ما بين السلطة والأنوثة …


 

خُلقت القصيدة لتكون أنثى.. والرواية بكل فصولها تلبس شكل أنثى .. القِصة بشعرها القصير أنثى.. والقِصة بشعرها الطويل المسترسل على كتف السطور أنثى.. الحياة بكل مواسمها أنثى.. والوردة أنثى .. والكمنجات أنثى وكل ما على الأرض من جمال أنثى .. والكون يصبح بلا طعم حين يصير بلا أنثى ..

طالما أن الأنثى هي الحياة من الألف إلى الياء؛ لماذا تسعى المرأة إلى إقصاء أنوثتها وتحارب حتى غرائزها لتتساوى مع الرجل إلى حد الاسترجال والتتكر من رقتها ورهافتها التي خُلقت عليها.. وترغب إلى أن تأخذ دور البطولة ولا تدري بأنها تفسد الكون بهذا الدور الهزيل لأن الرجل ليس بطلاً بقدر ما هو دور توجته به القبيلة؛ لأن البطولة أكثر عضلات مفتولة وذكورة ضخمة.. البطولة تكون في الموقف وعظمته الإنسانية أولاً والجمالية ثانياً.. فالمرأة التي تضحي بأنوثتها للحصول على مثل هذا الدور هي تكرر الصورة الهزيلة لكن بوهم اسمه الحرية والمساواة..مثل مساواة القاتل بقاتلة والطاغي بطاغية.

على مر العصور، إلى وقتنا الحاضر، ونحن نسمع ونتابع عن نساء ومنظمات تطالبن بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل وما يزال ملف القضية مفتوحاً لم يُغلق لأن القضية أصلاً مبنية على وهم، وعدم فهم حقيقي لمعنى المساواة.. وقد ساعد المجتمع الذكوري المحترف في صناعة الوهم في عقل المرأة وتستر تحت قناع ” مناصرة المرأة”

المساواة ما بين الذكر والأنثى في الحقوق الاجتماعية هو شيء لابد منه؛ إذ أنه أمر إنساني وأخلاقي ليس له علاقة بنوعية الجنس البشري؛ لكن بعض النساء شطحن بعيداً إلى أكثر من المطالبة بمساواتهن بالحقوق الاجتماعية ورغبن في تقمص دور الرجل في كل التفاصيل مما جعلهن يتحولن إلى مسترجلات، يقلدن الرجل حتى في القسوة والبطش وربما يبالغن في سلوكهن السلطوي..

على مدى القرون الطويلة والرجال هم الذين يحكمون الدول- والممالك- والامبراطوريات؛ ولم ينتج التاريخ إلا حكاماً طغاة وديكتاتوريين.. بعضهم يعاني من انفصام بالشخصية.. وآخر يعاني من جنون العظمة.. وإلى يومنا وهذا النوع من الحكّام هو الذي يتصدر المجلات والعناوين العريضة للصحف.

وحين راود بعض النساء المثقفات والمتحررات، أن يتربعن على عرش السلطة أو تقلد المناصب السياسية والاجتماعية كنا نحلم عندما تحكم القبيلة امرأة في أن تغيّر من نكهة الحلم الذكوري، لنكهة أنثوية تفتح شهية الشعوب لأن تستنشق عطراً جميلاً ناعماً وإدارة البلاد بذائقة نسائية مختلفة عن رعونة القائد الذكر.. لكننا وجدنا بأن المرأة القيادية قد خلعت عنها ثوب الأنوثة وتحولت إلى نصف ذكر وغيّرت من نبرة صوتها الناعم إلى نبرة غليظة، وقصت ضفائر شعرها الطويل وقطعت شريطتها الناعمة؛ وهماً منها أنها بهذا النوع من التقليد تكون قوية أكثر ولكي تثبت للرجل بأنها تملك الصلابة وبأنها ليست ضلعاً مكسوراً كما يتهمها.. وتدريجياً بدأت تنخرط في المجتمع الذكوري وتتطبع بطباعه ورويداً رويداً راحت تتخلى عن دورها الأنثوي وتهمل واجباتها النسائية والعائلية لتحقق حلمها في الوصول إلى دور البطولة.. واخيراً وجدت نفسها داخل دوامة ذكورية لكن بنكهة أخرى؛ فتحررت من قيود الزوج والأهل لتصبح سبية السلطة والأضواء وخسارتها لأجمل ما تملكه وهي الأنوثة..

هذا النوع من النساء لم يعرفنّ الحلول الوسطية؛ إما أن تكون جارية عند سيدها وخاضعة لقانون العشيرة وإما أن تصبح سلطوية مسترجلة وتسجن غرائزها في قفص من أجل الثأر من قبائل الذكور وحتى بعد أن وصلت المرأة إلى مراتب عالية في الدولة هي ما تزال الفريسة التي يطاردها الذكور لكن بوسائل صيد ماكرة تغريها للوقوع في شباكهم وهي راضية ومستسلمة وكلها وهماً أنها لم تعد فريسة وهذا النوع من الوهم والخداع هو أشد عبودية من الشكل الأول لعبوديتها وهي تحت حكم العشيرة.

أن تصل المرأة إلى السلطة هو شيء يستدعي الفرح والغبطة وأن تنال المرأة حقوقها كذلك هو من أعظم الأشياء التي تحققها؛ لكن عندما تقوم بإقصاء أنوثتها بشكل مطلق على اعتبار أن السلطة تتطلب الحزم والشدة هو الأمر الذي شوه الحلم وجعل منها تعيش في تناقضات كبيرة وارهصات نفسية وفقدانها لمشاعر السلام الداخلي لأنها تعيش في حذر وريبة من المجتمع الذكوري ورهاب الخوف من أن تعود إلى جارية لسيدها دفعها للتهور والمبالغة في تأدية دورها كقيادية.

بينما المرأة القيادية الغربية هي لا تشعر بهذا الحجم الكبير من الارهاصات ولا القلق لأنها خُلقت في بيئة مختلفة، فهي منذ صغرها تنال على حقوقها فلا تضطر إلى الدفاع الشرس كما هو حال القيادية الشرقية التي تذبح أنوثتها عند باب معبد السطلة والمنصب..

متى نصحو على حكم امرأة تجعل من أيامنا فردوساً وتعيد رسم الأرض بألوان أنوثية وتحكم بعقلها وعاطفتها لا أن تكون عاطفية بالمطلق ولا أن تكون عاقلة بالمطلق.. لقد أصبح الكون يابساً حين منع الحكام الذكور عنه المطر؛ وصار لابد من حاكمة تكون مثل الغيمة تهطل على الأرض بوابل الحب وتنسج لنا بأصابعها أثواباً ناعمة بدل من المعاطف الخشنة التي نسجها لنا الطغاة الذكور.. كوني رئيسة واحكمي الكون لكن لا تطيحي بعرش أنوثتك ….

لا تعليقات

اترك رد