حنين

 
(لوحة للفنان محمد زيدان)

عدت إلى شوارع رام الله في الصّباح بعد جولة بروح دمشقيّة، تمشّيت بدروب مدينتي وأزقّتها التي أعشق، لم أترك مكانًا لم أزره منذ عودتي، سرت باتّجاه سور منـزل تتعربش عليه ياسمينة من أصول شاميّة، تنشّقتها بشغف،قطفت بعضًا منها، فركتها بيديّ، مسحت بعطرها جبيني، عدت إلى صومعتي وأنجزت بعض المسائل، تصفّحت جرائد الصّباح. أنا معك الآن أكتب إليك،صباحك أنت عرائش ياسمين وزنابق برّيّة، حنوّ سنديانة، فيء زيتونة…

أتشربين الشّاي مع نعناع نما على حافّة بركان؟

الشّاي جاهز، هكذا أشعر بالنّعناع ينبت هنا، فالحياة أصبحت وكأنّنا نعيش على فوّهة بركان، هل تعلمين بأنّ حوافّ البراكين هي أخصب البقاعفي الأرض؟ أرى فيك الياسمينة التي نمت على حافّة بركان عشقي الأزليّ…

ينتابني الحنين لدمشق بقوّة هذه الأيّام، ربمّا الغياب الطّويل لعب دوره،ربّما أسري الذي طال في مدينتي عامل آخر، لكنّني أشعر بانتمائي إلىبلاد الشّام، ألسنا كلّنا أبناء الشّام؟

قبل أقلّ من قرن من الزّمن كنّا هنا وشرقنا ندعى سوريا الجنوبيّة، لذا التقينا كما ينشد شاعر شعبيّ عراقيّ: “نسمة جنوب وهيّلت لأهل الشّمال”،ونسمة الجنوب دائمًا دافئة، هكذا تعلّمت حين درست الجغرافيا في الجامعة أوائل السّبعينيّات، أمّا الآن ومن شوقي اكتشفت قانونًا معاكسًا، نسمة دفءتأتي من الشّمال تدفّئ وحدة جنوبيّة، نسمة عاكست القانون الطّبيعي، ليس غريبًا فالعاصي في الشّام خالف القوانين أيضًا.

قاصيون ما أجمله،كم من الليالي جلستها هناك أستذكر أفق عينيك،السّاروجة هذا الحيّ القديم المتعرّج له دومًا ذكرى جمال.. كم أعشق التّجوال في الأحياء القديمة، مرّت بجانبي فتاة رائعة الجمال ترتدي فستانًا أبيض،شعرها كستنائيّ مسكوب على كتفيها، خضراء العينين، تنشّقتُ عطرها،سارت أمامي وهي تتلفّت بين لحظة وأخرى نحوي بابتسامة جذّابة، تصاعدالدّم إلى وجنتيّ، وصلت الفتاة إلى بيت وفتحت الباب، شملتني بابتسامة تحمل معنى ما أو هكذا خيّل إليّ، كانت تصوّب سهلها الأخضر سهامًا مباشرة إلى عينيّ، تصبّبت حبّات عرق من جبيني، الحمرة كادت تفجّر وجنتيّ، تعثّرت خطواتي، أسرعت الخطى، تجاوزتها مسرعًا، لم أنظر خلفي،سمعت ضحكة ما يزال صداها يرنّ في أذنيّ.

اللفافة مشتعلة.. فنجان قهوتنا ينتظر رضاب شفتيك، فقد كنت واثقا منأنّك لن تطلقي النّار عليّ حين أبوح لك بهكذا تفاصيل، فأنت تدركين كم أنتفيها ومنها، ولو كنت أشكو حبّي لك لحظة، لما كان طيفك معي الآن.

“من كتاب أطياف متمردة من منشورات دار فضاءات/ الأردن”

المقال السابقنهاية مملكة الاجداد بايدى الاحفاد
المقال التالىافراح .. في زمننا الحزين !!
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. الاستاذ الفاضل زياد الجيوسي والفنان المبدع محمد زيدان ،ان هذه اللوحه الاخاذه لما تعكس من إناقه.ودقه في الأداء ،تعبر عن الحربه والفرح الملازم للحريه ،والانصهار في النص الادبي الذي قدمه الاستاذ الأديب في لغه جميله وشيقه تحدثت عن بلاد الشام في التاريخ العربي حيث كانت خضراء ثريه ودافته ،وذكراه للساروجه الحي التراثي الجميل والشابه ذات الابتسامه الدائمه هي هديه الله للأديب الفاضل ،الماء والخضراء والوجه الحسن ،ويبقى الوطن بانتظار روح أديبنا الجليل لتحلق في أجواته تعانقه وتبث له ما يهمس لها الياسمين ،ولكم جزيل الشكر داتما ،

اترك رد