النوبة القلب النابض في جسد الدولة الأم – الجزء الثالث


 

تحدثنا في المقالتين السابقتين عن النوبة , تعريف بها , أهلها ,لغاتها و لهجاتها,ثم إنتقلنا بعد ذلك إلي الحديث عن الهجرات المتتالية لأهل النوبة ,وقد حاولت أن ألخص المشكلات و المطالب النوبية فقلنا :
إن أهل النوبة يعانون من مشكلات لا حصر لها , تحتاج إلي حلول جادة ,و أن لهم مطالب , علي الدولة أن تسعي لتلبيها , و نتذكرها معا :
1_ حق العودة إلي أرض الأجداد و هو الحلم الذي يعيشون عليه منذ عقود .
2_ الإهتمام بمنطقة نصر النوبة من بنية تحتية وخدمات و خفض أسعار الكهرباء فلا يعقل أن يحاسب من ساهم في بناء السد بأرضه بل تم إجباره علي الهجرة إلي أماكن بعيدة علي أنه من سكان المناطق النائية ورفع قيمة الفواتير 3_ يطالب أهل النوبية بتحويل النوبة القديمة إلي منطقة سياحية و تجارية عالمية لها متحف و ميناء و مراكز تجارية عالمية وهذا حق لا جدال فيه لمنطقة تحتوي علي أعظم متحف مفتوع في العالم كله ولا مثيل له !
4_ إعادة فتح ملفات التعويض لاهل النوبية .
5_ لإهتمام بالثقافة النوبية و بالتراث النوبي واللغة النوبية إعلاميا سواء كانت مرئية أو مسموعة أو مقروءة .
تلك هي أهم ما يطالب به أهل النوبة .
“أهل مكة أدري بشعابها”
ينطبق هذا القول علي أهل النوبة فهم أدري الناس بالنوبة و لهم حقوق تاريخية لا ترفضها الدولة ولا تنكرها بل يعلمها المصريون جميعاولكن طبقا للمصلحة و المنفعة العامة لمصر عموما و للنوبيين خصوصا كان لابد من بناء خزان أسوان وتعليته أكثر من مرة ثم أتبع ذلك ببناء السد العالي وكان يصاحب ذلك و في كل مرة القيام بعمليات تهجير تمت الأولي منها عام 1902 بمبادرة ذاتية من أهل النوبة أنفسهم و بترحيب منهم , ثم جاءت بعد ذلك ثلاث عمليات تهجير متتالية ,جرت جميعها في عجلةو بدون خطط مدروسة .
بنتائج هي أكثر ضررا كان التهجير عام 1964 و إن كان الإعلام قد صور للمجتمع و للعالم في حينها غير ذلك , فقد كانتتشوبه بعض القسوة التي ما زالت الذاكرة النوبية تحتفظ بالكثير منها , أيضا لم يكن هناك إلتزام كامل و شفاف من الدولة بتجهيز مناطق أكثر جذبا و تميزا , ولم تهتم الدولة ببناء منازل يغلب عليها الطابع النوبي الأصيل والتي تناسب الثقافة النوبية و طبيعة الحياة في الجنوب , كذلك عمليات التعويض , شابها كثير من الضيم و اللغط و الإتهامات و مازال النوبيون يطالبون بها بحقهم في التعويض العادل حتي الأن ( من الأمور التي يتألم منها النوبيون و تشعرهم بالغبن أن الدولة قد عوضتهم عن كل نخلة بقيمة عشرة قروش في الوقت الذي كان سعر الكيلو جرام الواحد من التمر يباع بعشرة قروش ) !
يصعب عمليا علي النوبيين الأن الرجوع إلي موطنهم و مساكنهم التي عاشوا فيها مئات بل آلاف السنين و ذلك لوجود السد الذي حفظ مصر كلها في أواخر السبعينات و حتي أواخر الثمانينات من مجاعة أصابت دولا أفريقية كاملة و في مقدمتهم دولة المنبع أثيوبيا , حيث مات أكثر من مليون مواطن في تلك السنوات العجاف ومن عاش في تلك الفترة يتذكر المشاهد المؤسفة و المخزية التي تعرض لها الإنسان في أثيوبيا بلد النهر و موطن البحيرة ( بحيرة فيكتوريا ) .
و لكن ما نستطيع طرحه كحل مؤقت هو إنشاء مدينة عالمية في الجنوب يتم التجهيز و التحضير لها عالميا وتستعين الدولة بالكفاءات المصرية العالمية في مجال إنشاء و تخطيط المدن و التطوير العمراني و تستعين أيضا بأهل النوبة أنفسهم كي تتأكد أنها مطابقة لطبيعة النوبي و تتوافق مع هويته و ثقافتة .
النوبة تشكو الأن من البطالة المنتشرة بين أبنائها و أغلبهم يضطر إلي السفر و الرحيل إلي الخارج للبحث عن عمل كحال غالبية الشباب المصريفي جميع محافظات الوطن و من المؤكد أن الشروع في بناء مدينة نوبية عالمية سوف يستوعب آلاف الشباب من أهل النوبة و من أهل الصعيد .
المشكل النوبي الأكثر إلحاحا هو الموروث الثقافي النوبي و اللغة النوبية , إن النوبيين يحاولون بشتي الطرق الممكنة حماية ثقافتهم و لغتهم وتراثهم من الإنقراض وهذا حقهم و يحزنهم كثيرا أن الدولة لا تدعمهم ولا تهتم بالحفاظ علي هذا التراث الثري و المميز .
كنت قد قمت بإستطلاع رأي صغير شارك فيه مجموعة من الأصدقاء علي صفحتي عليشبكة التواصل الإجتماعي (الفيسبوك)و اشارت نتائجه وإن كانت بسيطة إلي أن الجميع لا يعارض وجود أكثر من لغة في الوطن الواحد شريطة أن ينظم القانون ذلك و تحدد الدولة أبعاده بصورة تضمن لها وحدتها و تماسكها.
علي الدولة أولا حماية اللغة العربية و هي اللغة الرسمية الوحيدة للدولة من الإنحدار الذي تسير إليه و تعمل علي تطوير مناهج التعليم بالصورة التي تضمن الإرتقاء بها و ترغب الأجيال الجديدة في إتقانها و تحببه في إستعمالها .
كذلك فإن مصر دولة عظيمة لها تاريخ وحضارة فريدة صنعها الأجداد و بذلوا الجهد و العرق كي يسجلوا كل ما صنعوه من مجد علي أوراق البردي و علي الأحجار و جدران المعابد و بديهي أن يقرأ الإبناء رسالات الأباء و الأجداد ليتعرف علي وصاياهم و يتعلم من تجاربهم .
يحزنني جدا أننا لا نهتم بتعليم اللغة المصرية القديم – الهيروغليفية – في مدارسنا وكذلك اللغات القبطية و النوبية . تستطيع الدولة ممثلة في وزارة التربية و التعليم تعميم ذلك في جميع مدارس مصر كمادة نجاح و رسوب ضمن مادة التربية الوطنية و تتعاون مع وزارات الثقافة و الأثار و الشباب و الرياضة و كذلك هيئة السكك الحديدية لإقامة رحلات مدرسية إلي أرضنا في الجنوب و يقوم الطلاب بزيارة المعابد و المتاحف التي لامثيل لها في العالم و يطلع علي تاريخ وطنه و يستلهم الخبرات و العبر وفي الوقت نفسه يتم إختباره بقراءة نص من النصوص الفرعونية الموجودة علي جدران المعابد .
هكذا نبني أجيالا ترتبط بأوطانها , تعرف تاريخها و تزهو به , هكذا تبني الأمم بسواعد أبناء أحسنا نشأتهم و عمقنا جذورهم بالأرض فيعيش لرفعتها و يموت فداء لها .
كل عام والجميع بألف خير و أتمني أن يكون عام 2017 عام خير و رفعة لمصر و شعبها و لكل الوطن العربي من الخليج إلي المحيط .

1 تعليقك

  1. استاذنا الفاضل / علي حسن .. تفضل من خلال ثلاث مقالات جامعة ومستوفية العناصر للإلمام بالشأن النوبي ، الذي بعضه غير واضح إعلاميا ، بل اكاد اقول يناله شئ من الغبن ، والظلم ، والإظلام يقترب من حد التشويه والإجحاف مع التجيل المتعمد وليّ الحقلئق والخروج بها من حقوق ومطالب عادلة لأصحابها ككيان وجزء من الوطن له حقوق المواطنة في التنمية والإهتمام الرسمي من الدولة ، أعد الكاتب من خلال قراءات واعية ورشيدة للملف النوبي وإستقصاء معلوماتي دقيق تناول الشأن النوبي من بداياته ‘ارضا بأمانة مع الجذور مشكلة الإنسان والأرض ، والهجرة ، والتطلعات المفترضة كحقوق للمواطن النوبي ، بإعتباره جزء لا يتجزأ من تراب هذا الوطن ، ودرءاَ لمخاطر يفترض تجنبها ن وسط هذه العواصف التي تحملها رياح الشر القادمة من كل إتجاه . تحياتي لك استاذنا القدير ومثقفنا القدير / علي حسن .

    سيد جمعه سيد
    نوبي

اترك رد