محاولة أولى لمخاتلة رواية “البرُنزيّ” لعمار التيمومي

 

“البرنزيّ” رواية تجمع بين الحكاية والرّمز . البرنزي شاهد على عصر خِلنا أننا نسيناه وأفسده الدهر…ما الذي يأسرني في “البرنزيّ” هل هي القيم والعادات التي أغشاها ستار الحداثة ولعب فيها الزمن ؟.أم أنّ القدرة العجيبة للرّاوي على نبش ما مرّ عليه الزّمان من طفولتنا وأحيى ما مات من ذاكرتنا؟.

المبدع عمار التيمومي صوّر لنا تاريخنا بريشة فنّان، تاريخ طفولة تعجّ بالمتناقضات فهو ينقلنا من حياة بسيطة تقوم على القرّة والسّقي و الزّرع والحصاد والجزّ ، إلى عاصمة الأنوار باريس أين الجمال والهدوء والرّفاهية. وفجأة يعود بنا الى أحضان الطّبيعة حيث طيبة الأرض وشهامة الرّيفي . وأكثر ما يجعلك تنغرس في شخصيّات “البرنزيّ” وأحداثها، هو قدرة عمار التيمومي العجيبة على الوصف فتجد نفسك وأنت تقرأ “البرنزيّ” تتفاعل مع الشّخصيّات.فتندرج ضمنها وتجد الموصوف ينطق أمامك. فتعيش اللّحظة وتُبحر في التفاصيل…إذ استحال الوصف تصويرا. يقول الرّاوي وهو يصف شهلاء :”ويمرّ قرب عنق شيّق البناء يكاد يشفّ عن الماء عابرا إلى حلقها تشربه”. ومازلت تتمتّع بحكايات العمّ “بوسدرة” وجمال شهلاء وطرافة “ذيالدّفوف”. حتى يقفز بك الرّاوي إلى بنزرت المدينة الجميلة القابعة على البحر. فيجوب شوارعها وثكناتها وعماراتها. وأنت بين دفّتي الكتاب يأخذك صهيل الأحصنة حينا وثغاء النّعاج أحيانا وقهقهات بائعات الهوى زمنا آخر ويشدّك ذو الدّفوف من تلابيبك فتنزعج لمرآه.. وتطمئنّ لمرأى الحسان وعيشة باريس الهادئة. ويُزعجك حال أبناء الوطن وقد استبدّ بهم الفقر والاستعمار والجهل إلاّ أنّهم نفوس حليمة حالمة تُقري الضّيف وتهشّ لمساعدة المحتاج وتميل إلى الفرح. فتستديمه في الأعين وتتغنّى به الحناجر وترعاه السّماء بشمسها وقمرها وغيثها وقليل شجرها…

تنتبه إلى الكتاب. فتأخذها الغفوة. ثمّ لفحت وجنتيها حُمرة مائلة إلى تورّد، حالما لامست يداها غلافَ الكتاب اليانع وقد وقعت عيناها على جسد ذُكوري يُصرّح بذُكورة مُفكّرة. ويُلمّح بصخب هادئ. أهاجا بذهنها رحلة الإنسان من الطّفولة البريئة إلى العُنفوان الجامح حتى خَرَف الحكمة.

فهل يمكن لهذا البرنزيّ أن يِجيبها إلى بعض حيراتها. ويهدّئ من تطويحاتها الكثيرة. أرجأت فتح الكتاب كمن يُرجئ قضم قطعة لحم لذيذة على طبقه لعلّه يفوز باستبقاء اللذّة أكثر وقت ممكن.هي تُمَنّي النّفس بولائم وولائم على نخب رواية التيمومي. فكثيرا ما لمّح الأصدقاءُ إلى جزالة لغتها، ونفضها الغبارَ عمّا كُتِم وأخفته الأنفس الذّليلة. وهي تطمع في أن يقتادها مكر الرّاوي إلى مجاهل النّفس المُغوية التي كثيرا ما نُصرّ على سَتْرها وحَجْبها فبقدر ما نميل إلى الكشف و ارتياد المجاهل، بقدر ما نَعِفّ عن المكاشفة والوضوح.. إذ نحن من آمنّا إيمانا عجائزيّا أنّ الكنوز تظلّ كنوزا مادامت مخفية مكتومة. أمّا البوح بها فهو باب سحري يُحوّلها من يواقيت إلى رماد .

فهل يقدر الرّاوي على إزالة الحُجب واستدعاء الأباعد فننهل ممّا قد فارَقنا في الزّمان وافتقدناه في المكان. هي تعتقد بأنّنا بشر نظلّ نراوح مكاننا كلّما انقشعت أمامنا مسارب التّفكّر. “أنّى لنا أن نحيا بشكل أفضل” فهي على يقين من أنّه السّؤال المركزيّ لحياة الإنسان مطلقا، أيًّا كان مجال بحثه وأيًّا كان اهتمامه فهو السّاعي دون هوادة إلى القرب من الإجابة. ولا فلاح. فقَدَر الإنسان هو السّعي الدّؤوب إلى الإفادة من إنسانيته فرط ما أمكن والتحلّي بالقيم الفُضلى علّه يحوز الذّكر الحسن بعد مماته .

فهل البرنزي بوّابة لاستدعاء قيم افتقدها الرّاوي ومن خلفه الكاتب في زمن الكتابة؟

أ هو أغنية تُرسّخ أمجادا تليدة أم هو مَنفذٌ لكشف عيوب يأمل المؤلف في التّخلّص منها وتنقية مجتمعه من آفاتها ومثالبها ؟. أم أنّ رواية البرنزيّ لا هذا ولا ذاك ؟. وإنّما هي تعقّب قصصيّ لحيوات النّاس ومشاغلهم؟. أو لعلّها تكون كلّ ذلك مجتمعا. فهي تعبيرة حيرة تستدعي ألَقًا مفقودا. وترسّخ مجدًا موجودًا،وتأمل في سناء يُنتظر أن يُشرق ذات مُنًى؟.

“البرنزيّ” لعمار التيمومي رحلة تنتهج سَمْتَ الأمل مذْهبًا. وتعرُج إلى الأركان المخفية بين جنبتي الإنسان. فتكشفها أو تُحاول، وهي لظًى يتلجلج في الأفئدة الحالمة والرّؤوس الآملة بين واقع تاريخيّ حدث ويحدث،وخيال ممكن الحدوث،وحال أسطوريّة لا تتأسّس إلاّ في الأذهان.

رغب الكاتبُ ورغّب عسى أن ترغبوا…فــــ”البرنزيّ” مُؤَلّفٌ مُغْر أيّما إغراء. فهلاّ هَمَمْتُمْ به…

لا تعليقات

اترك رد