الأزمة الليبية.. البوصلة تتجه لدول الجوار

 

المتابع للملف الليبي يجد أن وجهة الساسة وأطراف النزاع الحقيقيين تحول من الغرب والشرق إلى دول الجوار العربي، وتيقن الجميع أن الدكثر نجاحا من الدور الدولي في جمع الفرقاء الليبين من اجل حوار فاعل لحل أزمة مستعصية.

تنوعت الرحلات المكوكية لقادة المشهد والصراع الليبي بين مصر وتونس والجزائر، ورغم أن المعلن هو استقواء كل فصيل بدولة تحمي مشروعه وتدعمه له، رغم تأكيد الدول الثلاث أنها تقف على مسافة واحدة من الجميع، إلا أن هناك حراك عربي حقيقي من اجل إنهاء “صداع” التناحر والقتال الليبي الذي يصل صوته إلى حدود الجزائر ومعبر رأس جدير مع تونس وحدود المصر الممتدة مع الشرق والجنوب الليبي.

تونس.. “حاضنة هامة”
رائدة الثورات العربية، والتي انتقلت رويدا إلى دولة مستقرة نوعا ما قياسا بجيرانها، كان لها دور كبير في محاولة حلحلة النزاع الليبي وتقريب وجهات النظر، استضافت عدة جولات للحوار الوطني، بل بدأت هذه الفكرة ودعمتها، وحاولت التواصل مع الجميع، وكان آخرها اجتماع لجنة الحوار السياسي الليبية في سبتمبر الماضي بتونس،بمشاركة ممثلين عن المجلس الرئاسي والبرلمان والأحزاب السياسية الكبرى بالبلاد، وقدشهدت النقاشات تقدما هاماً نحو انفراج نسبي للأوضاع، إثر مشاركة عدد من ممثليمجلس النواب المقاطعين لأعمال لجنة الحوار، بحسب تقارير إعلامية.

إضافة إلى ذلك، الدور الهام الذي تقوم به تونس في تأمين الحدود مع ليبيا، وأهمها منفذ معبر رأس جدير الحدودي، ورغم أنه شهد عدة انغلاقات متتالية، إلا ان الجارة تونس تقوم بدور هام في ضبط الأمن هناك، والمنفذ رسميا مفتوح، ولا يوجد قرار دوليبإغلاقه، لكن الأمن التونسي يغلقه من آن لآخر بهدف التأمين، وهناك جهود من الطرفين لاستمرار فتح المعبر، مع ضرورة التأمين.

كما يوجد دعم سياسي من قبل الخارجية التونسية لإيجاد حل سلمي للأزمة الليبية، كان آخرها ما أكده وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي خلال لقائه المبعوث الأميركي إلى ليبيا جوناثان واينر منذ أيام قليلة بالتأكيد على دعم حكومة الوفاق الليبية والاتفاق السياسي وضرورة إيجاد حل سلمي في ليبيا.

هذا يؤكد أهمية الدور التونسي في البحث عن حل حقيقي لأزمة ليبيا بعيدا عن دعم طرف على حساب آخر، أو استغلال الأزمة للابتزاز او المزايدة، ومن ثم وجب على الطراف الليبية التمسك بهذا الدور ورعايته وتقبله.

مصر.. تراجع ودعم
ورغم ما في مصر من مشكلات اقتصادية وسياسية وأمنية إلا أنها حاسمة في القضية الليبية، نظرا لتخوفات عدة على رأسها التخوفات الأمنية، والحدود المشتركة بين البلدين، ورغم الخطأ الكبير الذي وقع فيه النظام المصري الجديد بدعم طرف على حساب آخر، بدعمه اللواء خليفة حفتر على حساب نظرائه في الغرب الليبي، إلا أن هذه الحسابات تم مراجعتها مؤخرا، وأكدت الرئاسة المصرية على دعمها حكومة الوفاق وضرورة إيجاد حل سلمي للأزمة الليبية، وهو ما أكده عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه وزير خارجيةالجمهورية التونسية ديسمبر الجاري، حيث بحث الوزير التونسي ‘أهمية تفعيل دور دولالجوار في حثّ مختلف الأطراف الليبية على انتهاج الحوار للتوصل إلى حلّ سياسيللأزمة”، وهو ما رحب به السيسي، وتكثيف الجهود من أجل عقد قمة ثلاثية تجمع رؤساءتونس الباجي قائد السبسي، والجزائر عبدالعزيز بوتفليقة، ومصر عبدالفتاح السيسي،لمعالجة الملف الليبي”.

وسبق هذه المباحثات لقاءات جمعت بين السيسي ورئيس حكومة الوفاق ومجلسه الرئاسي، بالاضافة إلى الزيارات المتكررة لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح للقاهرة، وكذلك الزيارات المعلنة والغير معلنة للجنرال خليفة حفتر.

ومهما اختلفنا في تقييم الموقف المصري وأبعاده في الأزمة الليبية ومراهنته على حفتر، إلا ان دور مصر الاقليمي والمحوري لازال حاضرا وقويا، ويعول عليها كثيرا في إقناع أطراف ليبية فاعلة ورئيسة في الصراع من أجل الجلوس على طاولة الحوار والتفاوض.

الجزائر.. الحياد سيد الموقف
وهذه كلمة السر الحقيقية في الل السلمي، حيث حرصت الجزائر على موقفها المحايد على طول الخط، ورغم الضغوطات التي تعرضت لها من أجل دعم طرف لترجيح كفة الصراع إلا أنها رفضت وبقوة، ورفعت شعار “الحل السلمي” هو أقصر وأقرب طريق لحل حقيقي للأزمة الليبية، ومن ثم دعت كل الطراف للحوار، وأطلقت عدة مبادرات لتقريب وجهات النظر، كما أنها استضافت عدة جلسات للحوار الليبي، وحت هذه اللحظة يظل الحياد سيد الموقف الجزائري.

واستمرارا وتأكيدا على دورها المحايدن استقبلت الجزائر ثلاثة اطراف رئيسيين في الصراع الحالي، بدأتها باستضافة رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح في نوفمبر الماضي، وبعدها خليفة حفتر في منتصف ديسمبر الجاري، ثم اختتمت الزيارات باستضافة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فائز السراج، وتمحورت كل المباحثات حول “حل سلمي” للأزمة الليبية بعيدا عن السلاح أو المزايدات.

..هذه التحركات العربية ربما تكون لها الدور الأقوى والأصدق في إيجاد حل حقيقي لأزمة ليبية مستعصية وتقريب وجهات نظر أطراف النزاع الرئيسين، بعيدا عن إملاءات من الخارج أو ضغوطات غربية تضع مصلحتها في المقدمة.. لكن ستنجح هذه الوجهة العربية للساسة الليبية فقط عندما يكون الدعم الاقليمي حقيقي ومحايد ومعلن..وهذا ما انتهجته الجزائر والرهان على عودة مصر لهذا التوجه ومن ثم تونس تقوم بالواجب تجاه القضية الليبية.

المقال السابقليالي الأنس في فينا .. ليالي الألوان العاشقة
المقال التالىاناهيد الناي ورقصة “إنانا”
كاتب صحفي مصري، وباحث سياسي مهتم بقضايا الشرق الأوسط وعلاقتها بالفاعلين الدوليين، دراسات عليا في المفاوضات الدولية، كلية اقتصاد وعلوم سياسية، جامعة القاهرة، متخصص في الشؤون العربية والدولية، له عدة دراسات حول ملف المغرب العربي وخاصة الملف الليبي، رئيس لجنة العلاقات الدولية بالنقابة العامة للعاملين ب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد