خيانة الإعلامي


 

العصا السحرية وبرزخ الأدب.

الإعلام اليد السحرية التي تدنس على العقل الضعيف فتجعله التابع، توجهه أينما أرادت و تحوّل اهتماماته إلى المدار والقبلة التي يريدها القائم عليه، الأداة الأخطر على العقل و النفس معا من الإرهاب ذاته فإن لم يوجه الوجهة الصحيحة كان هو بذاته لأنه يقتل الإبداع والتفوق و التميز والنجاح والملكات والمبادرات ويحوّل كل ما هو جميل إلى قبيح ويؤلب الشعب حتى على قيمه ومعتقداته، ولذلك فهو عصا موسى يستعين به الجميع لتحسين صورتهم وتلميعها أمام العامة ليصنع له مكانة داخل المجتمع من خلالها يتوغل في حياة الناس التي لا تخصه لأجل أن يكون محط الأنظار والاهتمام. الحقيقة الإعلام هو العجب العجاب إذا تخلى عن القيم وأخلاق المهنة وأضحى أداة في يد الفاسدين ومرضى النفوس والتابعين للأهواء ولأصحاب المناصب والأموال، فالإعلام حين يريد أن يصنع نجما ذهبيا في الرياضة أو في السياسة أو في أي ميدان آخر فهو يتقصد من خلال النجم المصنوع خدمة أهدافه وغاياته التي يقوم عليها هذا البيدق المصنوع.

و الأدب ليس بعيدا عن السياسة بل إنه يمثل كل مناحي الحياة وبذلك فهو في صميم الصراع يحتاجه الحاكم و المعارض والمال والقوى الخارجية والمستعمر والعسكر والقوى الحية أيضا داخل المجتمع ولذلك نجد غرامشي صنف المثقف وكذلك تكلم ادوارد سعيد عن الخيانة التي ألصقها بالنخب و المثقفين فلا غرابة أن نجد الإعلام يستضيف وجوها على حساب أخرى و أن يتلقف و يفتح ذراعيه وبلاطوهاته وصفحاته و ميكروفوناته إلى من يخدم غاياته و توجهاته و يسدها في وجه الأصوات الحرة التي تصرخ بالحق وتذوب إبداعا وتتوهج عطاء للجميع.

لقد نجح الإعلام إلى أبعد الحدود في أن يضرب سدا و طوقا على المواهب الفذة التي أثبت الزمن بعدها أنها كانت مظلومة و مقبورة بعدما عادت إلى الحياة بينما الأخرى المصنوعة لفضها الزمن ونسيها الصانع ذاته، الشهرة الأدبية والمصنوع منها الكثير على حساب الأصيل كما حلقات الدخان والفقاعات و الجليد الذي تراه الشمس يختفي لأن أمده لا يطول فهو منتهي بانتهاء الصانع أو تغير سياسة الإعلام ذاتها. كثيرون ماتوا في عزلة و صمت ، صحافيون و أدباء و عظماء فكر نسيهم الجميع لأنهم ليسوا من طينتهم وتنكر لهم الأحباب وتذكرهم القليلون. دون أن يقدمهم الإعلام في كل حياتهم وبعد مماتهم لولا الأنقياء من الكتاب كما المطر.

ماذا يقول الغريق لمن يغرقه ؟ وهل يشعر ببرودة الماء و تياره أو يشعر بالبلل ؟ وهل ينظر إلى كل قشة يراها هي النجاة وهل يقوى على رفع يديه للزورق الوحيد الذي تركه ومضى في وسط المحيط؟ هل سيقدم نفسه شفقة لهذا الجلاد القاتل ؟ أم انه سيلتزم الصمت و يموت بكرامة تاركا في قلبه و في حقيبته الكنز الذي لم ينتبه إليه قاتله؟ هل يشعر السجّان بفرح السجين الذي سرق منه حريته التي يوزعها على الناس أشعارا و حكما وقصصا؟ هل يغني مأساته أمام من لا يسمعه ؟ إن الكاتب الحقيقي لا يصنع مأساته لأنه لا ينادي الأموات و لا يحاورهم. بربك لمن هذه الكتب التي تحرق و تباع بالقنطار إذا لم تكن هناك صناعة رديئة ؟ ومن أين يأتي الأدب الجميل لولا صناعة خبيثة للإعلام أفسدته فطهره الأتقياء وبرأه النقاد مما قال وأنصفه العالم الذي يتحرك بالرقمية اليوم.

لا تعليقات

اترك رد