” الشُللية ” في العمل الإداري


 

يستقي علم الإدارة العديد من المفاهيم والمصطلحات من العلوم الإنسانية المختلفة, نظرا للترابط العضوي الحيوي والتفاعلي ما بين هذه العلوم مع بعضها البعض ..

ومن ضمن المفاهيم التي نرى أن لها علاقة وطيدة بالإدارة والتنظيم الإداري, ما يمكن إطلاق تسمية ” الشُللية ” عليه، وهو عبارة عن وجود تجمعات بشرية
( SMALL GROUPS ) داخل المجتمع أو المنظمة, تتكون وترتبط مع بعضها برابطة ” التنظيم غير الرسمي – INFORMAL ORGANIZATION ” المبني على علاقات المصلحة أو العلاقات الشخصية أو الزمالة .. الخ …

وكما يمكننا أن نرى مثل هذه التجمعات موجودة داخل المجتمع الكبير, يمكن أن نراها بشكل أو بآخر, بوضوح أو بغير وضوح، نراها متواجدة في المجتمع الأصغر, مجتمع المنظمة الواحدة ..

تتكون التجمعات أو المجموعات البشرية الصغيرة داخل المنظمة, أو ما يمكن تسميته ب ” الشلُل ” نتيجة تطور علاقات عمل أو علاقات إنسانية وبشرية أو علاقات مصلحة متبادلة ما بين عدد من العاملين، ولا يشترط أن يكون هؤلاء العاملين من قسم أو إدارة واحدة, أو على مستوى إداري وتنظيمي واحد, أو من مستوى تأهيل علمي أو اختصاص وظيفي واحد ..

وقد يكون ولادة ونشوء وتطور مثل هذه الشلل والمجموعات طبيعيا وتدريجيا, أو نتيجة ظروف أو ضغوط معينة داخل المنظمة, أو لتحقيق مصالح مشتركة معينة ..
الشيء الأكيد, أن نشوء وتطور مثل هذه الشلل والمجموعات يكون ناتجا عن وجود أهداف أو مصالح مشتركة تؤدي إلى جمع أو ترابط عدد من العاملين مع بعضهم ( ليس شرطا دائما أن يكون ذلك بشكل ظاهري وعلني ) ..

ما يعنينا في هذا الموضوع, هو مدى الأثر أو الضرر الذي قد يشكله نشوء وتطور وسيطرة مثل هذه الظاهرة على العمل والعلاقات والنظام داخل المنظمة ..

في بعض الأحيان, يكون تشكل مثل هذه المجموعات الصغيرة, التي غالبا ما تكون خارج نطاق علاقات وترابط ومستويات الهيكل التنظيمي الرسمي للمنظمة, يكون ذلك مقويا وداعما لبنيان وهيكل المنظمة, ولسياقات عملها, ويؤدي إلى إضافات إيجابية ..

إلا انه في أحيان أخرى, يكون نشوء وتطور مثل هذه التجمعات مؤديا إلى خطر كبير وخلل في العمل والعلاقات والترابطات داخل المنظمة, خاصة إذا استطاعت مثل هذه المجموعات الوصول إلى مصدر صياغة واتخاذ القرار في المنظمة، وأحيانا السيطرة عليه ..

أن بناء وتطور مثل هذه التشكيلات التنظيمية غير الرسمية, ومحاولتها السيطرة على مقاليد الأمور في المنظمة أو في إدارة معينة في المنظمة ( ربما من وراء الستار وبشكل غير مباشر ), سيكون بالتأكيد في غير صالح المنظمة, وفي غير صالح الإدارة في تلك المنظمة ..

فهذه ” الشلة ” ستضع أهدافا تحقق مصالحها ولو بشكل غير معلن وغير رسمي, وسيتطور نتيجة ذلك نوع من الصراع ( CONFLICT ) الداخلي في المنظمة ما بين أفراد هذه الشلة وأي شخص أو مجموعة أو ” شُلة ” أخرى قد تنازعها السلطة أو تتنازع مصالح معينة, أو ربما يتنازعان الرغبة في الالتفاف والسيطرة على ( مقاليد الأمور ) وعلى توجهات الإدارة في المنظمة ..

كما أن الأمور ستتطور ليكون هناك على الأغلب تضارب ما بين أهداف ومصالح هذه ” الشُلة ” وأهداف ومصالح المنظمة ذاتها، وتحاول هذه ” الشُلة ” في حالة حصولها على السلطة والقوة ( من خلال إجراءات وتنفيذ صلاحيات وعلاقات شخصية ) التأثير في القرارات الصادرة لتسير في اتجاه مصلحة الشلة ( وليس مصلحة المنظمة والمجموع ), وفي اتجاه تقوية وتعزيز سلطاتها ومواقعها داخل المنظمة ..

وبالتبعية, فأن هذه الشلة ( المجموعة ) ستحاول, باستخدام الطرق الرسمية وغير الرسمية, المباشرة وغير المباشرة, السليمة وغير السليمة, إزاحة وإزالة أي شخص أو مجموعة أخرى تراها تشكل خطرا على مصالحها أو إنها ستحاول الحد من سلطاتها وقوتها وتأثيرها, أو إنها لا تتجاوب وتتوافق مع رغباتها وسلطاتها, أو أن تلك المجموعة الأخرى ستلعب دورا مهما في التنظيم قد يكشف أو يؤثر على دورها كمجموعة أو أدوار الأفراد المنتمين والمنضويين تحت لوائها ..

وهكذا نرى أن هذه ” الشُلة ” ستصبح بمرور الزمن و تشكل خطرا وعبئا على المنظمة والإدارة والعاملين معا …

أن مفهوم ” الشُللية ” والمجموعات في التنظيم غير الرسمي في المنظمة, من المفاهيم القديمة والأساسية في علم الإدارة والاجتماع, ولابد من أن نراها بشكل أو بآخر في أية منظمة ..

المهم, هو أن تتمكن الإدارة في أية منظمة من التعرف على مثل هذه الظواهر والتشكيلات أو التنظيمات غير الرسمية, والتعرف على أبعادها وأهدافها وغاياتها, وليس شرطا أن تعمل على هدمها أو إزالتها ( إلا إذا أصبحت تشكل خطرا فعليا يهدد كيان وعمل ومصالح المنظمة والعاملين فيها ), لكن أن يكون وجودها معززا وداعما للنظام والقانون داخل المنظمة, وان لا يكون هناك تنازع أو تأثير على سلطة اتخاذ القرار، وان تعمل كل المجموعات أو ” الشُلل ” في ظل المصلحة العامة والعليا للمنظمة، وان لا تسمح الإدارة بأن يكون لمجموعة معينة سلطة أو تأثير غير طبيعي وغير مقبول عليها وعلى سياقات العمل والعلاقات داخل المنظمة، وبذلك تنجح الإدارة السليمة في أن تسِير الأمور لصالحها ولصالح الجميع، وفي أن لا تفرض ( إلغاء ) حالة طبيعية قد لا تكون قادرة على إلغائها أو منعها كونها مرتبطة بطباع وعادات البشر ..

شارك
المقال السابقأوطان بلا مــــُواطنة
المقال التالىمسامير في شبك

غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة … عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد