الرجل المناسب في المكان المناسب


 

تعتبر هذه المقولة أو العبارة ” الرجل المناسب في المكان المناسب ” ربما واحدة من أهم المقولات و أكثرها تداولا في عالم الإدارة و السياسة, ولها سحر خاص تجعل الكثيرين من الدارسين والعاملين والممارسين في مجال الإدارة يتحدثون بها وعنها، لكن للأسف ربما نجد القليلين من يستطيع فعلا فهم معانيها وتطبيقها على ارض الواقع, ولأسباب عدة ..

كما نعرف جميعا, فأن وظيفة التنظيم ORGANIZING تعتبر واحدة من الوظائف الإدارية الأربعة الرئيسية في المنظمة, والوظائف الثلاثة الأخرى هي, التخطيط PLANNING , التوجيه DIRECTING , والرقابة CONTROLLING , وهذا ما اتفق عليه الأغلبية ..

وتهتم وظيفة التنظيم بأمور ونشاطات عديدة, منها عمليات الاختيار SELECTING والتعيين والترقية PROMOTING في الوظائف التي يتم تحديدها بموجب الهيكل التنظيمي المقرر للمنظمة ..

بالطبع يتم تحديد تفاصيل الهيكل ومكوناته, من إدارات وأقسام وشعب ووحدات, استنادا إلى الأهداف العامة والخطط الموضوعة, كما يتم تحديد تفاصيل المهام والاختصاصات لكل وحدة من هذه الوحدات نزولا إلى مستوى تحديد مهام وواجبات الوظائف والأشخاص الذين يشغلونها, وبالشكل الذي يساهم بنجاح في تحقيق الأهداف وإنجاز الأعمال المطلوبة ..

ويتم الاستعانة عادة لإنجاز هذه المهام التنظيمية الأساسية بعدد من الخبراء والمختصين من داخل المنظمة أو من خارجها, ويتم وضع عدد من النظم واللوائح والقرارات التي توضح وتسهل تنفيذ النظم والتنظيمات المحددة ..

ربما يبدو أن هذا الكلام يسيرا وسهلا وجميلا, لكن الواقع على الأغلب يكون شيئا أخرا، فما تحدده اللوائح والنظم والسياسات, لا ينعكس دائما بنفس الدرجة من التحديد والوضوح على ارض الواقع والتطبيق الفعلي, والأسباب عديدة ومختلفة ..

وهنا تكمن المشكلة, أو ربما ” القنبلة الموقوتة ” التي ربما لا تظهر آثارها إلا بعد فترة، حيث نرى أن شغل الوظائف والمناصب, لا يتم عادة وفقا لاختيار الأفضل من بين البدائل, أو كما يمكن أن نقول ” اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب ” ..

ولذلك عدة أسباب مختلفة, منها, عدم وجود أسس واضحة ومحددة لعملية الاختيار والتعيين, عدم وجود نظام واضح ومحدد ومتطور للتوصيف الوظيفي JOB DESCRIPTION يضع وصفا محددا وواضحا للوظائف الإدارية والفنية والمساعدة وشاغليها في تلك المنظمة ..

كذلك قد لا تكون لمن يقوم بعملية الاختيار والمقابلة والتعيين الخبرة والممارسة والتأهيل الكافي واللازم لكي يكون دقيقا وصادقا في إنجاز هذه العملية، كما يمكن أن تتدخل عوامل شخصية أخرى في ذلك, مثل الصداقة والقرابة وعلاقات العمل NETWORK وغير ذلك، وما نقوله يصح ليس فقط في بلادنا العربية أو الدول النامية فحسب, بل ثبت انه موجود أحيانا في سائر بلاد العالم الأخرى ولو بدرجات متفاوتة ..

إن لسوء عملية الاختيار والتعيين والترقية, والتي تؤدي إلى وضع ” الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب “, تؤدي إلى ظهور العديد من المشاكل والمعوقات, يمكن أن نذكر أدناه بعض منها :

الخلل في إنجاز العملية الإدارية في المنظمة, والخلل في تحقيق الأهداف وإنجاز الأعمال بالشكل المطلوب, من خلال وضع أشخاص غير مناسبين في وظائف ومناصب معينة لأي سبب كان
هدر في الموارد والطاقات, فقد نجد الكثير من الخبرات والكفاءات معطلة أو مستبعدة لسبب أو لآخر عن ممارسة مهامها الحقيقية التي يمكن أن تجيدها وتمارسها على احسن ما يكون, في حين يحل محلها أشخاص اقل خبرة وكفاءة، والإدارة في المنظمة قد تكشف الخلل وتحاول معالجته بشتى الوسائل, بما في ذلك التدريب أو ألمنا قلة بين بعض الوظائف والمناصب, لكن على الأغلب لن يكون ذلك مفيدا, أو أن يكون الوقت قد مضى و تأخر عن العلاج, وهذا كله سيقود بشكل أو بأخر إلى هدر في الطاقات والموارد كان يمكن تلافيه بوضع الأشخاص الأكثر مناسبة في تلك الوظائف ..
أن وجود الخلل وسوء النظام في التعيين والاختيار والترقية, يؤدي إلى تفشي وانتشار الخلل والتسيب وسوء التدبير إلى المفاصل الأخرى للعملية الإدارية في تلك المنظمة, حيث لن يكون هناك احترام للأنظمة والقوانين والقرارات المعتمدة ..
انخفاض وضعف الروح المعنوية لدى العاملين, حينما يجدون أن من هم اقل منهم في الخبرة والكفاءة والاختصاص يشغلون مناصب ووظائف غير مناسب لهم وليست بمستوى خبراتهم وكفاءتهم ..
ضعف العمل أو الخلل في استخدام أنظمة تقييم أداء العاملين والحوافز في تلك المنظمة ..
زيادة حالات التذمر والمشاكل والصراع ما بين الموظفين
انخفاض الدوافع نحو العمل والإنجاز والإبداع
انحراف المنظمة عن تحقيق اهدافها والإبداع والتطور, نظرا لانشغالها بمعالجة مشاكلها والآثار الناتجة عن سوء الاختيار والتعيين، كما إنها تفقد القدرة على مواصلة طريقها في الإنجاز والإبداع نظرا لكون الفاعلين والقادرين على ذلك قد وضعوا في غير المكان الذي يمكنهم فيه الإنجاز والإبداع والتطوير , أو أن تكون أدوارهم قد همِشت ..

يعتبر هذا المفهوم وهذه المشكلة من الجوانب المهمة والرئيسية في العمل الإداري, وقد تناولتها العديد من الدراسات والأبحاث الإدارية، والواقع فأن التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة, ومخرجات حركة العولمة GLOBOLIZATION تجعل العالم يبدو كقرية صغيرة, وتجعل سوق العمل حرة ومفتوحة للاختيار الأفضل بغض النظر عن الجنس واللون والعرق والجنسية, وتجعل المنافسة على اشدها ما بين الشركات والمنظمات حتى ما بين الدول المختلفة، وتجعل الإدارة في أية منظمة دائما على المحك في مجال الإنجاز والتطوير ومواكبة الأحداث والتطورات العالمية, وآلا فأن زمام الأمور سيفلت من بين أيديها، وذلك لن يكون بدون ” وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ” ..

شارك
المقال السابقافراح شوقي .. وجرس الانهيار الأمني
المقال التالىتفخيخ الأطفال..أين العقول..والقلوب!؟
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد