أوطان بلا مــــُواطنة


 

أصبح ثابتا الآن إخفاق دولة المواطنة الجامعة في مجمل البلدان العربية وإن كان بنسب متفاوتة . والغالب في التحليل عند مفكرينا ، هو النزوع إلى اعتبار الدين والطائفية السببين المباشرين لذلك التفكك والتشرذم انطلاقا من تجربة بعض البلدان التي عمّتها تلك الصراعات سواء كانت عفوية أو مدعومة من الخارج كتجربة سوريا أو العراق أو لبنان واليمن . ولكن لا يعدو هذا أن يكون وجهاواحدا للواقع رغم أنه صائب . ذلك أنه حتى بالنسبة إلى بقية البلدان التي لم تغرق في الدماء ،اتضح أن المواطنة غائبة أو تكاد ، وإن اتخذت بعدا أقل حدة في شكل صراعات جهويّة ومناطقية، أو طبقية ، أو عشائرية . وقد كانت بعض الهزات الاجتماعية الحاصلة كافية لتثبت ذلك الخواءالداخلي .

ورغم أن مفهوم المواطنة قديم منذ العصر اليوناني وتشكل تباعا مع مختلف الفلسفات ومع علم الاجتماع إلا أن المفهوم الشائع في أدبياتنا مازال يغلب عليه استعمال المواطنة والوطنية في نفس المعنى ولذلك مازال يعتريه ذلك البعد العاطفي خاصة في كتابة غير المختصين ، حتى لًــيَكادُ يختزل في قصائد الشعر ، وأناشيد أطفال المدارس ، والتغني بالأوطان … ولكن رغم ما لذلك منقيمة وجدانية وهو بالفعل أحد أبعاد المواطنة ، إلا أنه لا يصلح لتأسيس مفهوم ناجع وجامع.

أعرج في أول ملاحظة إلى أن المواطنة لا تستقيم إلا في إطار دولة وفي غياب ذلك الإطار لا يجوز الحديث عنها لذلك فللمواطنة بعدان : ما يتوجب على الدولة تجاه الفرد وهو ما يصطلح عليه بالحقوق ، وما يتوجب على الفرد تجاه الدولة وهو ما يصطلح عليه بالواجبات . فالدولة ملزمة بتقديم خدمات للفرد والفرد ملزم بتقديم خدمات للدولة ومن خلال ذلك التعالق ،يتشكل ذلك النسيج العاطفي المسمىّ وطنية والذي يجعل المواطن مستعدا للذود عن وطنه وخدمته بتفان ٍ وتقديم العون ما أمكن لمواطنيه ، والتعبير عن اللحمة الاجتماعية …وتداخُلُ الحق والواجب مع تلك اللحمة الوجدانية اللاحمة ، يشكلان أسسا لا غنى عنها . ولذلك عندما نفكر في تثبيت هذا المفهوم على الأرض ينبغي وجوبا أن نعرض إلى وجهين وجهه الأول هو التشريعي وهو ما تنصّ عليه الدساتير والذي يقتضي تأسيس دولة العدالة والمساواة ليشعر الجميع بتكافؤ الفرص في الانتماء إلى نفس الأرض بلا محاباة ولا تحامل مهما كان دينهم أو طائفتهم أو عرقهم أو طبقتهم ، وأن تــــُفعّل تلك الحقوق والدساتير ، إذ لا يمكن لمواطن تصفعه القوانين بعنصريتها أن يحسّ بالانتماء ، ولا يمكن لمن يتسوّل داخل وطنه أن يشعر أنه هو وابن الطبقة الثرية أخًوان في الوطن ولا يمكن لمن يُقصى عن مواقع القرار بسبب دينه أو طائفته أن يستشعر تلك المساواة المنشودة وبالتالي الشعور بالانتماء إلى وطن لا يحابي ولا يظلم . في المقابل ، عندما يشعر الفرد أنه ينال حقوقه كاملة وهي حقوق تطوّرت مع التاريخ وأصبحت تصنف إلى ثلاثة أجيال كحق الشغل والسكن وحرية المعتقد والدين والحرمة النفسية والجسدية وحق تقرير المصير … عندما يستشعر الفرد ذلك تقوى رابطته بتلك الرقعة الجغرافية فيقوم بواجباته طوعا لا كرها . هذا الثالوث : الحق والواجب ، والنسيج العاطفي اللاّحم ليس موضع خلاف مهما تشعبت النظريات التي تبحث في المواطنة، وتفرعت مداخلها. أما الوجه الثاني لتكريس المواطنة فهو إجرائي ويمكن من خلاله أن نقول أن المواطنة صناعة ولها أدواتها لأن أدوات تطبيقها تختلف من دولة إلى دولة وحسب درجة التطور التي بلغتها الدولة ، فالمجتمعات القبلية والعشائرية من أصعب المجتمعات قابلية لتأسيس المواطنة ، وقد ذكر ماركس ذلك في أدبياته ، بل أن الأمريكي كافن رايلي الذي درس تاريخ القبائل عبر التاريخ انتهى إلى أن مفهوم القبلية يلغي الدولة وجوبا وأنهما لا يمكن أن يتعايشا أصلا فالقبيلة أوالعشيرة في منظوره هي الشكل المضاد والعقبة الأساسية تجاه تأسيس المواطنة. لذلك فإنه في المجتمعات التي مازالت ترزح تحت هيمنة العشائرية والقبلية بشكل خاص، يمكنها أن تعوّل على أدوات لبناء المواطنة الجامعة منها تفتيت الانتماءات العشائرية لتحلّ بدلا عنها انتماءات أخرى جامعة ، فالعمل النقابي مثلا ، يخلق لحمة بين الشّغيلين غير لحمة الدم التي تخلقها العشائرية ، والعمل الجمعياّتي مهما كان موضوعه ، يخلق روابط جامعة على أساس قضيةٍ ما يصبح فيها شريكك في الوطن هو من يشاركك همومك مهما كان انتماؤه الديني أو الطائفي أو الطبقي … وكلما كثرت هذه التنظيمات ، تخلـــّقت روابط أخرى بين الناس غير تلك الروابط التقليدية التي تقوم عليها القبيلة والعشيرة . بل إن من أدوات تكريس دولة للمواطنة الجامعة أيضا ما ذهبت إليه بعض النظريات الاجتماعية وهو التحفيز على السّكنى في المدن ، ورغم أن ذلك قد يكون إنهاكا للزراعة في بعض وجوهه ، إلا أنه يصلح لتفتيت العشائرية وإحلال الأسرة النواة { الأب / الأم / الأبناء } بدل الأسرة الممتدة أو العشيرة..و هذا الإجراء اقتضته الطبيعة العشائرية في بعض البلدان والتي كانت العشيرة فيها أداة مقاومة للدولة وللانصياع إلى قوانينها مِمّا يربك أي عملية اندماج وطني . غير أن هذا لا يعني أن العشائرية شر محض وأنه ينبغي تفتيتها وجوبا وفي كل الحالات ، فهي مثلا أداة مقاومة للوافد الخارجي وللغازي وقد تجلى ذلك جليا في حركات التحرر من الاستعمار ، وهي أيضا نظام تكافل اجتماعي يُعوّل عليه لما بين أفرادها من لحمة وتضامن ، وقد تعوّل عليها الدولة نفسها أحيانا لأنها تخفف عن الدولة أعباءها عن طريق ما يؤدّيه أفراد العشيرة لبعضهم البعض من خدمات كالإعانة على تكاليف العلاج والدراسة والزواج … ولكن متى تضخّمت العشيرة وانغلقت على نفسها ، تحولت إلى كيان مواز للدولة وعرقلت مفهوم المواطنة وهو ما يستدعي تفكيكها أحيانا وتشجيع أفرادها على سكن المدن وهو ما يصلح لعشائر دون أخرى حسب قابلية العشيرة للتأقلم مع قوانين الدولة من عدمه .

ذلك أن الحياة المدنية أنجح في خلق روح المواطنة الجامعة باعتبارها ترتكز على أسر صغيرة تبحث عن ولاءات غير الولاء للعشيرة لأنّ الفرد المعزول عن عشيرته والباحث عن الانتماء بحكم الرغبة الفطرية في الاجتماع ، يبحث عن روابط انتماء ضرورة فتكون في المدينة غير رابطة الدم ، على عكس مجتمعات الأرياف والبوادي التي تكفيها العشيرة ورابطة الدم عناء ذلك البحث. ومن أدواتبناء المواطنة أيضا ، ربط الأواصر الوجدانية بين المواطن وكل رقعة في الوطن ، ولذلك تتعمد بعض البلدان أن تجعل التعيينات في الوظائف بالنسبة إلى موظفي الدولة ، لا تتم وجوبا في المكان حيث يقطنون ، وإنما في أمكنة أبعد قصد إحلال الوطن بدل الموطِن وتقوية الروابط مع كل شبر في الأرض … مع العلم أن مفهوم الانتماء إلى الوطن شماله وجنوبه ، شرقه وغربه ، لن يتم فقط بانتقال مواطن للعمل من منطقة إلى أخرى ، فذلك أمر شكليّ لن يخلق أي رابطة انتماء إن لم تصحبه توعية وتثقيف ليدرك أن ذلك البلد بكل ما فيه بلده ، وذلك البحر بحره وتلك الجبال جباله … وفي غياب ذلك الإدراك لن يحصل المرجوّ من الانتقال .

وقد يقول قائل أن هذه الأدوات وغيرها جُرّبت ولم تنفع أو جُرّبت ولم تنفع كما ينبغي ، ذلك صحيح ويتفاوت من بلد إلى آخر ، ففي تونس مثلا المجتمع المدني ناشط جدا إذ توجد مثلا 18143 جمعية في مختلف المجالات حسب مركز إفادة في إحصائيات سبتمبر 2015 هذا في بلد يقل عدد سكانه عن 11 مليونا . ويوجد تمثيل نقابي لكل الشرائح المهنية ومنها نقابة الأمن وهي سابقة في البلدان العربية ويوجد غياب للعشائرية في المدن الكبرى ، ومع ذلك الجهوية كامنة ، تفصح عن نفسها بين الحين والأخر والطبقية على أشدّها والفقر في بعض المناطق على أشدّه ، والعنصرية تطل برأسها أحيانا في أخبار صادمة حتى لو كانت حكرا على أفراد موتورين ومرضى يستهدفون الأقليات السوداء في تونس،وحتى مسار التشغيل في كل جهات الوطن لم يلق دائما الترحيب الكافي وأعرض في هذا السياق إلى مثل مؤسف عرفناه في تونس قريبا عندما رفضت فئة من الأطباء الانتقال إلى العمل في المدن الداخلية التي لا تحظى بنفس النمط الاجتماعي والخدمات التي تحظى بها نظيراتها في المدن الكبرى.هذا مع التذكير أن تونس متقدمة قياسا للكثير من البلدان العربية في التعويل على المجتمع المدني الناشط وهي من أفضل النماذح في تخطي العشائرية.

و لا يعني هذا أن الروح الوطنية غائبة تماما في هذه البلدان، فمازال الجنود يحرسون الحدود معرّضين صدورهم للرصاص مقابل أجور زهيدة ، وما زالت المبادرات الخيّرة من بعض الجمعيات وحتى الأفراد تمدّ يدا وترأب الصدع ، وما زال المواطن البسيط المحروم من كل حقوقه يدافع بشراسة عن وطن لم يقدم له حتى العيش الكفاف .. لكن كل هذا لا يكفي ولا يُعوّل عليه لأنه في غياب منح الحقوق كاملة لا يمكن أن ننتظر أداء الواجبات كاملة . فليس من الوطنية أن تكون الشوارع مكبات فضلات ، ولا من الوطنية الفساد والإفساد ، ولا من الوطنية أن تمارس العنصرية من الأفراد تجاه بعضهم البعض على ألف خلفية ، ولا من الوطنية إهدار الوقت العام ، ولا المال العام ..لا مواطنة كاملة دون ذلك ودون مؤسسات قوية وثابتة تحمي ذلك ولا تتركه رهين أهواء السلطة ورغباتها.

ولا أزعم أن ما سطرته يمثل مقاربة دقيقة جدا للمواطنة بقدر ما هو محاولة في البحث عن إكراهاتها ومخرجاتها ونحن اليوم ليست أولويتنا تشخيص المشاكل فذلك في مقدور الجميع ولكنأولويتنا البحث عن مخرجات وهو ما يشرّع للسؤال ، هل تحمل بلداننا اليوم مشروعا جادا لتجعل الانتماء إلى الوطن مفهوما جامعا ؟؟؟

2 تعليقات

  1. اعتقد وبكل تقدير واحترام انك غطيت الموضوع من كل جوانبه ولذلك سيكون نعليقي هو اجابة مختصرة للسؤال المطروح في نهاية المقال واعتبره هو خلاصة ما يجب ان نتوصل اليه بعد عرض الموضوع، النقطة الاساس في بناء الدول واكتمال مؤسساتها ونضج ادائها وفق المعايير التي تؤسس للمواطنة والوطنية هو الاستقرار، اذ مع وجود التهديدات سواء الامنية داخليا وخارجيا او السياسية المتمثلة بتناحر الفئات المتسلطة او الحاكمة او التهديدات الاقتصادية المتمثلة بالبطالة وقلة الموارد وما يصاحبها من انخفاض دخل الفرد قياسا الى القدرة المعاشية او قلة الناتج القومي وايضا الاستقرار الاجتماعي المتمثل بضعف قوة القانون واستفحال التمييز والفوارق والمحسوبية والانقسام الطبقي، مع وجود كل تلك التهديدات لايمكن للمجتمع بشقيه الحكومي المؤسسي او الشعبي من التوجه لبناء دولة ومن ثم اكتمال شروطها الوطنية لتحقيق دولة المواطنة، وبمراجعة بسيطة للتاريخ القريب، فان كل الدول العربية التي نشدت الاستقلال وتحقق لها ذلك لم تتمكن من استكمال دولة المواطنة الا من جهة واحدة وهي الجهة العاطفية، وهي ناحية طبيعية لدى الفرد في كل مكان في العالم ولذلك في مصر مثلا، هب الناس لترجو عبد الناصر العدول عن قرار استقالته مع انهم لم يعيشوا الرفاهية ولا كانت مصر في ذلك الزمان دولة ناضجة ومتكاملة في مسالة الحقوق والواجبات، والسؤال هنا هل كان عبد الناصر لايطمح لتحقيق تلك الدولة؟.. هل كان صدام حسين لايطمح لتحقيق تلك الصورة لجمهوريته؟.. وكذلك مع القذافي ومع الاسد الاب قبل الابن، قد يكون من المنصف الاجابة في انهم لم يتمكنوا من رؤية الطريق الصحيح لذلك ولكن ايضا من الواقعي الموضوعي ان التهديدات التي كانوا يواجهونها لم تعطهم الفرصة لتحقيق احلامهم واستكمال مشروعهم، والمثال المقارب وهو افتراضي، لنتصور ان الروس او الاميركان او الانكليز يتعرضون الى تهديدات خارجية كالحرب مثلا: هل نعتقد ان الحياة هناك ستسير بنفس الوتيرة التي هي عليها الان؟.. بالتاكيد لا، ستتاثر كل جوانب الحياة بما فيها الخدمية الاساسية، الجانب الاخر من السؤال هو ما يتعلق بكلمة ( دولنا) التي وردت في السؤال: اذا كان المقصود دول العرب فاعتقد ان تلك صورة مشوشة، فالعرب اليوم مقسمين الى مجاميع وفق خصائص بعضها اني وبعضها قائم كاسس للحكم، في العراق وسوريا وليبيا واليمن، الصورة قاتمة ولايمكن تخيل المستقبل القريب لها، وهي حاليا ليست دول وانما دول داخل دول ولذلك لايمكن الحديث عنها كامكانية لقيام دولة المواطنة في الاقل في المستقبل المنظور، دول الخليج قائمة وفق اسس عشائرية وتعيش وضعا اجتماعيا اساسه التمييز ولذلك ايضا لايمكن الحديث عن دولة العدل والمساواة فيها، مصر لحالها وفق ما تعيشه من تهديد اقتصادي وامني يجعلها في وضع قلق لايمكن معه استكمال شروط العدالة والمساواة وتقديم الواجبات ولكن من الممكن للدولة المطالبة بالحقوق، هناك فرصة في المغرب العربي لاعتبارات تتعلق بطول فترة الاستقرار وقرب التماس مع الجانب الاوروبي لكي يكون نموذجا جيدا ووممكنا اذا ما تمت معالجة مشكلة الامازيغ وتحقيق شكل للمواطنة قائم على العدل والمساوة.. لكل ما تقدم فان مسالة المواطنة في دولنا العربية تبقى استحقاقات العاطفة اولا واستحقاقات الدولة من المواطن وليس علاقة تبادلية قائمة على الحقوق والواجبات.. تبقى نقطة واحدة وهي هل علينا ان نفقد الامل؟.. انا اتفق مع الاستاذ فائز السعدون ومع الاستاذ عبد الله العبادي ايضا، في ان ما نعيشه كعرب ليس تجربة فريدة، فقد سبقتنا الى هذا الوضع وهذه المآسي امم اخرى في الشرق والغرب، ومثلما نهضوا وتمكنوا مما هم فيه الان فاننا ايضا قادرين، قد تبدو الافاق مغلقة الان ولكن هناك عبر مسيرة الشعوب ما يمكن ان يشكل قفزة غير متوقعة للتغيير واثبات الذات.. تحياتي لقلمك الجميل وفكرك الوهاج اختي العزيزة صالحة حيوني..

  2. بحث قيم ، خاصة بتضمينه عدة طرق لمعالجة غياب روح المواطنة بعد تشخيص مسببات هذ الغياب ..وبالفعل كيف تسمو روح المواطنة عند المواطن البسيط وهو يعيش شظف العيش في وقت تتنعم الاسر الحاكمة وعوائلها واقاربها وحاشياتها بارقى ملذات الحياة وهي غارقة في الفساد وتبديد الثروات ونهب المال العام . يقول الامام علي عليه السلام / الفقر في الوطن غربة … والغنى في الغربة وطن / .

اترك رد