كتاب.. قصة قصيرة

 
(لوحة للفنان مصطفى الجميلي)

-هذا الكتاب لا يناسبك
ربت جدي علي كتفي من خلف وقبل أن يري الكتاب الذي بين يدي قالها: هذا الكتاب لا يناسبك، أرني ما معك
كان جدي يحفظ أسماء الكتب وألوان أغلفتها كما يحفظ أماكن تواجدها علي أرفف المكتبة التي تحوي عدداً لم يمر علي من قبل في مسائل أحمد
أحمد.. كان ينافسني في كل شئ: في المسائل الحسابية في الجمل الإعرابية في معادلات الكيمياء.. حتي مقعده في الصف كان يوازي مقعدي تماماً كأننا في سباق “الفورميلا للسيارات”
بالأمس استطاع أحمد أن يحل مسألتي التي سهرت ليلي أعدها.. أحس بمقعده يتجاوز خط التوازي ليتقدم عني ويسبقني في المضمار
أبيت مهزوماً أنتظر مسألته ذات الأرقام الكبيرة.. تأتيني في اليوم التالي
أعتصر رأسي وأصهر جمجمتي من فوقها حتي تشتعل ناراً.. أتصبب عرقاً من كل جسدي ولا أهدأ يومي قبل أن أفك رموزها
عندها أشعر – بصورة مؤقتة – بانتعاشة في جسدي ونشوة بداخلي وبدفقات الهواء تداعبني فينقشع عني عرق التفكير
-أرني ما معك
لم يكن جدي في حاجة إلي التقاط الكتاب الذي في يدي.. كان يعرف
كثيراً ما كنت اقتحم علي جدي مكتبه وأقطع عليه قراءته لأسأله عن أمور أهمتني أو ألغاز حيرتني فيحكي لي حكاية.. أو يشير بي إلي هناك: علي الرف الثاني جهة اليمين بجوار الكتاب الأحمر الكبير.. هل وجدته؟ “حكايات للتفكير”
أو “حكايات أيسوب الحكيم” في الجهة المقابلة من الجانب الأخر، الرف قبل الأخير ثالث الكتب جهة اليسار (يحتاج الأمر أحياناً إلي الاستعانة بالسلم الخشبي المركون في الزاوية)
اليوم لم يكن جدي بالغرفة حين دخلت ولم أصبر حتي يفرغ من صلاته أو تهذيبه للورود التي تملأ الرووف أو.. أياً كان مكانك يا جدي وأياً كان ما تفعله الآن فأنا لا أصبر حتي أعرف ما أريد ولن تمهلني رأس الاستفهام التي تتخبط بداخلي حتي أخلع ملابسي المدرسية أو أضع حقيبتي عن ظهري
قررت أن أبحث بنفسي ليس طمعاً مني في التوصل إلي الحل عارياً من أي مساعدة خارجية لكني لم أكن واثقاً أني أجروء اليوم علي سؤال أحد.. حتي جدي: والدي بعد موت والداي في حادثة يناهز عمرها عمري
-أرني الكتاب
ناولته إياه.. الآن يفتضح السر
نظر جدي إلي الكتاب يسترجع ما قراءه يوماً بين دفتيه.. لم يطل النظر حتي دلف داخله يقلب الصفحات تلو الصفحات.. لا أعتقد أنه كان يتأكد من المحتوي قدر ما كان يتأكد من نيتي في قرائته
-لماذا هذا الكتاب تحديداً يا بني؟ هذا الكتاب لا يناسبك ولا يناسب سنك
-جذبني العنوان
-العنوان فقط؟
-والصورة
-لكن يا بني هناك كتب أخري هنا تجذب من هم في سنك لا تحمل عنواناً مثل العنوان ولا صورة كتلك الصورة.. ماذا تريد أن تعرف؟ – قالها وهو يرفع عينيه عن الكتاب ليركزها في عيني الصغيرتين ووجهي المشرب بحمرة التعب والخجل فيقرأ اضطراب نظراتي وقلق يداي وتعرق جبيني.. تدريب عملي علي محتوي الكتاب الذي كان يقلبه بين يديه وعقله: “قراءة الوجوه”
-أخبرني يا بني ولا تخفي عني شيئاً.

انفجرت
-لمذا لا يحبونني يا جدي؟ لماذ لا يدعونني ألعب معهم؟ يسخرون من نظارتي وشعري.. حتي أحمد غضب مني عندما أجبت اليوم مسئلته
لماذا يغضب مني ويضربني وأنا أحبه.. ومدرس الرياضيات أيضاً يحبه
أريد أن أعرف يا جدي: لماذا لا يحبونني؟
-لكني أحبك يا بني
احتضنني وأسقط الكتاب من يده..

لا تعليقات

اترك رد