ، وهما لا ينتميان الى الغالبية العظمي من البشر لان هذه الغالبية تقع في المنطقة الرمادية بين هاتين الخانتين ذاتي التباين الصارخ في اللون والشكل والمحتوى والمضمون ، انهم يحتلون المساحة العظيمة الواقعة بين الطرفين ، يسرحون فيها يتبعون ما يسميه علماء الاجتماع روح القطيع ، كثل عمياء تمضي بحاسبة اشبه بالغريزة التي تعمل بها قطعان الماشية ، وعلى المستوى الفردي فان واحدهم اذا وجد طعاما وشرابا ومكانا يأويه ، فهذه حدود ما يريده من انجاز في الحياة ، واعرف اناسا ممن يعيشون في منطقة الواحات التي جئت منها، يعيش الواحد منهم على تمر نخلة قد لا يهتم بتخصيبها لان الريح تنقل لها اللقاح ، وقد يضيف الى هذا الطعام ، كاس حليب من معزة تربيها عجوز من عجائز العائلة ، ويقضي عمرا كاملا يتبع هذا النمط من الحياة ، حتي يحين موعد ذهابه الى لحده . نعم هناك اصحاب حرف ، يفيدون الحياة من مزارعين وعمال ورش وصناعات وخبازين ، وجاءت الصناعات الحديثة بمصانعها الكبيرة وعمالتها الضخمة، لادارة عجلة الانتاج ، وهناك مهن تحتاج لسنوات من التحصيل والمعرفة ، مثل اهل الطبابة والهندسة والقضاء والقانون ، وغير هؤلاء من سائقي طائرات وقطارات ، ومهن فنية مثل اهل الموسيقى واهل المسرح واهل الصحافة والاعلام والمطابع وصناعة الخبر وصناعة الكتاب وموظفي المصالح الاهلية والحكومة من اهل الادارة ، وطبعا لا حصانة لاحد من هؤلاء الا يكون رغم انتمائه لمهنة من مهن الانتاج او الخدمات الا يكون عنصر الشر وخراب الذمة والضمير او غيره من علل الروح قد تمكنت منه وجعلته عاملا من عوامل الهدم بدلا من الخير والنماء والبناء ، كما ان كل هذه الكثل البشرية يبقى اسهامها رغم اهمية لدوران عجلة الحياة محدودا بجوار اهل الاضافة والنبوع ، كمن اخترع مصلا للجدري ، او الكوليرا او اكتشف الكهرباء او ادار دواليب القطار والسيارة والتراكتور وجعل الطائرة تصعد الاجواء والمركبة تذهب الى الفضاء والقمر الاصطناعي يدور بين النجوم لبنقل لنا الصوت الصورة من اقصى بقاع الارضي شمالا او جنوبا الى اقصاها شرقا او غربا واسهم فيما نراه من ثورة المعلومات والاتصالات والمواصلات بما تزخر به من اختراعات ، واستطرادا اقول ان هناك مهنا بكاملها تقع في خانة الخصم من الحياة اي الماينوس Minus ، واضرب مثلا بالبوليس الساسي في الدول الشمولية ودول الاستبداد ، الجستابو لدى هتلر ، وجهاز الكي جي بي في عهد ستالين ، ومن بعده اجهزة الدول الشيوعية جماعها ، حتى نهاية نظامها الاستبدادي ، وتبعا لذلك اجهزة امن الدول في دول مثل مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا قبل ثورات الربيع العربي والعراق قبل سقوط الطاغية ، وغيرها من انظمة الاتجاه الواحد في العالم العربي وافريقيا واسيا وامريكا اللاثينية .

نعم ، من تجربتي الخاصة من النظام الليبي ، اعرف اعوانا في هذه الاجهزة، ينتمون لاهل الخير ، ويسعون اليه ، ولكن قدرات الواحد منهم في مثل هذا الجهاز ، محدودة فيما يتصل بعمل الخير ، لان المتاح في هذه الاجهزة لمثل هذا العمل قليل جدا ، جدا ، ويمكن للواحد من هنا ان يفتخر ، انه كان داخل هذا الجهاز ولم يرتكب شرا ، لان المساحات مفتوحة بلا حدود لكل انواع الشر والخسة والنذالة والاجرام قتلا وتعذيبا دون حساب ولا عقاب ولا قانون ، ويصعب كثيرا على صاحب الطبيعة الخيرة ان يقى محتفظا بخيره ، واقصى ما يستطيع عمله ان يجد طريقا للخروج باسرع ما يستطيع من هذا الجهاز اذا وجد نفسه ودون ارادته قد حل بداخله ، بينما هناك من اهل الشر ، من يسعون اليه ، ويستخدمون الوسطاء، ويستغلون العلاقات الجهوية والقبلية والعائلية ، التي لها اعتبار في مثل هذه المجتمعات ، لتسهيل وصولهم الى مثل هذه الاجهزة ، لانها تلبي ميلا طبيعيا في نفوسهم لعمل الشر ، وتتيح لهم الانتفاع والتربح من مثل هذه النزعات الاجرامية الشريرة .

وكنت في مقال سابق قد اوردت تقسيما للعالم النفسي سيجموند فرويد ، يرى فيه ان هناك قوتين تحركان حياة البشر والمجتمع الانسان الاولى واسماها الايروسية ، وهي ترمز الى قوة الحياة والحب والابداع والاخصاب الجنسي ، والرضا النفسي، وحفظ النوع ، واسمى الثانية القوة الثانتوسية ، المقتبسة من الكلمة الاغريقية التي تعني الموت، وهي القوة المحركة للعدوان والسادية، والدمار والعنف والموت او القتل ، وتحت هذين القوتين تنتظم افعال البشر ، وفي اطار الصراع بين القوتين يدور الصراع بين الخير والشر ، ولهما اعوان على كلا الطرفين ، دون ان ننسى ان النفس البشرية احيانا قادرة على ان تكون فاعلة في المجالين تحمل نقائضها وتمضي متدبدبة بين القطبين . ومثل هذا الصراع بين الخير والشر في نفس شخص واحد كان موضوعا لكثير من اطروحات علم النفس ، وكان موضوعا لاعمال ادبية صورت هذا الصراع ، اعترافا من الادب وعلم النفس بوجود الابيض والاسود في النفس البشرية وصراع الاثنين في قفص صدري واحد ، كما يصوران ، اعني الادب والفن ، انسان من اهل الخير باعتبار ان عامل الخير في نفسه انتصر على الشر في نفسه ومساحة البياض انتشرت تاكل المساحة المظلمة المعتمة التي تنبت فيها اشواك الشر ، وقد ينتصر هذا العنصر الى حد ان يجعل الانسان قديسا ، ويصل انتصار الشر الى ان يتحول الانسان احيانا الى تجسيد لابليس نفسه ، ولكن ما اريد ان اصل فيه الى يقين ، هل هناك وجود لهذا الانسان الذي يتحول من النقيض الى النقيض . ام هي جبلة في النفس ، يصعب محوها ، وربما تغذيها تربية وبيئة ومحيط فتزيد الجبلة قوة في الشر ، او تضعف هذه الجبلة الى حد الجمود واحيانا الكمون ، الذي قد يجد فرصة للانطلاق تحت عامل ما او استفزاز ياتي في مرحلة من العمر . فهل هناك هذا التحول الكبير ؟ لقد كانت مفاجأة مذهلة لمشاهدي مسرحية ” المصيدة” من تأليف اجاثا جريستي ، ان يكون القاتل هو رجل القانون وحارس النظام الاجتماعي ، اي المحقق نفسه ، الملكلف بمطاردة المجرم ، مرتكب جريمة القتل في المسرحية ، واصطياده ، وجلبه الى العدالة ، فهل هذا الرجل كان قاتلا مجرما منذ البداية ، ام انه انتسب انتسابا صادقا الى عالم القانون وادى دورا في حماية المجتمع من المجرمين وحراسة تنفيذ القانون ، ثم جاء ت ظروف اجبرته ان يتحول الى النقيض ، واستفاد من مهنته في حماية نفسه ؟ وهل يمكن لانسان ينتصر في نفسه الخير ، فيرجع بعد هذا الانتصار الى ممارسة الشر ، او انسان انحاز الى الشر ، فيظهر في مرحلة اخرى من حياته في ثياب المصلحين الاخيار؟

من مطالعاتي في اعمال الادباء مثل شكسبير في المسرح الانجليزي ، او نجيب محفوظ في الرواية العربية ، نجد ان هناك دائما منطقة يمكن ان تختلط فيها مياه البرزخ الفاصل بين مياه النهر الحلوة ومياه البحر المالح ، ونرى تصويرا بارعا ذكيا لامتزاج شيء من الخير في اهل السوء والمكيدة ، اوشيئا من الشر في اهل الصلاح والبهاء ، وانطلاقا من شخصيات الادب الى شخصيات الواقع المعاش في حاضرنا ، هنا والان ، اقول باننا رأنا في هذه الثورات التي اطلقنا عليها ثورات الربيع العربي ، صورا متباينة ومتناقضة بين الخير والشر ، وبين السفالة والشهامة ، وبين التضحية والفداء في سبيل الوطن ، وبين عبادة شيطان الجريمة وقتل الوطن واهله ، وهو امر طبيعي ، عندما تحصل لحظات الفرز والتمييز ، ويصطف اصحاب الخير في جانب متمثلين في اهل الثورة ومقاتليها وشهدائها، واهل الشر في جانب كما في جلاوزة الطاغية وكتائبة واعوانه .

ومن ليبيا ايضا ومعركة الحرية التي ادارها شعبها ضد الطاغية ، استمد مثلا عما حدث اثناء هذه المعركة ، التي حسم فيها الصراع لصالح اهل الخير والثورة ، بعد ان واروت دماء الشهداء بقاع ليبيا ، وقد كانت اعداد هؤلاء الشهداء في ارتفاع من اول ايام الثورة ، تنتقل من العشرات الى المئات الا الالاف في ايام قليلة جدا ، ثم الى عشرات الالاف، حتى كتب لهم ولزملائهم من مقاتلين استمروا في الحياة بعضهم نجا من جراح قاتلة ، انتزاع النصر من بين براثن الطاغية وانيابه الزرقاء ، وهناك دماء ما يقرب من خمسين الف شهيد ، تحولت الى وقود للسراج الوهاج الذي يضيء عهد ا جديدا هو عهد ثورة 17 فبراير ، الا انه حدث ما يستحق الاستهجان ، والاسى ، وهو ان نرى من اهل الحيلة والشطارة ومن تلوث تاريخه بسرقة المال العام او شارك في عمل من وراء الستار ضد الثورة ، يتسلل بخسة وندالة ليحاول ان يتصدر العهد الجديد ، ويعمل فيه فساد ونهبا وسرقة ، بل فتنة واجرام ، وهو سلوك تبناه احينا من لم يكن سارقا ولا متعاونا مع النظام ووجد فرصته مع العهد الجديد يمد له يد العون ويأتمنه على بعض المهام والمسئوليات لنظافة سجله من العمل مع العهد القديم ثم اذا به يقع في فخ الاغراء المالي والرغبة في الاثراء السريع لانه عهد انتقالي قد لا يبقى فيه مسئولا عن هذا الموقع لمدة طويله ووجد نفسه في ظل الفوضى والارتباك وعدم وجود الرقابة الفاعلة يمد يده الى المال العام ويخون الامانة ويستهين بالمسئولية ، في خيانة واضحة صريحة لدماء الشهداء ، وهذا النوعان انتشرا انتشارا مهولا في المرحلة الانتقالية وراينا الشكوى تصدر من قياديين في العهد الجديد يرون هذه السرقة واعمال النهب ولا يستطيعون الامساك بالادلة التي تدين اللصوص رغم وجود الفاقد المرعب في هذا المال العام حسب تصريحات وزير المالية في العهد الانتقالي نفسه ، وهو سلوك برغم ما فيه من خسة ودناءة ، وسقوط انساني ، فهو ليس غريبا على النفس البشرية في حالة ضعفها وانهيار قوة المقاومة وضعف الدفاعات لديها .

ما وجدته اكثر عجبا من هذا وذاك وانا مازلت اكتب مقتبسا ومراقبا للحالة الليبية ، ومنصتا لاصوات تتصاعد من معاناة اناس كانوا شهودا على ما يحدث ، هو من بعض الثوار انفسهم ، رفاق اولئك الشهداء ، وقادة ميدانيين ، كتبت لهم النجاة وعاشوا لحظات النصر ورأوا مصرع الطاغية وانتهاء ايديهم بفضل استبسالهم واستبسال رفاقهم ، اقول اننا نسمع اقوالا ونتلقى شهادات ، بسوء سلوك هذا الثائر او هذا القائد الميداني نفسه ، الذي كان يتولى القيام بمهمات قتالية استشهادية ، مضحيا بروحه ، ملقيا بنفسه الى التهلكة في سبيل وطنه ، فاذا به ينتهز مكانته المتميزه المحاطة بالاكبار والتوقير والثقة في العهد الجديد ، وينتقل بها فجأة من من ارض الشهامة والنخوة والاباء والاستبسال والتضحية والفداء ، الى ارض الخسة والندالة ، سمسارا متربحا من موقعه الثورى في العهد الجديد ، نهبا وسرقة وتهريبا ، وكل ما يمكن ان تفعله عصابات من عصابات الاجرام ، لا كتيبة من كتائب الثوار الاحرار التي لها شرف المشاركة في دحر الطاغية .هذا هو السلوك الذي بدا لي عصيا على الفهم والاستيعاب ، الى حد انني لم اكن مستعدا لتصديقه ، الى ان تراكمت الشواهد وتكاثر الشهود ، فاضطررت الى التصديق، مستعجبا ومستغربا ، رغم ما اعرفه ما خبرته من ضعف البشر وما رايته وكتبت عنه من متناقضات في سلوكهم ، الا ان هذا السلوك كان اكثرها غرابة ومدعاة للاندهاش والتعجب .

كيف يفكر الوحش؟
انتهت السنة الماضية 2016 بان رأى العالم بابا نويل رمز المحبة والبراءة والطفولة والتعاطف بين البشر، الذي يحمل هداياه مع اول ايام العام الجديد لاطفال العام، ويفاجئهم بها تحت الوسائد، متسلالا من النوافذ والمداخن، انتهت بان راى العالم هذا الرمز الجميل العزيز على القلوب، يرتدي قناع الشيطان ويحمل مناجل الموت والرعب والارهاب، يدخل ملهى يقضى فيه الناس سهرتهم، ويزرع رصاص حقده واجرامه ورعبه وارهابه على المحتفلين من نساء ورجال واطفال، ويصنع مجزرة حصادها 39 قتيلا وعددا كبيرا من الجرحي، ويترك خلف هؤلاء الضحايا عشرات الايتام والارامل والتكالى، في ملهي في مدينة اسطنبول.

هكذا اسفر زمن التوحش والارهاب والجريمة، عن وجهه البشع مع دقات الساعة التي تفصل بين افول عام مضى وقدوم عام جديد، ليقول انه هنا بلغته الابليسية الملعونة، لغة الدم والنار، وان البشرية تعيش زمنا مشوها ممسوخا، يتسيد فيه هذا الداعشي الارهابي المتوحش المتطرف على المشهد، ولكننا نقول له بلغة القيم الدينية التي سعى لتزييفها وتشويهها، القيم الحقيقية الانسانية قيم الرحمة والعدل والتسامح والمحبة، ان هذا الحضور الطاغي له ولامثاله من شياطين الارض، ليس الا جولة من جولات الصراع بين الخير والشر، وبين الحب والحقد ، وبين النور والظلام، وبين الملاك والشيطان، وهو صراع ولد منذ اول يوم هبط فيه ابو البشر آدم وامهم حواء من فراديس السماء الى كوكب الارض، ومنذ ان سال دم هابيل على يد شقيقه القاتل قابيل.

كل الحوادث الإرهابية التي يرتكبها اهل التطرف الديني، تتضمن صورة من التوحش، تذكر الناس باقصي ما يمكن ان يحتويه القلب البشري من القسوة، واكثر ما يسكنه من العتمة والظلام، وما يتقد في وجدان صاحب الفعل الاجرامي من جحيم الحقد والغل وجنون الوحشية ، وهو توحش تجلى في صورة بالغة الدلالة في حادث سابق لحادث ليلة راس العام هو حادث مدينة نيس، فالمجرم الذي ارتكب جريمة دهس الناس في تلك المدينة الساحلية الفرنسية، اختار احدى اجمل بقاع العالم، التي يضرب بها المثل في بهاء المنظر، وعبقرية الانسان في صنع الجمال. انها مدينة تمثل بوجودها البديع الساحر، مظهرا من مظاهر احتفال الانسان بوجوده فوق هذه الارض، يقصدها عشاق الحياة من كل اركان العالم، في مقدمتهم اهل السعة في الرزق، دون ان تكون حكرا عليهم، لان بامكان المنتمين للطبقة المتوسطة، قضاء اجازاتهم السنوية هناك، والتمتع بمباهج المدينة واجوائها ومناظرها، بينما يصبح جمالها ادمانا للمقتدرين، فهم لديهم بيوتهم المطلة على البحر، ولديهم مطارات تقتصر على استقبال الطائرات الخاصة التي يسافرون بها، ولديهم موانيء لليخوت الباذخة التي يستخدمونها، وتمثل احدى ادوات الفرح والمرح ومتعة العيش في هذا العالم.

هذا اولا، وثانيا اختار المجرم الداعشي، يوم الاحتفال الاكبر، اليوم الذي يأتي مرة في كل عام، العيد الوطني الفرنسي، حيث تسهم الدولة وبلدياتها في اتاحة اكبر المساحات واكبر الفرص للاحتفال، وغالبا ما تعمد هذه البلديات الى مد المحتفلين باجواق الموسيقي، ويحظرون مرور المركبات في بعض الشوارع الكبيرة الجميلة ، لتخصص كقاعات للاحتفال، حيث يصنع الناس عيدا، وحفلا عاما يقصدونه اطفالا ونساء ورجالا، ويختلطون في عائلة انسانية واحدة، تنتهي فيها الفروق بين البشر، عرقية او دينية، فقراء او اغنيا، متعلمين او غير متعلمين ، سود او سمر اوبيض البشرة. فهو مهرجان للفرح، ومهرجان للاخاء الانساني، وتجسيد لشعارات الثورة الفرنسية التي يحتفل بها اهل البلاد ويجعلون عيدها عيدا وطنيا وهي شعارات الحرية والعدالة والإخاء الانساني.
هكذا يحدد المجرم هدفه، ويوجه ضربته الى كل هذه المعاني ، والى كل هذه المظاهر التي تعني الاحتفال بالحضارة الانسانية، للتعبير عن امراضه وعاهاته النفسية، وافراغ شحنة الحقد والظلام والقبح التي سكنت جوانحه.
المجرم الذي قام بالجريمة ، شاب من اصل تونسي اسمه محمد لحويج بوهلال
ولد وعاش طفولته وصباه وشبابه قبل هجرته الفرنسية ، في قريبة قريبة من مدينة سوسة، وفي اكثر احيائها بؤسا وفقرا وعوزا، ولاسرة كما تقول التقارير، مفككة ، انعكس الفقر المدقع على علاقاتها العائلية، فلحقتها علل واوصاب اجتماعية وشخصية، مثل الطلاق والانحراف والمرض العضوي والنفسي، فهي بيئة مؤهلة بالتأكيد لانتاج نفسية مشوهة ممسوخة، دون ان يكون هذا هو بالضرورة قدر الناس جميعا في مثل هذه البيئات والظروف، او ان يتحول كل انسان عاش هذه المعانة الى هكذا مصير ، وينتهي به المطاف الى ممارسة الاجرام في اقصى دراجته بشاعة وحقدا. شعوب كثيرة هي الان ذات سعة في الرزق ورفاهية في العيش، مثل الشعب الايطالي، والشعب البريطاني، مرت بفترة بؤس وفقر اثناء الحرب العالمية الثانية، كان الناس فيها لا يجدون وقودا للتدفئة، ولا يجدون طعاما غير حشائش الأرض، وانتج هذا الوضع البائس ، زعماء ومصلحون، انطلقوا من اكثر فئات الشعب فقرا، وصاروا مصلحين يحققون لشعوبهم العدالة والتنمية والبناء الاقتصادي لتصبح بلادهم في سنوات قليلة ذات منعة وعزة ورخاء.

هذه الحالة هي دائما استثناء، شخص واحد، من مجاميع كثيرة، ينتهي بنفسية تخالف الاخرين، وتتنكب طريق الاجرام، الا انه غالبا ما يكون اجراما يختلف عن اجرام الوحش الذي ارتكب جريمة مدينة نيس، فهو اجرام، وانحراف، بدافع التغلب على ظروف العوز والفقر، بطرق غير مشروعة، لانه يرى ان الطرق المشروعة مسدودة في وجهه. انه اجرام من اجل التربح، وقد يصل الى القتل من اجل السطو والسرقة، او يلجأ الى الدخول في عصابات الجريمة المنظمة، مثل المافيا، لانها تتيح للمجرم الذي يلتحق بها، إثراء بطرق غير قانونية ولا شرعية، تهريبا وسطوا وتعاملا بالممنوعات، وصولا الى جرائم القتل احيانا. ولكن اجرام اهل التطرف، ليس في قاموسه اي مفردة اخرى غير القتل، وهو اجرام لا يتوخي تحقيق ربح او كسب مال من وراء ذبح ضحاياه، ولا يطلب من هذه العمليات التي كان آخرها عمليات نيس، مكسبا ماديا. انه اجرام مجاني، صلاة خالصة لشيطان القسوة والتوحش والحقد والشر، بدليل ان سائق الشاحنة، كان وهو يقود شاحنته، يداهم بها المحتفلين ويدهسهم، يتراقص بمقودها في جنون ، شمالا ويمينا، ليلحق بهذا الطفل او هذه المرأة التي حاولت ان تتحاشي عجلاته، فيلحق بها حتى حافة الرصيف او فوقه.

هذا هو الملمح الاول من ملامح الاجرام الداعشي، الذي يختلف عن اجرام المافيا، الذي كان هو الاجرام المعتاد والمعروف ، الذي يحاربه العالم، ويتصدى له القانون ورجاله، وعندما اقول داعش، فأنا هنا اعني بها حالة ، اكثر مما هي اشارة الى التنظيم نفسه، وانما الى اسلوبه وممارساته.

الملمح الثاني، من ملامح الاجرام الداعشي، هو كراهية المجرم لنفسه، وكراهيته لحياته، وميوله الانتحارية التي تجعل الموت، باعتباره اقصى العقوبات التي يملكها القانون وتملكها العدالة ضد المجرمين، يصير هدفا للمجرم نفسه، فهو يدخل عمليته الاجرامية ، مستهدفا ان يفقد خلالها حياته مع سبق اصرار وترصد.

فهل هو حقا الدين؟
ان الدين هنا ليس الا ذريعة وغطاء كاذب وليس هو الدافع ولا الهدف. والى الادراج القادم
الذين يعرفون مجرم مدينة نيس، بمن فيهم اقرب الناس اليه، وهو والده، يقولون عنه انه كان ولدا فاسقا، فاسدا في اسلامه، لا ذرة من تقوى او تدين في سلوكه، ولم يره احد من اهله ومعارفه ، يمارس طقسا دينيا او يؤدي شعيرة من الشعائر، فهو شاب طائش، متهتك، يرتكب عددا من المعاصي التي نهى عنها الدين.

ومع ذلك ، فانه قبل ارتكاب جريمته، ارتدى مسوح الدين، الى حد التطرف، وتكفير الآخرين، والبحث، كما تقول تحريات الشرطة الفرنسية، من خلال تقصى الاجهزة الاليكترونية التي كان يستعملها، عن اهل التطرف الاسلامي ، لتأكيد انتمائه اليهم، والتنسيق معهم، والفوز بعناصر موجودة في عين المكان لمعاونته في الجريمة التي يعتزم القيام بها.

فهل حقا هبط عليه الاسلام هبوطا مفاجئا، اطلاقا، فهذا الايمان الفجائي، الاصطناعي، المفتعل، أمر آخر غير ايمان العقيدة حتى ولو كان مشوها ممسوخا، بما في ذلك اسلام بعض الدواعش، ممن تربوا في بيئة اسلامية منغلقة متزمتة، وكهوف تحول فيها الدين الى قوالب من حجر وصوان. مجرم مدينة نيس، انما هو حالة من حالات التمسح بالدين كذبا وزورا وبهتانا، لاتخاذه غطاء لإجرام تأصل في نفسه، فالاصل هو ميول اجرامية تمكنت من نفسيته المريضة العامرة بالشروخ والاوصاب، وكانت جرثومة الإجرام تبحث عن لبوس تتلبسه، وغلاف له احترامه وجلاله تظهر فيه متنكرة ، كانها ليست جرثومة وليست اجراما وانما هي شيء نبيل مقدس، فانتقل مجرم مدينة نيس ليكون عميلا داعشيا مؤمنا بالاسلام المتطرف، كما يراه في الاعلام، لانه يلائم عاهاته وتشوهات روحه، ويجد فيه وسيلة مناسبة للتعبير عن نفس فاض بها الحقد والغل، وغمرتها الشرور، وأغرقت كل بذرة خير وانسانية فيها، فهو لا يملك مدارك ولا ثقافة ولا تعليما يقوده لفهم هذه القناعات المعاكسة لسلوكياته خلال جميع الاعوام التي مرت من حياته.

الدين غطاء يخفي فيه، امام نفسه الصورة البشعة للمجرم بداخله. غطاء مقدس، يعالج به احتقاره لذاته، ويبدو له الفعل الخسيس الحقير، المهول في بشاعته وتوحشه، الذي وصل الى الدرك الاسفل من السقوط الانساني ، الى حد تخجل منه الكائنات المفترسة، ويستحي منه الشيطان ذاته، كانه فعل محترم تحت وهم انه يخدم الاسلام والعقيدة المحمدية وحاشا لسيدنا النبي محمد بن عبد الله، ان يرضى بهذه العاهة البشرية تابعا من اتباعه.

بناء على ما سبق، اقول، انه لابد من الاعتراف، ان الغطاء الذي صار شائعا استخدامه لدى اهل التوحش والاجرام، وايضا لدى اهل الميول الانتحارية، هو الدين، والدين الاسلامي بالذات، في هذه المرحلة من مراحل التاريخ المعاصر، دون اقتصار عليه، فهناك إجرام، رأينا عينات كثيرة منه، يرتكبها في فلسطين المحتلة ، منتمون الى الدين اليهودي، بعضها يصل الى حد اقصى من البشاعة، مثل المجزرة ضد المصلين في الحرم الابراهيم في القدس، التي ارتكبها متطرف يهودي اسمه جولدشتاين منذ اعوام مضت، وهناك غيرها كثير من متطرفي الدين اليهودي، كما رأينا جرائم في امريكا يرتبكها متطرفون ارهابيون ينتمون الى الدين المسيحي، وهناك هندوس وبوذيون، ولكن الظاهرة التي اتسع مسرحها ليشمل العالم اجمع ، هي ظاهر التطرف الاسلامي، وصار التنظيم الداعشي، وقبله تنظيم القاعدة، يستقطبان اهل الاجرام والتوحش من اوساط اسلامية في مشارق الارض ومغاربها، لان هذا النوع من الاجرام صار متيسرا الالتحاق به، وله موارد واموال واتباع، كما له آليات للتواصل وتأمين الالتحاق به في مواقعه، ولعل له قوى سرية تدعمه وتعمل على تيسير الطريق امام الاتباع للالتحاق به، فياتون مهما كانوا بعيدين عن التديّن، باعتباره وسيلة وميدانا لتنفيذ ميولهم الاجرامية والانتحارية.
واذا كان مجرم مدينة نيس مثلا واضحا لهذه الحالة، فهناك حالات كثيرة تماثله، فمنذ يومين فقط عرض الصحفي السعودي السيد داود الشريان، برنامجا حواريا استضاف فيه ارهابيا، تكفيريا من اتباع القاعدة، موجود في سجن بالسعودية ، مازال يريد ارتكاب جرائمه ومازال مصرا على تكفير الناس جميعا واعتبارهم اهدافا للقتل والذبح، مع انه يعترف انه كان منحرفا وفاسقا وبعيدا عن الدين ويتعاطي الحشيش لمدة ستة عشر عاما، كما يقول، قبل ان يجد في القاعدة مجالا لتنفيذ ميوله الاجرامية، ويجد في التطرف الديني غطاء لهذا الاجرام.

وإذا كان الدين الاسلامي المتطرف، يستقطب اناسا ولدوا في هذه الملة، من اهل العاهات والميول الاجرامية، لاتخاذه غطاء، فان هناك من غير ابناء هذه الملة، من يجدون الغطاء في قضية وطنية ، كما هو الحال مع الارهابي الدولي الذي عرفه عقد السبعينيات، المسمى كارلوس، فهو مثال لهذا النوع من المجرمين بالفطرة، الذين يجدون في القضية الوطنية غطاء لاجرامهم، فهذا الشاب القادم من امريكا اللاتينية، واحدى مناطقها البعيدة عن الوطن العربي، حيث لم يكن هما من همومها ولا قضية من قضاياها ذات الاولوية قضية فلسطين، وبالتاكيد ما كان كارلوس ليعرف هذه القضية عندما كان صبيا، وتلميذا في المدارس كما يمكن ان يكون الحال مع اهل المنطقة العربية ، ممن التحقوا عندما اكتمل وعيهم بالقضية عن ايمان، حتى لو لم يكونوا من فلسطين نفسها، وانما من اقطار عربية، ترى في ضياع فلسطين ضياعا لقطعة من الوطن العربي، بينما كان كارلوس حالة مختلفة ، حالة انسان، ربما كان قد حصل على شيء من التعليم، وله المام بالثقافة العامة، فتهذبت اخلاقه، ولكن هذا التعليم وهذه الثقافة ، لا يستطيعان القضاء على جرثومة الاجرام الناغلة في دمه، كما لم يكن سهلا عليه ارتكاب الجريمة لوجه الجريمة، او يلتحق بالمافيا، كما يمكن لمن كان مولودا بهذه الجبلة الاجرامية، لانه كان يريد غطاء انسانيا ووطنيا، يبرر هذا الاجرام امام ذاته المثقفة، وكانت القضية الفلسطينة في ذلك الوقت، لها وجاهة ، ولها الق واشعاع ، ثم ان لديها موارد طائلة ، متمثلة في منظمة التحرير الفلسطينية وماكانت تملكه من اموال واتصالات واستثمارات، تعطيه فرصة السفر والتنقل على حسابها والاختفاء والظهور متى اتيح له ذلك، والحصول على الملجأ الآمن، بعد ان يرتكب جرائمه، والحياة في ترف وعز، والتعامل معه في اوطان عربية كثيرة باعتباره بطلا من ابطال الثورة الفلسطينية، بينما كان يرتكب جرائمه باسمها، لقد اطلق حالة رعب في باريس وزرع في احيائها عددا من القنابل، ليس لان للموضوع علاقة بالقضية ، ولكن لان صديقة او عشيقة وقعت في ايدي الفرنسيين، باعتبارها شريكة في ارتكاب احدى الجرائم، كما حدث ان ذهب، وهو في مدينة لندن، يطرق باب رجل متقدم في العمر، هو صاحب متجر ماركس و سبنسر، وعندما فتح له الرجل الباب، افرغ عددا من الرصاصات في راسه، بدم بارد، وباسلوب لا يقوم به الا مجرم عتيد، ولن ابحث هنا عن سجل هذا المتجر وصاحبه، ولا مبررات الجريمة ، فهي بالنسبة لكارلوس مجرد فرصة للتعبير عن ميوله الاجرامية ، يقوم بتنفيذها تحت غطاء الوطنية وخدمة الرسالة والنضال العالمي ، وفي هذا السياق ارتكب جريمة في فيينا ضد وزراء النفط العرب وقتل خبير ليبي بالمنظمة، في عملية عبثية اجرامية لا احد يعرف اسبابها ودوافعها وان كانت الاصابع تشير الى ضلوع العقيد الليبي الراحل في التكفل بمصاريفها، وحماية فاعليها.

وهو امر لا علاقة له باهل القضية، المناضلين الذين نعرف اهدافهم ونمجد تضحياتهم ونترحم على شهدائهم.

عندما يتحول الموت
الى هدف الانسان في الحياة
مفارقة من مفارقات الظاهرة الارهابية الناتجة عن التطرف الديني، ودخول العالم في حرب ضدها، هي تلك التي تبدو واضحة فيما يتواتر من اخبار عن الحجم الجسيم لخسائر التنظيم الداعشي، والفاقد اليومي في الارواح الذي يصل بالمئات، تحت قصف الغارات وما ترميه من حمولات مهولة من القذائف والنيران ، وما يموت تحت نيران الجيوش الارضية الزاحفة ضد الدواعش من جيوش الاكراد والصحوات والقبلية والجيش النظامي العراقي، حيث يسقط تحت قصف مدافعها المئات من قتلى الدواعش، يضافون الى قتل الغارات الدولية، ومع ذلك لا نلحظ هروبا من جيش الدواعش ولا انهيارا في قواتها ، مع انها تعتمد في كل مقاتليها على اناس جاءوا بارادتهم الحرة متطوعين للقتال في صفوفها، هذا جانب من المفارقة ، والجانب الاكبر هو ان الدولة الداعشية تستقط مزيدا من الانصار القادمين من تلقاء انفسهم ، ومن اقصى مناطق الارض، للتطوع في اقتحام هذا الجحيم الذي تعيشه قواتها، مقاتلين في صفوفها يتلقون هذه الاهوال القادمة من الارض والسماء ، وتنقل لنا نشرات الاخبار كل يوم عن دفعات يتم ضبطها في مطارات هيثرو واورلي وروما ، وغيرها ، ممن يريدون اختراق القوانين التي تحرم على مواطني هذه الدول الالتحاق بالدواعش، ويسعون رغم ذلك للوصول تسللا وتحاويلا وهروبا اليها، من اجناس مختلفة، عرب وعجم وشرق وغرب، ربما تجمعهم فقط عقيدة التطرف الاسلامي ، ومهما تعدد الاطروحات التي تتحدث عن الدوافع والاسباب الكامنة وراء ظاهرة التطرف ، وكيف جاء ومن اين جاء، والحاضنة الاجتماعية التي ينمو فيها وتلك التي تغذيه فان هناك حقيقة من حقائق التطرف والتوحش الاجرامي الناتج عن هذا التطرف، وهي حقيقة موجودة وتزداد تاكيدا ورسوخا وتتجلى كدافع من دوافع الالتحاق بهذا التنظيم هي الرغبة الاكيدة في الموت. وبتعبير اكثر وضوحا في هذا السياق، وهذه الحالة ، ان الموت قتلا ، وبهذا الشكل الشنيع الذي يحدث تحت قنابل النار، بدل ان يكون رادعا، صار في هذا الاطار، عامل اغراء وغواية ، ونقطة استقطاب وترغيب، في الالتحاق بداعش وليس الهروب منها، وهي مفارقة تحيلنا الى بيت شهير من ابيات الشاعر المتنبي يقول
كفى بك داء ان ترى الموت شافيا
وحسب المنايا ان يكن امانيا
والشاعر هنا يصف حالة من الحالات التي تمر بالبشر، وتجعل الانسان يصل الى اقصى مراحل اليأس والنقمة على الحياة ، وتفضيل الموت على ان يبقى عائشا فيها، بسب ازمة يصعب الخروج منها ، او انه واجه شرطا حياتيا انسانيا موغلا في بشاعته ومجلبا للالم والحزن الى حد يفقد معه الانسان شهية الحياة، فهل نستطيع ان نجد في بيت المتنبيء، الذي قاله منذ اكثر من الف عام، مدخلا لفهم حالة الانسان الداعشي التي تتصل بالحياة والموت؟
ويمكن في هذا السياق ان نرصد اربع حالا، لتفسير الاصرار العنيد على الموت ، الذي تميزت بها نفسية الانسان الداعشي:الحالة الاولى هي التي لابد ان شاعرا حكيما ، ومحاربا شجاعا، مثل ابي الطيب المتنبي، يتقصدها، وتأتي في سياق عام طالما اهم بوصفه، يتصل بمصائب الدهر وكوارثه ، والنوائب والفواجع التي عايشها بسبب ظروف عصره ومجتمعه والتي توجزها هذه الابيات الثلاثة
رماني الدهر بالارزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال
فصر اذا اصابتني سها م تكسر النصال على النصال
وهان فما ابالي بالرزايا لاني ما انتفعت بان ابالي
وعبارات اخرى وردت في قصائد اخرى مثل قوله ولكنني للنائبات حمول
وتصل هذه العبارات الى اقصى درجات اليأس والالم والاحباط، في هذا البيت الذي يصبح فيه طلب الموت امنية، من الاماني التي ينشدها القلب.

وربما في مثل هذا الاطار يمكن الحديث ايضا عن شظف العيش وظروف الظلم الاجتماعي والعوز والفاقة والمسغبة التي تدفع ضعاف النفوس الى البحث عن حل في الموت هروبا من كوارث الحياة.

الحالة الثانية ، ثقافية ، دوجمائية، سيطرت فيها على العقل افكار شاذه، شائهة ، وجدت سبيلا الى عقل هذا الانسان، عن احتقار الدين للحياة، واكبار الشهادة والموت في سبيل القضية، وتفضيل الاخرة على الدنيا، وهو تفكير عاطل باطل، اذا جاز مثله في فجر الاسلام وفي مواجهة المشركين ، الذين يحاربون النبي وصحبه، فهو هنا ياتي خارج زمانه ومكانه، وياتي وقد تعرض للتزييف والتشويه والعبث، من اجل استخدامه في اغراض دنيوية لا علاقة لها بالدين والايمان وانما بمختبرات التآمر وتزييف العقل في غرف المخابرات الدولية ، للتغرير بالشباب وودفعهم الي التهلكة.

الحالة الثالثة ، حالة مرضية ، هي ذاتها التي اوصلت آخرين في العالم ، الى الانتحار، وهي امراض نفسيه متعددة ، ينتج عنها ما يعرف في علم النفس بالميول الانتحارية، الا ان هذا الذي استقطبته داعش ، يحاول خداع نفسه ، والتغطية على مرضه ، ووضع نفسه في حقول الموت والهلاك ، وكأنه يلبي نداء من السماء، وليس نداء من عقله المريض، وذاته التي تطلب تدميرها، والعقد الانتحارية التي استحكمت في تفكيره وسلوكه.

الحالة الرابعة، واجد انها اكثر الحالات شيوعا في الظاهرة الارهابية الداعشية، تنبع هي الاخرى من معاناة مرضية ، ولكنها ليست مرض الكآبة، والشيزوفرينيا، والبارانويا، الدافعة في احيان كثيرة الى الانتحار، ولكن حالة اخرى مختلفة تمام الاختلاف، لا اسم لها غير “الميول الاجرامية” ، جبلة في النفس البشرية، بدأت لدى بني آدم منذ بدأ الخليفة متمثله في احد ابناءآدم ابو البشر ، هو قابيل قاتل اخيه هابيل. يخرج صاحبها الى الحياة منذ لحظات مولده حاملا لهذه الجرثومة، الناغلة في دمه ، وهي جرثومة قتلها العلماء بحثا ودرسا، دون قتلها حقا او القضاء عليها، تتحدي كل ما وصلت اليه الفتوحات العلمية في مجالات الطبيعة البشرية وعلم النفس وتحليل السلوك الانساني، وستعيش هذه الجرثومة ما كان هناك بشر فوق الارض، وقد استهدفت الدراسات عددا من السفاحين ممن يسمون في العالم الغربي serial killer

حيث لا تخلو فترة من الزمان من وجود مثله ، تقضى عليه الشرطة في النهاية ليظهر غيره، وتصل ضحايا مثل هذا المجرم بالسليقة والفطرة ، الى ستين وسبعين ضحية قبل القبض عليه، وهو لا يملك سببا ولا دافعا الا الشهية للقتل ، وهي شهية تطالب بالمزيد، وكلما كثر عدد الضحايا، زادت لديه هستيريا الاجرام وجنونه، وكان اخر هؤلاء السفاحين في لندن يختار ضحاياه من بنات الليل، لانه يسهل اصطيادهن والايقاع بهن وسحبهن الى مكان مظلم، غير مطروق من الناس، يوفر له الامان والهروب بعد ارتكاب جريمته.
صاحب هذا الميل الاجرامي، يعرف انه سيقع في النهاية، في يد العدالة، وسينال العقاب الذي يستحقه، ولكنه يسخر مهاراته الاجرامية في كسب الوقت ، لكي يتيح لنفسه قتل اكبر عدد من الضحايا.

ويبدو واضحا ان الداعشي المنتسب الى هذا الفصيل، من حاملي جرثومة الاجرام، هم الاكثر ، ويظهر ذلك من خلال التوحش الذي يمارسون به عملهم الارهابي، والتباهي الذي يتبدي في سلوكهم وهم يرتكبون جرائمهم ويذبحون ضحاياهم، وروح الاستعراض التي نراها بادية في افلامهم، وهم يقفون امام الكاميرا ، كانهم يؤدون عملا من اعمال الحب، وطقسا من طقوس العبادة ، لحظة نحرهم لانسان بريء، رجلا كان او امرأة.

وما يقدمه لهم تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، ليس فقط فرص اشباع الميل الاجرامي، وانما اكثر من ذلك ، وهو الغطاء المقدس لهذا الميل الاجرامي، فهو هنا يضفي على اجرامه، الذي يعرف قبحه وبشاعته وانه عمل ينتمي الى الدرك الادنى من الخسة والذناءة والسقوط الانساني، ثوبا من الاحترام الكاذب، ليس فقط امام العالم، وانما امام نفسه، فهو بانتمائه الى داعش ، يحارب احتقاره لنفسه الذي يتولد لديه بسبب تشوهاته وعاهاته النفسية، التي صنعت له ميله الاجرامي، بان يعطي لهذا الميل صفة كاذبه، هي انه يؤدي رسالة مقدسة، ويجد نفسه منخرطا في حرب مع الله، كما يمكن ان يوهم نفسه، وليس حربا يخوضها تحت راية ابليس عدو الله، كما هي الحقيقة.

الداعيشي من هذا النوع ، لا ياتي طالبا للموت، ولكن الموت يحدث هنا باعتباره ثمنا لابد ان يدفعه، لمتعة لا يستطيع ان يحيا دون ممارستها ، وهي قتل الاخرين.

خلق الله امريكا
في اوج توتر العلاقات بين العرب والولايات المتحدة الامريكية، كانت هناك على الدوام، دعاوى تطل على خجل، تطالب بضرورة ان يجد العرب سبيلا لانهاء حالة التوتر فليس عدلا في حق انفسهم وقضاياهم ان يضعوا امامهم وامام هذه القضايا عقبة كاداء لاسبيل الى تجاوزها هي امريكا ، وان التفاهم والملاينة والمرونة وسائط لا وجود لحل سواها، واعتقد انه المفكر القومي المعروف نديم البيطار، هو الذي اطلق صرخته في ذلك الوقت، وهو الرجل العربي الذي اختار امريكا موطنا له واستاذا في جامعتها يقول ، بانه ليس في يدي العرب اختيار طريق للتفاهم مع امريكا، وليس في مقدورهم ذلك. وانها هي التي اختارت ان تسد كل الطرق التي تقود الى اي امكانية للتفاهم معها، انها حالة ميئوس منها، حالة جعلها المفكر المعروف اقرب الى قدر سيزيف الذي لابد ان يحمل صخرته فوق كتفيه ويطلع بها الجبل وتسقط ليرفعها من جديد دون وجود حل في الافق للتحرر من هذه النقمة الامريكية كما جاء في كتابه الموسوم “هل يمكن الاحتكام الى امريكا” .

واعترف شخصيا انني اعود في بداية تكوين الوعي لدي الى مرحلة المد اليساري الذي كان يجعل من كراهية السياسة الامريكية عقيدة يؤمن بها، ومع ذلك كنت متحررا من سيطرة هذا الاتجاه ، اتعامل بفكر مفتوح مع معطيات الواقع السياسي والاقتصادي ، المحلي والدولي والاقليمي بدون افكار مسبقة واحكام جاهزة ، واعترف ايضا انني كنت استطيع ان اجد بوادر خير تقود الى امريكا، وومضات امل يمكن استغلالها للنفاذ الى الجزء الدافيء من مشاعرها، واعتقد ان الافق بدا اكثر انفتاحا، ربما بعد العدوان الثلاثي على مصر، وموقف ادارة ايزنهاور من هذا الاعتداء، الذي افشل العدوان، وجعل مصر تظهر على سطح الاحداث في صورة المنتصر، رغم الهزيمة العسكرية في سيناء، وادلهم الافق قليلا لا ادري لماذا ربما لاحتدام الصراع الشرقي الغربي واشتداد حلقاته في فترة من الفترات الامر الذي اقتضى ان يقوم نائب الرئيس امريكي بجولة في المنطقة لحشد التاييد قوبلت بالسخط والمظاهرات اواخر الخمسينيات، ومثل وصول جون كينيدي الى البيت الابيض مرحلة انفراج جديدة، وحصل نوع من المكاشفة، واعادة تقييم العلاقات عبر الرسائل التي تبادلها الرئيس عبد الناصر مع الرئيس كنيدي، وابدي فيها الرئيس الامريكي تفهما واستعدادا للتعاون، الا ان مقتله المفاجيء، اغلق تلك الكوة التي ظهرت في جدار العلاقات، وجاء بعده خليفته السيد ليندون جونسون يحمل تحيزاته وعنصريته التي انعكست على مجرى الاحداث، وشهد العرب في عهد هذا الرئيس اكبر هزيمة في تاريخهم المعاصر، وتحول افق العلاقات العربية الامريكية الى افق اسود يصعب اطلاقا ان تقدح فيه شرارة واحدة ، وحمل رحيل عبد الناصر بعض تغيير في المشهد، اذ جاء خليفته الرئيس السادات، يحمل شعار ان الاوراق كلها في يد امريكا، واستطاع بدهاء انتزاع نصر سريع خاطف استرد به بعض حقوق مصر ، وحصلت صيرورة سلمية صنعت انشقاقا في الصف العربي، ولم تكن المحصلة اي مردود ايجابي على العلاقات الامريكية العربية ، فقد ظلت الاجواء عاصفة، والسماء مليئة بالسحب السوداء صيفا وشتاء، واذا اردت ان اضع اصبعي على اكثر الفصول تعاسة وبؤسا في هذه العلاقات، وفي هذه الحقبة، وبشكل يماثل في اجرامه، الموقف الامريكي المعادي والظالم للقضية الفلسطينية ، فهو ذلك الفصل، عندما ارادت امريكا ان تستنفر قوتها كاملة لحسم الصراع مع الكتلة الشرقية لصالحها، وهنا لعبت لعبا خطيرا، ان لم نقل اجراميا، بعامل الدين، وايقظت براكين الدين الاسلامي وحممه، فتحرك زلزال الملالي في ايران، وتحرك زلزال طالبان بالتحالف مع القاعدة وقوى الاسلام المتطرف في افغانستان، وترددت الاصداء ارهابا اسود في افريقيا واسيا والجزيرة والشرق الاوسط ثم وصلت الاصداء الى اوروبا والى امريكا اللاثنية ثم الى قلب العالم الجديد، كان هذا اللعب بالدين وتحريكه في اغراض سياسية، وصراع من اجل النفوذ والهيمنة على العالم اجراما في حق ديننا، وفي حق شعوبنا، ومضينا ندفع الثمن امس واليوم وغدا.

هنا مرحلة يصعب تجاوزها ، كما يصعب علاجها، ان لم تخلص النوايا، وتلتقي الاهداف وتتوحد الخطط ، فلن ينفع ان ترسم امريكا خطة تسميها الحرب على الارهاب، ثم تتحول حربها الى ارهاب على شعوب، وعلى قيم وعلى مناطق من العالم لا تتفق واسلوبها في الحياة. يجب ان ينبع تصحيح الاخطاء الفادحة التي ارتكبتها امريكا من شراكة حقيقية مع شركائها في العالم، في امنه وسلامه وازدهاره، لا فرض ارادة وتمرير خطة، ترسمها في غرف مغلقة، في اجهزتها السرية الامنية والعسكرية .

هل اقول ان وصول الرئيس باراك اوباما الى البيت الابيض، مثل لحظة امل ، نعم ، وقد تعزز هذا الامل بخطاب مداهن تميز به الرجل، وفصاحة في التعبير والكلام، جعلت الاذان تجيد الاصغاء لما يقول، وتعتقد ان شيئا جديدا سوف ياتي في ركابه ، لقد جعل التغيير شعار حملته الانتخابية، فهل هو تغيير حقيقي، يلحق السياسة الخارجية والداخلية، ويصل الى تقديم تعديل واصلاح على ما تهدم من علاقات عربية امريكية ، كان هذا هو الامل ، ولكن ربيع الثورات العربية جاء ، ليسهم في الخداع قليلا عندما راينا اوباما يجزم حاله بعد تردد قليل على تاييد ثورات الربيع ، ولكنه للاسف الشديد تاييد مشروط ، تاييد لا يذهب مع الثورات الى خواتيمها السعيدة، ولكنه يريد ان يقطفها قبل الاوان لحسابه، ورايناه بسرعة يعمل بجد واجتهاد لعملية احلال صنائعه، مكان القديم، ليضع طغاته هو مكان طغاة لفظهم الشعب. وهاهوينهي ولايته بحصاد الخيبة والاسى والاسف ويسلمها الى رجل يهب ساخنا وباردا حتى لا تكاد تعرف له اتجاها، ولا تعرف ان كان خيرا اوشرا وما علينا سوى الانتظار.

لا تعليقات

اترك رد