الإصلاح والعقد الاجتماعي العربي – ج10


 

مفهوم الدولة المدنية كان دوما حاضرا في النقاشات الفكرية العربية-الإسلامية، لكنه يعود من جديد ليطفو على السطح بعد موجة الغضب العربي ووصول بعض الحركات الإسلامية إلى سدة الحكم في عالمنا العربي، وهو ما ولد سجالا حادا حول مفهوم الدولة بين تيار الإسلام السياسي والعلمانية.

المفهوم يرفضه بعض الإسلاميين جملة وتفصيلا في حين يعتبره البعض الصيغة المثلى والمعبرة في الآن نفسه عن التقاء الأفكار الدينية مع القوانين التي توصل إليها العقل البشري لضبط العلاقات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.
فالوقت قد حان لا بالنسبة للإسلاميين ولا العلمانيين وكل التيارات الإيديولوجية لنقاش جدي وجريء، حوار علمي وبناء، لتحديد مفهوم الدولة الحديثة أو المدنية والتقاءها أو تقاطعها مع التشريعات الدينية.

وفي خضم هذا السجال العقيم الذي ساد لقرابة القرن بسبب حساسية زائدة أحيانا لدى البعض من مفهوم الدولة المدنية وعلاقتها بالدين وأيضا قضية النفور من الديمقراطية وإلصاقها دوما بالعلمانية، نحاول أن نجمع كل هته الإنقسامات ووجهات النظر المتفرقة داخل مفهوم الدولة الوطنية وهي الدولة ذات المدلول الشامل، فيه الوطن أولا والديمقراطية أساس الممارسة السياسية وكل ما عدا دلك فهي أمور ثانوية يمكن إرجاعها لاختلافات جزئية لكنها لا تعني شيئا أمام مصلحة الوطن.

سجال الدولة المدنية والدولة الدينية مر عليه زهاء القرن ولم نرسو بعض على فكرة واضحة متفق عليها، وهدا دليل قاطع على ارتباك كلا الطرفين نظريا ومنهجيا في تصوراتهما وكل ما حصل كان صراع أفكار وحرب مواقع وتبعيات إيديولوجية.

في الإسلام وأصول الحكم يقول علي عبدالرازق: ” الدين بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة ومن عزة وقوة.” وفي تحليله للعلمانية يرى أنطون فرح : ” أولا إطلاق الفكر الإنساني من كل قيد خدمة لمستقبل الإنسانية، ثانيا الرغبة في المساواة بين أبناء الأمة مساواة مطلقة بقطع النظر عن مذاهبهم ومعتقداتهم ، ثالثا ليس من شؤون السلطة الدينية التدخل في الأمور الدنيوية، رابعا ضعف الأمة واستمرار ضعفها نتيجة جمعها بين السلطة المدنية والسلطة الدينية، خامسا استحالة الوحدة الدينية.” بالمقابل ودفاعا عن الخلافة والدولة الدينية يذهب رشيد رضا في كتابه الخلافة أو الإمامة العظمى إلى القول: “أجمع سلف الأمة وأهل السنة وجمهور الطوائف الأخرى على أن ينصب الإمام أي توليته على الأمة واجب شرعا لا عقلا.”

يخاف الإسلاميون من قبول فكرة الدولة المدنية لأنها تستند إلى إقرار الأغلبية وأراء الناس في إصدار التشريعات واختيار الحكم، وقد تذهب هته التشريعات إلى شرعنة أمور محرمة دينيا أو أو إصدار قوانين لا تتماشى مع مفاهيم الدين.
لا جدال في أن أول عقد اجتماعي عرفه التاريخ الإسلامي تحقق يوم دخل النبي الكريم أرض المدينة حيث تحقق أول شكل من أشكال الدولة حيث تعايش الناس جنبا إلى جنب داخل إطار دولاتي.
يذهب التيار الإسلامي إلى أن فكرة الدولة المدنية والتي ارتبطت بالفكر السياسي الحديث والعقد الإجتماعي والتي تقوم على مبدأ فكرة الحق المرتبطة بدورها بالوطن والتي تؤدي بالأفراد إلى الإجماع على شكل القانون الذي يجب أن يسود وهو ما يعتبره الإسلاميون قد يخالف الحق والتشريع الإلهي وبذلك فهو يخالف الدين.

مفهوم الدولة كما سيقت الإشارة إلى ذلك غير مذكور في القران الكريم، وهو ما يعتبره الإسلاميون دخيلا على الفكر والتاريخ الإسلامي. فهذا المفهوم هو وليد العصور الحديثة في الغرب وإرهاصات عصر التنوير وظهور حركات الإصلاح الديني وما أعقبها من حروب والتي انتهت بمعاهدة وستفانيا كبادرة أولى نحو تشكل لبنات الدولة المدنية الحديثة.

الدولة المدنية محكومة بدستور ينظم العلاقات والتوازنات الإجتماعية وطريقة الحكم وتداول السلطة وتحقيق العدالة الإجتماعية والمساواة واعتبار المواطنة أساسا في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين فيها، وتحقيق الديمقراطية والتعددية وقبول الآخر.
ويري بعض الإسلاميين أن شكل الدولة الدينية أو التوجهات العامة لها لا تختلف كثيرا عن مبادئ الدولة المدنية، والقوانين ذات المرجعية الإسلامية يمكن أن تتحول بفعل الممارسة الديمقراطية إلى قوانين مدنية، كما يمكن التمييز بين القانون الذي هو خلاصة بشرية والشريعة كأحكام دينية للفرد المؤمن.
يتبع….

1 تعليقك

  1. لم يعرف العرب تطبيقا حرفيا لمغهوم الدولة الدينية الا خلال العقدين الاولين من ظهور الرسالة الاسلامية وبوجود الرسول (ص) ومن بعده 30 عاما فترة حكم الخلفاء الراشدين (رض) .اما الدولة الاموية فقد كان غطاءها اسلامي وتطبيقاتها رومانية والدولة العباسية كان غطاءها اسلامي وتطبيقاتها فارسية ،والدولة العثمانية غطاءها اسلامي وتطبيقاتها تركية . وبظهور الدول الحديثة كانت كل التطبيقات مدنية مشتقة من الدساتير العالمية ماعدا الامور التي تخص الاحوال الشرعية اذن لاوجود للدولة الدينية واخرها تجربة محمد مرسي و الاخوان المسلمين في مصر التي لم تدم سوى اقل من سنة مضطربة .

اترك رد