سذاجة” عشوائية” الحكومةمن سطحية “فقدان الوعي” الشعب


 

حين يقف المرء على المدلولات النابعة من لفظة العشوائية سيجد نفسه امام خيارات محدودة، لكون الكلمة متداولة بشكل واضح وكبير فيما يخص مصطلح “العشوائيات” والتي تعني المباني المقامة بلا تخطيط او نظام خارج نطاق خطط التنمية السكانية للحكومة وغالباً ما تفتقر الى بعض الخدمات الاساسية، وهذا بلاشك يدل على ان العمل قد تم على غير بصيرة او هدى” عشوائية” والنتيجة الحتمية للعمل هذا الفشل، في المقابل يقرأ المتابع عن الوعي بالاخص السياسي على انه الفهم العام للمناخ السياسي وما يحركه من تجاذبات ومخطّطات من الفاعلين السياسيين داخلياً أو حتى خارجياً نظرا للترابط العالمي للأحداث..ويتعلق مفهوم “الوعي السياسي” بالأفراد والمنظمات والمجتمعات على حدّ سواء..وإنشاء الوعي السياسي يعني تكوين ضرب من ضروب التفكير الواعي بالراهن السياسي ..والحراك المطلبي في النطاق المحلي أو الإقليمي أو الدولي وجميع التصرفات السياسية الشعبية، وهذه التصرفات شاملة وتتمثل في الانتخابات والترشيحات والمظاهرات والثورات والاعتصامات، وبالتالي فان الوعي السياسي هو القلب النابض للمكونات الحية للكيانات السياسية.

بعيداً عن المنهجية في التعريفات السابقة الذكر والتي سيجدها اي متابع على الشكبة، فاننا بصدد عمل مقاربة بين العنوان وبين الواقع معتمدين على الاستنباطات المتفرعة من التعريفات، فحين نقف على مبدأ عشوائية الحكومة لانقولها من منطق رفضنا لعملها او رفضنا لوجدها، او تبعيتنا لتيار سياسي معارض ليس اقل عبثية وعشوائية من الحكومة نفسها، لكننا نريد ان نرى كيف تواجه وتتعامل الحكومة مع مشاكلها على سبيل المثال وليس الحصر، لان قائمة التداول الاشكالي ضمن منظومة الحكومة المحلية ستحتاج الى اكثر من مقال او دراسة، والمهم في الامر اننا بصدد طرح اشكالية الازمة وفق مفهوم الحكومة ومن خلالها سنرى مدى سذاجتها في التعامل مع الاشكالية، داخلياً ” محلياً “، واقليمياً وعالمياً، فمع بروز الصوت الداخلي السلطوي بوجود ازمة، تحولت القنوات الاعلامية الى ادوات احتكارية لطرح الاشكاليات المسببة للازمة وبدأت تسلط الضوء وفق احصائيات متسربة من جهات داخل الحكومة نفسها لتبرهن قصر وسذاجة الحكومة في تعاملها مع الاشكاليات الداخلية من جهة ولتبرهن من جانب اخر على عدم وعي القنوات الاعلامية بمترتبات سياسة الفضح والافشاء لديها، فالحكومة التي من المفروض ان تواجه الاشكالية من جذورها وتقدم الحلول المناسبة ليس لتهدأة الشعب، انما لاخراج الشعب من حيرته ومن دوامته، ومن صيرورة انهياره الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، نجدها تقف موقفاً عشوائياً جدا مع الاشكالية، لكونها في الاساس لاتملك التخطيط المناسب لسير العمل المؤسساتي الحكومي من جهة، ولانها تفتقد لاقل مقومات المواجهة مع الحدث الاشكالي برمته، وهذا ما يخلق تضاداً واضحاً بين اقوالها وافعالها، فتأتي وعودها مجردة من المصداقية وحين تفقد الحكومة المصداقية فانها تكون مجرد هيكل دكتاتوري مفروض على الناس دون رضا منهم، ليس لان الناس لم تنتخب ديمقراطياً تلك الحكومة، انما لان الناس ينتظرون منها حلاً فعلياً واقعياً للاشكاليات التي تصدمها وتصطدم بها حياتياً سياسياً اقتصادياً اجتماعياً محلياً اقليمياً دولياً، ومن هذا المنطلق يمكن الحكم على الحكومة على انها في الاساس مجردة من كل مقومات البقاء لكونها لاتمثل الان سوى نفسها، اي انها لاتبت بالشعب بصلة واضحة، فهي في الاصل لاتقدم للشعب شيء بالعكس تماما نراها ساعية وبجدية في سلب مقومات الحياة الباقية من الشعب، ولعل قضية الرواتب ” رواتب الموظفين” والخدمات الاساسية من كهرباء وماء ونفط خير دليل على ذلك، فبدل ان تعمل الحكومة على فرض مخطط انمائي متين كي تُخرج الشعب من الدوامة الانهيارية، باتت الحكومة اهم ركيزة في هدم ما تبقى من المعنويات ومن مقومات الصمود لدى الناس” الشعب” ، ومن هذا المنطلق فان اسقاط تعريف العشوائيات على اداء الحكومة ليس بفرض من الجنون او عبث بالمصطلاحات او حتى تغيير للحتمية السلطوية، انما هو دليل واضح على قصر نظر الحكومة وعدم امتلاكها لاية استراتيجة بعيدة المدى بسبب نقص حاد في ادراكاتها للمعطيات السلطوية المحلية” سنجد ان خططها لاتتجاوز الولاية الواحدة للحكومة بسبب تغيير الوزراء و- اللاتخطيط – من وزير الى اخر” والاقليمية والدولية والمترتبات التي تفرضها الوقائع والاحداث سواء أكانت مبرمجة ممنهجة مخططة او مفاجأة، لهذا نجد هذا الفتور الشعبي الحاصل تجاه الحكومة والقائمين عليها، سواء من روؤساء او وزراء او مديريات او اي شخص له علاقة بالحكومة، وتعدى الامر ذلك الى احداث فجوة وهوة كبيرة بين الاحزاب وقواعدها الجماهيرية.
وفي المقابل نرى بان هذه العشوائية والسذاجة الحكومية في تعاملاتها وعدم وجود استراتيجيات بعيدة الامد، تفرض علينا مقولات قد يراها البعض مناقضة لكن ذلك لايعني ان الشعب غير مساهم بشكل واخر في احداث هذه النقلة السلبية للحكومة، بل ان الشعب يعد الرافد الاساس لكل المتحولات التي تحدث محلياً، نقول محلياً لكوننا نؤمن بأن المتحولات الاقليمية والدولية هي ناجمة عن مترتبات عمل المنظومة الدولية المسيرة للاحداث من اجل تثبيت مصالحها في ارجاء الخراب الارضي ووفق التوافقيات التي تراها هي وتفرضها على الجغرافيات والاثنيات والمناطق، لذا فان المتحولات المحلية الداخلية هي التي نراها تحدث بسبب الشعب نفسه، وذلك لفقدان الشعب للوعي السياسي الناضج الذي يمكن من خلاله احداث الكثير من التغييرات ليست على الساحة الحزبية انما على الساحة السلطوية باعتبار ان القاعدة الجماهيرية هي الاساس في التسلط السلطوي من جهة، وانها الرافد الداعم لبقاء السلطة وادامتها من جهة اخرى، والفرق بين الامرين واضح فمن القاعدة تستمد الحكومة قوتها لتفرض آلياتها على الشعب، حتى ان بدا الشعب منهكاً غير مدركاً وواعياً لمصيره بين المحركات والمتحركات السياسية الداخلية، وفي نفس الوقت ان ديمومة الحكومة والسلطة تبقى مستمرة بسبب حفاظها على القاعدة الشعبية التي اوصلتها للسلطة، ولكون الاحزاب المتناحرة داخلياً تدرك هذا الامر فانها تستغل النعرات والخلافات وكذلك وجود سند خارجي” اجندة خارجية” لها في فرض وجودها، اذا فعدم وجود وعي سياسي قائم على اساس التفاضل بين القضية الاساس والحزبية يؤدي دائما الى صهر الشعب داخل المنظومة الحزبية السلطوية محلياً، وبالتالي فان الازمات والاشكاليات لاتحل بمجرد حراكات شعبية فئوية حزبية موجهة لغرضية محددة، انما تحصل التغييرات وفق منظومة داخلية اكثر شمولية فحين يكون الوعي الايجابي موجوداً تتحرك مكونات الشعب باغلبية واضحة ضد اية عشوائية حكومية مفروضة قسراً على الشعب، ولكن حين يغيب هذا الوعي الايجابي الذي يقوم بتفضيل القضية على الحزبية فاننا وقتها لن نكون امام حراك تغييري جذري، وحل جذري يجبر الحكومة على الانقياد للمنطق.
واجمالاً فان العشوائية والوعي السياسي الغائب لدى الطرفين الحكومي والشعبي يخلق دائما مماهاة واضحة بين المبررات والوقائع وبين والواقع والرؤية السلطوية الناجمة من تداخلها مع مسارات اكبر من المنظومة المحلية لكونها تدمج اقليميا ودولياً مع المنظومة العالمية،ولكن هذا لايعني ان الحكومة والشعب معاً يفتقدان لجملة امور هي ليست حتمية وحصرية ولكنها قابلة للنقض والدحض والتأكيد في الوقت نفسه، فعدم وجود استراتيجيات بعيدة الامد ضمن مخططات الحكومات دليل على عشوائيتها لاسيما فيما يتعلق بالمخططات المؤسساتية التي تتغير بتغير الوزير” الحزبي” والمتحولات الاقتصادية التي باتت عبئا ثقيلاً على كاهل الطرفين لاسيما ان الحكومة لاتملك اية استراتيجية واضحة في تعاملاتها الاقتصادية لا محلياً و لا دولياً وليس تسرب بيع حقول النفط في الاونة الاخيرة الا دليل على ذلك، الامر الذي كان قد سبقه وجود عقود لما يقارب نصف قرن مع دول اقليمية، وكذلك عدم وجود فكر سياسي ناضج يعمل على فرض الرؤية التفاضلية للقضية على اية افكار اخرى سواء أكانت حزبية او دينية او من اية جهة اخرى، فضلاً عن فقدان الوعي الشعبي الذي اراه كارثة بحق القضية نفسها، فالعمل وفق معطيات الانتماء الحزبي والعاطفة الحزبية والعشائرية يعد ضرباً وهدماً لكل مقومات البقاء والوجود، وينجم عنه هذا التضاد الحاصل بين القاعدة والسلطة، ومن ثم عدم وجود وعي ناضح من قبل الحكومة في التعامل مع الاشكاليات بمحاولة تقليصها وليس فرض آليات تقوم على اتساع الهوة بينها وبين الشعب من جهة وزيادة عبء الشعب من جهة اخرى امر اخر يتضح بشكل جليّ في المعادلة الحكومية العشوائية والسطحية الشعبية.

لا تعليقات

اترك رد