الأمثال حكمة الشعوب


 

يقول الفارابي : المثل هو ما ترضاه العامّة والخاصّة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه فيما بينهم وقنعوا به، وهو أبلغ الحكمة لأن الناس لا يجتمعون على ناقص.

من جهة أخرى الأمثال فن قديم موغل في القدم، لذا هي تختلف في ألفاظها ولكنها تلتقي في مضمونها مع اختلاف مصادرها، قال إبراهيم النظام:” يجتمع في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام :إيجاز اللفظ ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية”

من هنا تتميز الأمثال بقوة تأثيرها وتكثيف لغتها وتماسك صياغتها وايجاز يختزل حكاية المثل وغايته ، هي نتاج خبرة الشعوب وخصائصها ومميزاتها، لذا تجدها في حضارة كل شعب ،تلخص نوادره وتتحدث عن أمور حدثت في تفاصيله اليومية ،حتى باتت حكمة تتناقلها وتستفيد منها الأجيال .

الأمثال الشعبية لها قيمة أدبية كبيرة، من هنا أدرك العرب قيمتها وبلاغتها وتميزها فقاموا بجمعها في كتب للأمثال، منها “مجمع الأمثال” للميداني، “المستقصى فيأمثال العرب” للزمخشري، “جمهرة الأمثال” للعسكري، وعدد آخر لا يقل أهمية منالكتب.

وهذا الإهتمام بالأمثال يعود لما فيها من عبر نستخلصها من الحياة ، بكل أفراحهاوأحزانها بعفوية وصدق وبعيدا عن الرياء، فهي بمجملها تراث فكرى لحياة الشعوب لما تتضمنه من قيم روحية، وإنسانية، فالأمثال الشعبية تختزل قصصا إجتماعيةساهمت فيما مضى وتساهم اليوم في تشكيل سلوكيات المجتمع وقيمه مما يساعد على تماسك المجتمع، خاصة ان هذه الأمثال ليست من فراغ، بل هي جملة موجزة لقصص حدثت بالفعل أو اختلقت لتكون خزان حكمة الشعوب الذي يستفاد منها عند تعرض الإنسان لظروف مشابهة، اضافة الى ان البعض منها يمتاز بالطرافة وفيها أيضا نوادر تستحق المتابعة والاطلاع عليها ضرورة أدبية وإنسانية .

قد تتطابق هذه الأمثال مع أحداث يومية تتكررباستمرار. من جهة أخرى يقتضي التوضيح أنه لا يمكننا الجزم بصحة قصص الأمثـال لأنها غير موثقة وتتضارب الأقاويل حولها، وقد تكون قصة المثل حدثت مع أشخاص آخرين في أزمنة أخرى ولكن بالنهاية تعطي نفس المعنى ومن هذه الأمثال وقصصها نورد بعض الأمثلة :”اللي استحوا ماتوا”:

يُقال أن مجموعة من السيدات في عصر المماليك ذهبن إلى إحدى الحمامات الشعبية المنتشرة في ذلك الوقت،.في أحد الأيام اندلع حريق هائل في إحدى الحمامات الشعبية، فخرجت معظم النساء عاريات، في حين رفضن البعض الآخر الخروج بهذا الشكل أمام الجميع وفضلن الموت، وبُناءاً عليه جاء المثل “اللي استحوا ماتوا”

“اختلط الحابل بالنابل”:

الحابل هو من يرمي بالرمح في الحرب والنابل هو من يرمي بالسهام “يُقال أن أحد رُعاة الأغنام والماعز كان يقوم بتفرقة الأغنام والماعز “المعاشير” أي المليئة بالألبان عن الأغنام والماعز غير المعاشير تمهيداً لبيعهم أو الاستفادة منهم، وفي بعض الأحيان تختلط جميع الأغنام والماعز ببعضهم البعض فيكون رد فعل الراعي “اختلط الحابل بالنابل”

“عصفور في اليد خير من عشرة على الشجر”:

هذا المَثل تحديداً له العديد من الروايات والقصص وكلها تؤدي إلى نفس المعنى؛ وأشهرها، كان هناك شخصاً يحمل عصفور بيده وأثناء سيره وجد مجموعة عصافير على الشجرة، فطمع بهم، ومن شدة الطمع ألقى بالعصفور الذي بيده للصعود إلى الشجرة والحصول على مجموعة العصافير، ولكنه لم يفكر أن العصافير ستطير بمجرد الوصول إليهم.. وبالفعل هذا ماحدث، وبقي وحيدا حزينا على طمعه، ومن هنا جاء المَثل “عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة”

وتبقى الأمثال حكم الشعوب وخلاصة تجاربها..

شارك
المقال السابقدلي سبيح (صبيحة المجنونة)
المقال التالىما تنسمع رحاي

رندة صادق.. اعلامية لبنانية مديرة تحرير عيون وفاء اللبنانية..كاتبة صحفية بعدة صحف عربية..كاتبة عمود أسبوعي في جريدة عٌمان اليوم .. عضو الإتحاد الدولي للإعلاميين
ناشطة اجتماعية وعضوة بعدة جمعية لبنانية وعربية ودولية

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد