كيف تكون الهاوية..؟


 

ليس السؤال هنا هو المعضلة التي تثير قلق الشعب, وفي الوقت لم يعد الجواب مهماً ايضا للشعب، لكون الحتمية التي فرضت عليهم والتي لاحول لهم ولا قوة في ردها جعلت كل الصور مشوشة، وكل المبادئ هشة، وكل الشعارات مجردة من قيَمها، وكما سبق وان قلنا في مقال اخر بأن المقدس لدى الشعب هو فقط الذي يضحي بدمه في خنادق القتال امام اشرس عدو لاانساني خارجي، متناسين الويلات التي بات يفرضه عليهم العدو الداخلي تحت غطاء الحكم والسلطة والحكومة والازمة اللااقتصادية ” الازمة الحزبية”، فان المقدسات الاخرى لم تعد لها مكان ضمن قاموس الشعب.

على هذا الاساس الاسئلة لم تعد لها قيمة فالذي يحصل هدم كل مقومات البقاء لدى الشعب، الذي يكاد ينهار نفسياً بعدما انهار اجتماعياً، وحين تُهدم القيم تتحول المجتمعات الى بؤر لآفات معدية وتسير بخطى واضحة نحو الهاوية، ولكون الهاوية هي فرضياً النهاية، فانها تشكل فقط لدى بعض الشرائح هاجساً فرعياً يحاولون من خلال تداولها التخفيف عن انفسهم دون البحث عن حلول او حتى الايمان بأن مسببي السقطة هذه قادرون على الحل، فحتى هذه الشريحة المتداولة تؤمن قطعياً بأن الساسة هم مجرد خرفان ضمن قطيع كبير يقوده اصحاب المصلحة ووفق تعاليم المنظومة.

ولعل ما يثير الشفقة دائما هو النمط الدرامي المتبع من قبل السلطة في طرحها للمشاكل والعوائق متخذة من بعض الشعارات المؤثرة في سايكولوجية الشعب لحناً ابدياً، وخلق بعض الازمات الداخلية سواء قيام ثلة من الرموز الحزبيةبتحريك بعض المسائل ذات الاهمية الجزئية وذلك كي يشغلوا الشعب بها، او من خلال بعض القرارات التي لامغزى لها سوى التطبيل الداخلي وتمجيد الرموز كل حسب انتمائه، ومن ثم تسليط الضوء على بعض النمنمات الصادرة من بعض الاشخاص الذين لايمثلون قيمة سياسية ” مع احترام قيمتهم كأنسان” قادرة على ايجاد الحل واحداث تغيير للوضع ومنعه من التدهور ومن ثم اخراجه من الهاوية..ان هذا الفعل الدرامي للحكومة بات اشبه بلعبة اطفال يقومون بتحمليها على اجهزتهم كي يقتلوا وقتهم بها.

فالحلول معدومة في ظل اللاوعي الحاصل للمرحلة وللقضية..والحلول مجهولة ضمن هيكلة المنظومة التي هي بلاشك اكبر من كل احتمال جزئي لدى هولاء الذين يمثلون السلطات واقول السلطات لكون الحكومة ليست الا سلطات حزبية موزعة بشكل غير متناغم كل سلطة تعمل لكسب وفرض مصالحها على حساب الاحزاب الاخرى، وتحت غطاء شعاراتي يستخدمه الجميع دون استثناء حقوق الشعب والقضية معاً.. ووفق هذه المعادلة التي لاوجه لها، لايمكن لطرح الاسئلة ان تشكل محفلاً تغييراً يلجأ الشعب اليها كي يصلوا الى نتيجة مرضية او مقنعة، لأنه في الاصل لاتوجد اجوبة، وحين لاتوجد اجوبة فان السؤال في كينونته الفلسفية يبقى ضمن دائرة التكهن والاحتمالية وكلاهما لايغنيان عن جوع ولايسمنان، بالعكس تماما فانهما يزيدان القلق والانفعال وهدم المقومات النفسية والاجتماعية وحتى التي تتعلق بالقيم والقضية، ويظل الشعب يعيش دوامة لامفر منها، حيث يجد نفسه ملزماً بالصمت امام افعال الحكومة اللاعقلانية والسائرة بهم وبكل المقدسات والقضية نحو الهاوية، وذلك تقديساً للمرابطين في ساحات القتال” البيشمركة” ، وفي الوقت نفسه يجد الشعب نفسه امام معضلة كبيرة وهي حتى ان الصراخ والخروج على السلطة لايغيران من الحتمية شيئاً وبالتالي يعيش الموت البطيء بشكل لايتناسب مع القيم الشعاراتية التي ترفعها الحكومات بكل احزابها، سواء الفعالة او المعارضة لانهم جميعاً مشاركون في قتل الشعب، والتاريخ سيشهد عليهم ذلك، لاسيما انهم لايعتمدون مبدأ الشفافية الا من خلال التحريض وفضح الاخر ليس من اجل مصلحة الشعب، انما من اجل كسب المزيد من المؤيدين وكأن الحكومة باحزابها هي احجار على رقعة شطرنج مهترأ قديم لم يعد له نفع داخلياً ولا خارجياً.

فحين يعيش الشعب الغموض في كل شيء متعلق بوجوده ضمن جغرافية ودائرة يقودها حكومة واحزاب، فانه بلاشك سيحتاج الى اجوبة والى تفسيرات والى شفافية تقنعه بمسببات الوضع الذي يعيشه، لاسيما ان الوضع غريب وغير مبرر له، لذلك حين يصطدم باللاشفافية فانه طوعياً سيسير نحو الهاوية، لكونه يرى بأن المتحكمات السياسية فعالة داخلياً واقليمياً ودولياً، وكذلك الممكنات الاقتصادية واردة وضمن هيكلة دولية كبرى، بحيث تفرض الاحصائيات ارقام خيالية، ومعها يجد بأن التوثيقات العالمية للوجود الفعلي للحكومة امر بات شبه مؤكد، كلها تثبت الوجود المتمكن والحضور القوي خارجياً ودولياً، وحين ينظر الى الداخل فانه سيجد الانهيارات باتت تصيب كل اجزاء السلطة والاجتماع من عدم وجود تنظيم عقلاني متسلسل وذا ابعاد مستقبلية للتحكم بالموجودات من جهة، وبتفعيل النعرات والصراعات الحزبية على حساب مصالح القضية والشعب معاً من جهة اخرى، فضلاً من التراجع في القيم الاقتصادية الاجتماعية للمواطن الذي بات يعيش تحت خط الفقر، ومن تراجع الخدمات التي هي حق المواطن على الحكومة، من كهرباء ونفط ورواتب وخدمات اخرى، ناهيك عن الخلل الحاصل في المؤسساتية غير المنتظمة وغير الحاملة للمسؤولية داخل الحكومة، ومع عدم التغافل على الفساد الادراي والسياسي والاجتماعي الذي بات يهدد كل الركائز داخل الاجتماع، كل هذا يجعل من الشعب يعش اللاتوافق الذهني والنفسي والعقلي وبالتالي فهو مهدد بالسقوط الحتمي في الهاوية بعدما سقطت بنظره الحكومة والسلطة فيها.

وعلى هذا الاساس يكون السؤال مُجَرد من قيمته داخل هذه الدائرة “الحكومة”، ولن يكون للجواب اية قيمة فعلية طالما الجواب لن يتعدى كونه شعار حزبي او سياسي لطرف من الاطراف المتصارعة على كسب المصالح الذاتية والشخصية بعيدا عن الاهداف الكبرى للقضية وللوجود الفعلي للشعب، ومن ثم تتحول المعطيات الداخلية الى اوهام يتجرعها الشعب وهموم يتغذى عليها الشعب، وانهيارات بالجملة في البنى التحتية للقيم الاجتماعية والاجتماع معاً، فيصبح العادي لاقيمة والغريب شائعاً بدرجة لايمكن الوقوف بوجهه.. وبذلك يكون التساؤل حول معالم الهاوية هروباً من ذنب البقاء.

لا تعليقات

اترك رد