محاولة اغتيال مستقبل العراق السياسي الحديث

 

الذكرى الـ 53 لانقلاب 8 شباط 1963 المشؤوم

تحل الذكرىالثالثة و الخمسون للانقلاب الدموي الأسود والعراق لم تندمل جراحه جراء هذا االمنعطف الخطير الذي أدخل العراق في نفق مظلم وحرف مساره التاريخي كبلد حضاري عريق يعّول على دوره الريادي وأفقه السياسي مسار منطقة الشرق الأوسط برمتها.

انقلاب 8 شباط 1963 لا يتلخص بمصرع الزعيم الوطني البطل عبد الكريم قاسم وكوكبة الشهداء الوطنيين التاريخيين الأبرار، وإنما يتخطاه لما هو أبعد بكثير من تلك الجرائم المروعة التي تم إرتكابها بحق الألاف من المواطنين العراقيين الأبرياء، إذا لم نقل بحق غالبية الشعب العراقي واقع الأمر. كون ان هذا الانقلاب المشؤوم ضرب القاعدة الرئيسة لآفاق تطور التجربة السياسية الثورية في العراق الجديد، عراق ما بعد الحكم الملكي المقوض والتابع سياسيا والمنقرض حضاريا والعاجز عن مواكبة العصر الحديث بتطوراته السريعة والمتلاحقة.

الصدى- انقلاب شباط الاسودمن هنا يجب التأكيد منذ البدء بأن الهدف الرئيس لهذا الانقلاب هو هدف إستعماري رجعي كبير يدخل ضمن نطاق الحرب الباردة وأجندتها الخطيرة العلنية منها والسرية، بين القطبين الجبارين الولايات المتحدة الأمريكية ومن جر جرها من الأذناب، والأتحاد السوفيتي بمنظومته الأشتراكية التي أحتلت رسميا خمس مساحة العالم جغرافيا وبشريا آنذاك، عدا عن الحركات الأشتراكية والأحزاب الشيوعية المنتشرة في جميع أصقاع الكرة الأرضية.

الهدف هو تدمير العراق عن طريق تدمير ثورته التقدمية الواعدة بالمنجزات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمس الشعب العراقي في الصميم ، ثورة 14 تموز 1958. تدمير العراق كبلدٍ هام يؤثر فعله السياسي وثقله العسكري والاقتصادي والشعبي والحضاري على جميع منطقة الشرق الأوسط، خصوصا منطقة الخليج العربي، والقضية الفلسطينية و “دولة إسرائيل” الحديثة العهد ومستقبلها الغامض آنذاك، وبالتالي تأثيره الاقتصادي كدولة بترولية ضخمة على النطاق العالمي.

تلك هي المنطلقات الأساسية والرئيسة للحركة الانقلابية وللانقلابيين في 8 شباط 1963 من العملاء الرسميين لأجهزة مخابرات الولايات المتحدة الأمريكية، ومن المغرر بهم من الشّبان العراقيين الذين ملأ الحقد الدعائي الغربي والعربي الرجعي قلوبهم على الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم، ظنا منهم خطأ أنه “شيوعي”، لأنه كان شخصا وطنيا مخلصا لمبادئه وحبه للشعب والوطن. وكأن المواطن الذي يحب وطنه ويغار عليه ويضحي من أجله بالنفس والنفيس هو “شيوعي”. بهذا الشكل يبعث هذا التصور عن الزعيم عبد الكريم قاسم على الفخر والأعتزاز الشخصي والوطني بالنسبة للشيوعيين العراقيين، ولا يًعد سبة كما أراد تصويره البعثيون سابقا والطائفيون لاحقا.

يكاد يجمع المراقبون والمحللون السياسيون المحايدون أن الانقلاب الدموي الذي حدث في العراق يوم 8 شباط 1963 هو عبارة عن مجزرة حقيقية فاقت التوقعات بوحشيتها. الهدف منها وأد ثورة 14 تموز 1958 وقبر منجزاتها الكبيرة على أرض الواقع، ومن ثم تعطيل التجربة السياسية الحديثة للثورة وخنق منافذ تطورها وآفاقها الرحبة، بالتالي تشويه الحياة السياسية العراقية لآجال مفتوحة المدى، وهذا ما تشهده الساحة السياسية الراهنة من تشوهات وتورمات واحتقانات ونعرات طائفية وصراعات على المكاسب الشخصانية على حساب مصالح الوطن العليا، وجميعها من مخلفات النظام الدكتاتوري البائد الذي أفرزه انقلاب 8 شباط 1963 الأسود.

سوف نورد في هذا السياق بعض المقتطفات الهامة التي أرخت هذا الحدث السياسي الكبير والخطير في العراق من قبل أكثر المؤرخين الأكاديميين حيادية وموضوعية، الدكتور الجليل “حنا بطاطو” من كتابه التاريخي الشهير (العراق). وعذرا للقارئ الكريم عن هذه المقتطفات، لكننا نوردها لأهميتها السياسية في عراق اليوم والتي تكشف عن النُدب الغائرة التي خلفها انقلاب 8 شباط الدموي في روح العراقيين وجسد وطنهم المثخن الجراح حتى اليوم الحاضر. كأننا نعيش هذه الأيام من القرن الواحد والعشرين ذات الملامح المرعبة التي طبع بصماتها الإرهابية ذلك الانقلاب الفاشستي البغيض قبل أكثر من نصف قرن.

جاء في كتاب (العراق) لحنا بطاطو تحت فصل بعنوان “أكثر السنوات مرارة”:

{بدأت أيام شباط “فبراير” المأساوية ـ الثامن والتاسع والعاشر منه ـ التي شهدت الصدامات الرهيبة بين جزء كامل من العراقيين وجزء آخر، باغتيال القائد الشيوعي للقوات الجوية الزعيم جلال الأوقاتي. وكان قد قاد سيارته، يرافقه أبنه الصغير، إلى محل لبيع الحلويات قرب منزله. وما إن نزل من السيارة حتى توقفت مركبة آلية أخرج ركابها مسدساتهم وأطلقوا النار عليه. وأصيب الأوقاتي في كتفه وحاول أن يهرب ليختبئ، ولكنه أصيب ثانية في الرأس وسقط على الرصيف. وأسرع المهاجمون بالهرب واختفوا. ولم يخرق صمت الشارع إلا صراخ الطفل: “بابا.. بابا”. كان الوقت بعد الثامنة والنصف بقليل من صباح الثامن من شباط “فبراير” الموافق الرابع عشر من رمضان. ولم تكن بغداد قد استيقظت تماما بعد، ولكنه كان لها أن تشعر بندوب المعركة الميدانية خلال ساعات قليلة}.*1

قادة انقلاب 8 شباط المشؤوم الذين دمروا العراق الحديث
قادة انقلاب 8 شباط المشؤوم الذين دمروا العراق الحديث

تلك هي البداية الدموية الآثمة فقط، وما جرى بعد ذلك من إستباحة شاملة لدماء العراقيين كانت مدفوعة الثمن من قبل جهاز المخابرات المركزية الأمريكية كما سنوضح ذلك من المصادر التاريخية بعد قليل.

في الواقع، وفي هذه العِجالة، لم أفتح الملفات القديمة لضيق الوقت على الذكرى الثالثة والخمسين للانقلاب المشؤوم من جهة، ومن جهة اخرى أدعو القارئ الكريم إلى مراجعتها بنفسه عند الإشارة إليها. وهي أولا وأخيرا مصادر كتبها البعثيون أنفسهم، وفيهم من شارك شخصيا بهذا الانقلاب المدفوع الأجر أمريكيا وبمساعدة لوجستية من الرجعيات العربية، وتلطخت أيدهم بالدماء العراقية البريئة، لكن فيما كتبوه من مذكرات، ولو أنها جاءت “متأخرة” كثيرا كإعلان عن حالة من “الندم” أو طلب “المغفرة” من الوطن ومن الشعب العراقي، وهذا حق تمنحه الأخلاق الكريمة والأعراف العشائرية عند الضرورة، وأحيانا يمنحه القانون في حالات معينة تتطلبها الظروف المواكبة للحدث وقطع الطرق على تطورها غير المحمود. وأحيل القارئ الكريم إلى قراءة الشهادة الهامة التي كتبها القيادي البعثي البارز في تلك الحقبة “هاني الفكيكي” المتوفى في لندن تحت عنوان (أوكار الهزيمة)*2 بتقديم الصحفي والمحلل والمفكر اللبناني المعروف حازم صاغية. وكذلك شهادة البعثي القيادي ووزير خارجية الانقلاب “طالب الشبيب” توفى في لندن كذلك، بتقديم وتعليق وأخراج المرحوم د. علي كريم سعيد “عراق 8 شباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم ـ مراجعات في ذاكرة طالب الشبيب”. أدعو القارئ المهتم والباحث عن المزيد من الملامح الواقعية لتلك الحقبة السياسية التاريخية الكارثية المؤلمة التي صبغت العراق بلون الدم، بأقلام بعثية لم تتخل عن ماضيها، لكنها كشفت الأخطاء الفادحة التي واكبت تجربتها السياسية التي أدت إلى ما ادت إليه من عواقب وخيمة على مجمل التاريخ السياسي المعاصر للعراق الحديث. خصوصا حقبة الدكتاتورية الصدامية التي ضّيعت مستقبل العراق واجلت تطوره الطبيعي كباقي الدول المجاورة والشعوب الحرة في العالم والأمم المختلفة عدة عقود، وصولا إلى وضع العراقيل بعجلة تقدمه حاليا بشتى الأساليب الدموية والسياسية المعتمدة على أجندة خارجية لا يفوت رصدها وتشخيصها من قبل الشعب العراقي الواعي.

أكدت هاتان الشهادتان على وجه الخصوص على خصال الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم ومحاولة الأعتراف به كقائد عسكري وطني لم يساوم على العراق وكرامته وهو تحت تهديد الموت الذي لم يمهله طويلا. وأعترف كليهما، وغيرهم الكثير، بمحاولة “رفيقه” اللدود عبد السلام عارف إنتزاع شهادة من الزعيم عبد الكريم قاسم بأولوية عبد السلام عارف في دور الريادة في ثورة 14 تموز 1958 ورفض الزعيم تقديم هذا الأعتراف المزور للتاريخ والأحداث. وأكدت الشهادتان على الطابع البطولي لشخصية الزعيم وعدم تهيبه من الموت ورفضه وضع غطاءً على رأسه عند تنفيذ إعدامه، وذكر احدهما: “إن الزعيم عبد الكريم قاسم جلس على الكرسي أمام فوهات البنادق والمسدسات كما يجلس لأخذ صورة فوتوغرافية أمام مصور في الأستوديو” وحقا ظلت تلك الصورة البطولية هي الصورة المطبوعة بذاكرة الشعب العراقي أكثر من تلك الصور التي زورت وعبثت بالتاريخ السياسي العراقي.

الزعيم عبد الكريم قاسم بعد نجاته من محاولة الأغتيال الآثمة بغدر حزب البعث 1959
الزعيم عبد الكريم قاسم بعد نجاته من محاولة الأغتيال الآثمة بغدر حزب البعث 1959

نعود إلى كتاب (العراق) الذي يؤرخ تلك المرحلة السوداء من تاريخ العراق السياسي الحديث فيقول:

{تم اعتقال قاسم عند الساعة 12:30 ـ في 9 شباط ـ بعد قتال شرس في مبنى وزارة الدفاع وقاعة محكمة الشعب ـ وكان معه المهداوي وطه الشيخ أحمد ومساعد صغير. وبعد مواجهة قصيرة مع أعضاء مجلس قيادة الثورة حاول عارف خلالها، دون جدوى، الحصول منه على اعتراف بانه هو وحده ـ أي عارف نفسه ـ خطط لثورة 14 تموز، أجريت لقاسم ورفاقه محاكمة ميدانية عسكرية وحكم عليه بالإعدام بإطلاق النار عليه من قبل فرقة إعدام. وتم تنفيذ الحكم عند الساعة 13:30 }*2 

ويسرد كتاب (العراق) وقائع وافية عن المعارك التي جرت بين الانقلابيين وقوات الزعيم عبد الكريم قاسم، ومن ثم المعارك والمناوشات التي وقعت بعموم مناطق بغداد والعراق، وهي تلك المناطق التي تقطنها غالبية فقيرة من الشعب كمدينة الثورة والشاكرية والكريمات والشواكة وعكد الأكراد التي تُعتبر مناطق نفوذ للحزب الشيوعي العراقي وقاومت تلك المناطق، وأعضاء الحزب الشيوعي مقاومة باسلة راح جراءها ما يربو على 5000 آلاف شهيد في غضون يومين.

الزعيم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف.. الرفاق الألداء
الزعيم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف.. الرفاق الألداء

ونعود لنستعير المقطع التالي من كتاب (العراق) لتبيان دموية وعمالة الانقلاب والانقلابيون للمخابرات المركزية الأمريكية وبعض الرجعيات العربية:

{..وعوملت المناطق التي وقفت في وجههم ـ الانقلابيون ـ وكأنها بلد عدو. وانتشرت قوات الحرس القومي ووحدات من القوات المسلحة تمّشط البيوت وأكواخ الطين في هذه المناطق. جرى إعدام كل شيوعي ـ حقيقي أو مفترض ـ لإبدائه أقل مقاومة أو لمجرد الأشتباه بنيته في المقاومة. وأرهق عدد الذين اعتقلوا بهذه الطريقة السجون الموجودة فتم تحويل النوادي الرياضية ودور السينما والمساكن الخاصة وقصر النهاية، وحتى جزء من شارع الكفاح في الأيام الأولى، إلى معسكرات اعتقال. وكانت الاعتقالات تنفذ بموجب قوائم موضوعة سابقا. ولا يمكن تجنب الخطأ في تقدير المصدر الذي جاءت منه هذه القوائم أو من هو الذي صاغها، لكن هنالك ما أكده الملك الأردني حسين بعد سبعة أشهر في حديث شخصي منفرد مع محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير “الأهرام” جرى في فندق “كريون” في باريس، ويستحق الإيراد هنا ـ والقول للمؤلف ـ :

“تقول لي إن الاستخبارات الأمريكية كانت وراء الأحداث التي جرت في الأردن عام 1957. أسمح لي أن أقول لك إن ما جرى في العراق في 8 شباط 1963 قد حظي بدعم الاستخبارات الأمريكية. ولا يعرف بعض الذين يحكمون بغداد اليوم هذا الأمر ولكني أعرف الحقيقة. لقد عُقدت اجتماعات عديدة بين حزب البعث والاستخبارات الأمريكية، وعُقد أهمها في الكويت. أتعرف أن… محطة إذاعة سرّية تبث إلى العراق كانت تزود يوم 8 شباط رجال الانقلاب باسماء وعناوين الشيوعيين هناك للتمكن من اعتقالهم وإعدامهم؟”}*4

هل هذه محكمة أم مجزة؟ التاسع من شباط 1963 داخل مبنى الاذاعة في الصالحية يظهر بالصورة الزعيم عبد الكريم صريعا ورفيقه المهداوي وضابط آخر
هل هذه محكمة أم مجزة؟ التاسع من شباط 1963 داخل مبنى الاذاعة في الصالحية يظهر بالصورة الزعيم عبد الكريم صريعا ورفيقه المهداوي وضابط آخر

لم تندمل جروح العراق والعراقيين منذ ثلاثة وخمسين عاما حتى اليوم الحاضر؛ كونها جروحا غائرة وعميقة وتمس كيان العراق برمته. ونؤكد على القول أن التعامل مع التاريخ بجدية ليس الغرض منه تأجيج المشاعر وتهييج المواطنين وذويهم ممن قضى نحبهم في تلك الخيانة الوطنية الكبرى، لكن التمحيص بتاريخ العراق السياسي الحديث بحاجة إلى روافد كثيرة وجديدة تساعد رجال الدولة ورجال الأحزاب على استخلاص الدروس الضرورية المفيدة التي يتم من خلالها تجاوز الوقوع بمثل هذه المطبات الخطيرة التي تعّرض، ليس حياة المواطن للخطر الجسيم فقط، وإنما تعّرض العراق برمته للمخاطر الجسيمة التي يخلقها الأقتتال الداخلي وإراقة دماء الأبرياء بأجندة عميلة لأعداء العراق المتربصين به على الدوام.

يبقى الرهان قائما طالما استمرت عناصره وأدواته بالوجود المخفي كخفافيش الظلام يطرح هذا السؤال الكبير:

هل ينجح الانقلابيون القدماء والجدد باغتيال مستقبل العراق السياسي كدولة رائدة وتجربة ديمقراطية حديثة في القرن الواحد والعشرين؟

هذا بالضبط ما يستدعي من جميع الوطنيين العراقيين من ساسة مسؤولين ومواطنين أحرار الحذر الدائم من حرف مسار ومستقبل العراق السياسي المعاصر نحو المجهول. عودة الأحزاب الوطنية العريقة للعمل الجاد في الساحة السياسية والاجتماعية العراقية هي المطلب الوطني الأبرز في هذه المرحلة المظلمة. **

 

الهوامش: 
*1 كتاب (العراق) ـ الكتاب الثالث، د. حنا بطاطو ـ الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار ـ ترجمة عفيف الرزّاز ـ مؤسسة الأبحاث العربية. ط1 بيروت 1992. الفصل الثامن عشر ص289. 
*2هاني الفكيكي ولد في بغداد 1936 وانتسب إلى حزب البعث عام 1954 أي عمره 18 عاما، وشارك في هذا السن الصغير في مسؤوليات حزبية ورسمية كبيرة بعد ذلك. شارك بانقلاب 8 شباط 1963 وأصبح عضوا قياديا للحزب في العراق ومجلس قيادة الثورة. أكمل دراسة الصيدلة عام 1969. غادر العراق نهائيا عام 1979 إلى لندن وتوفي فيها عام 1997 ودفن في دمشق، السيدة زينب. له كتاب “أوكار الهزيمة” تاريخ النشر 1/3/ 1993.  
*3 المصدر السابق (العراق) حنا بطاطو ص 296.    
*4 المصدر السابق ص 300 

 

لا تعليقات

اترك رد