المسيح المولود في كلّ إنسان


 

إذ سطع نجمكَ في المشرق مبلّغاً حضورك الإلهيّ الإنسانيّ، انتفض التّاريخ وسجد الكون، لأنّ الآتي من علٍ، قوّة الحبّ الفائق التّصوّر. تكوين جديد يخطّ في قلب الإنسان عشقاً إلهيّاً إنسانيّاً، يهيّئ الأرض لاحتواء الحبّ بعد نزاع طويل مع الضّلال والبغض والحقد. إذ تراءت أنفاسك النّديّة، باحت السّماء للأرض بحبّها اللّامتناهي، وتماهى اللّامحدود مع ضعف الإنسانيّة لتصبح هي السّماء المملوءة مجداً. أيّها المسيح الحيّ المحبوب، أنّى لقلبنا الصّغير أن يتّسع لرحابك، أنّى لإنسانيّتنا أن تحتوي حبّك غير المُدرك.
“لا جديد تحت الشّمس إلاّ أنت” (يوحنا الدمشقي)، الحبّ الصّارخ بصمت، المتمرّد بهدوء، المحرّر بحكمة. مَن عرفك عرف نفسه وناضل في سبيل إحياء الحبّ في العالم. إلّا أن مَن عرفوك قليلون، ومن لم يعرفوك طردوا السّماء من نفوسهم. وما عرفوك لأنّهم يخافون الحبّ، ويرهبون قدرته، ويخشون الحريّة.

لا يذكر الإنجيليّون مغارة بل مذوداً، لأنّ المسيح الحبّ حلّ في القلوب. ولد المسيح في الإنسان ليولد الإنسان كلّ يوم، ويتجدّد بالحبّ، وليتصالح مع ذاته فيُغرم بالله السّاكن فيه. فالحبّ قوّة خالقة، مانحة الحياة، صانعة العجائب. إذا كان الحبّ البشريّ المحدود، الّذي تتنازعه المشاعر المتناقضة، وتعوزه الحاجة والرّغبة، يُجدّد الإنسان ويخرجه من شرنقته، ويمنحه الفرح والطّمأنينة، فكيف بفيض الحبّ الإلهيّ الّذي هو طريق الكمال.

ليس الكمال مثاليّة مملّة، أو امّحاء لخبرات الإنسان، أو أسراً في محدوديّة الشّريعة. الكمال حركة الحبّ الدّيناميكيّة، الحبّ الفاعل في الأرض والخروج عن المحدود للانطلاق نحو اللّامحدود. الكمال همس الحبّ الإلهيّ في إصغاء الإنسان، والسّعي إليه تفاعل الإنسان مع الحبّ.

أتى المسيح إلى العالم ليكون الحبّ محور العالم. السّبب والغاية، الدّافع والهدف، الحركة والمحرّك. ولم يأتِ ليزيد من أسرنا الطّبقيّ والعنصريّ والمجادلات الّتي لا تنتهي، وتبتغي انتصارات فارغة، بل أتى ليمنح إنسانيّتنا آفاقاً رحبة، تتّسع للحبّ وللحبّ فقط. أتى ليعلن قيمة الإنسان بغضّ النّظر عن جنسه ولونه وانتمائه ومنطقه.

ملوك العالم ينامون على عروشهم وملك السّماوات والأرض طفل يغفو في قلوب المحبّين ليوقظ فيهم شعلة الحبّ المتّقدة، فتستحيل ذواتهم سماء رحبة يسكنها الله الحبّ، فتكبر وتعظم وتتمجّد. المسيح المولود في كلّ إنسان إعلان للقيمة الإنسانيّة المقدّسة الّتي ينتهكها محتكري الله فينصّبون أنفسهم آلهة ويتحكّمون ويحكمون، عبّاد صنم يسمّونه إلهاً.
المسيح الحيّ عشق الله للإنسان، أي إنسان. فاعرف أيّها الإنسان كرامتك الّتي هي في المسيح، وتبيّن قوّتك المتّحدة بالحبّ، واعلم أنّ العالم لن يخلص إلّا بالحبّ.

لا تعليقات

اترك رد