“فكر – 15” والتكامل الثقافي


 

اختارت مؤسَّسة الفكر العربي هذا العام “أبو ظبي” لعقد مؤتمرها السنوي “فكر – 15″، لسببين مهمّين: الأوّل – الذكرى الخامسة والثلاثون لتأسيس مجلس التعاون الخليجي، والثاني – الذكرى الخامسة والأربعون لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة. والحدثان البارزان لهما علاقة بتجارب العمل العربي المشترك، حيث كان قد تقرر الأمر في مؤتمر “فكر – 13” المنعقد في الصخيرات بالمغرب، والذي تم تنفيذه بالتئام مؤتمر “فكر – 14” بالقاهرة.
وقد استند مؤتمر “فكر – 15” إلى “فلسفة السؤال” ضمن منهجية اعتمدت على عدد من المحاور والاستراتيجيات التي تنطلق من فكرة التكامل العربي وتصب فيه، خصوصاً ببحث المستجدّات والمتغيّرات، استمراراً لمؤتمر “فكر – 14″، الذي انعقد تحت عنوان “التكامل العربي” بمناسبة مرور 70 عاماً على تأسيس جامعة الدول العربية، بتشجيع أجواء الحوار وتوفير المناخ المناسب لتبادل الرأي والتفاعل والتواصل، لبحث ما هو مشترك من جهة، ومن جهة ثانية الوقوف عند التحدّيات والعوائق التي تواجه العرب، والتي تحتاج إلى مواجهة مشتركة، خصوصاً وأن تبعاتها لا تعود على طرف بعينه، بل إن تأثيراتها ستكون على الجميع، فالجزء يتأثّر بالكلّ، بقدر ما يؤثّر فيه.
وإذا كان العالم يتّجه إلى التعاون والعمل المشترك من خلال إقامة كيانات كبرى وتجمّعات إقليمية ودولية أبعد من حدود البلدان وسيادتها، فالأوْلى بالعرب التقارب والتعاون، لا سيّما وأن ما يجمعهم من مشتركات هو أكثر بكثير مما يجمع الآخرين، الأمر الذي يستوجب تعزيز ثقافة التعاون والعمل المشترك، لا سيّما بوجود مصالح وأهداف مشتركة تتعلّق بالمصير العربي ذاته، والهويّة العربية بشكل عام، ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون استقرار سياسي وأمني ومن خلال ممارسة فعلية بتوفّر إرادة سياسية فاعلة وواعية بالمخاطر التي تهدّد الأمة العربية على الصُّعد الثقافية والاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية، ليس بحاضرها فحسب، بل بمستقبلها.
وكانت أسئلة مؤتمر “فكر – 14” قد وضعت مكانة مهمّة للتكامل الثقافي بالدعوة لتعزيز ثقافة المواطنة والانفتاح والتسامح وقبول الآخر في المجتمعات العربية، للإدراك المشترك بأهمية توفير الأبحاث الضرورية لتنفيذ قرارات التكامل العربي ومشروعاته التي سبق لجامعة الدول العربية ومؤسساتها أن اتخذتها، فبعضها لا يزال معطّلاً، أو تم وضعه على الرف، أو أن بعضها الآخر حالت الخلافات دون مواصلته، علماً بأن الكثير من المستجدّات تتطلّب إعادة القراءة لـ “مواجهة التطرّف والإرهاب والتدخلات الخارجية ومخاطر حرب الشبكات والحروب الفضائية”.
وإذا كان الهدف هو بناء اقتصاد المعرفة المنتج والمؤسّسات الإنتاجية الزراعية والصناعية والتجارية والخدماتية، استجابة لحاجات المواطنين والأجيال القادمة، فإن الاستثمار الأول في التعاون المشترك ينبغي أن يكون في قطاع التعليم والتربية والقضاء على الأمية التي لا تزال مستفحلة في العالم العربي، حيث تقدر بأكثر من 70 مليون إنسان.
وقد خصَّصت المؤسّسة تقريرها السنوي هذا العام لدراسات وأبحاث لها علاقة بموضوع مؤتمرها، تحت عنوان “الثقافة والتكامل الثقافي في دول مجلس التعاون: السياسات والمؤسسات، التجليات” وهو التقرير التاسع للتنمية الثقافية الذي تصدره المؤسسة. ويأتي هذا التقرير بمواضيعه والمشاركين فيه، تأكيداً لأهمية الثقافة والمثقفين في التنمية وفي عملية البناء من أجل تطوير المجتمع، وهو تقرير متميّز لتركيزه على الحياة الثقافية والمشهد الثقافي بكل ما يتميّز به من حيوية وغنى وتنوّع.
وكما هو واضح من عنوانه، فالتقرير يتكوّن من ثلاثة أبواب، حيث بحث الباب الأول في السياسات والاستراتيجيات من خلال قراءة نقدية للتنمية والاستراتيجية الثقافية. أما الباب الثاني فقد عرّف بالمؤسسات والهيئات الثقافية، سواء كانت حكومية أو غير حكومية، من منتديات أدبية وثقافية، إلى مراكز الأبحاث والدراسات إلى جمعيات اللغة العربية والمراكز الثقافية والمتاحف وغيرها، ولفت التقرير الانتباه إلى دور المرأة ومشاركتها في الحياة الثقافية. وكان الباب الثالث مشوقاً بتسليطه الضوء على جوانب من الإبداع الثقافي في الخليج، قصة ورواية وشعراً ومسرحاً وسينما وفنون بصرية، مثلما قدّم سجلاً بأسماء هيئات ومؤسسات ومراكز أدباء وفنانين وعاملين في الوسط الثقافي.
يمكن القول إن التقرير قدّم مادة ثقافية علمية موثّقة تكاد تكون لأول مرة بهذه الدرجة من الاتساع والشمولية، الأمر الذي يمكن اعتماده مرجعاً أكاديمياً للباحثين والمهتمين بمختلف الاختصاصات والفروع، ولا سيّما الثقافية، إضافة إلى المسؤولين من صنّاع القرار، وكل من يريد فهم التطورات في الواقع العربي الخليجي بكل تضاريسه. وأعتقد أن مؤسَّسة الفكر العربي بإصدارها مثل هذا التقرير تكون قد افتتحت بُعداً جديداً في تقارير التنمية العربية، ألا وهو البُعد الثقافي الذي غالباً ما يظل مستبعداً، أو أقل اهتماماً وأدنى استدعاءً من بقية الأبعاد الأخرى، السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية وغيرها، وهو ما دأبت عليه منذ العام 2008.
وسبق أن ركّزت تقاريرها على التعليم والإعلام وحركة التأليف والنشر والمعلوماتية والإبداع، إضافة إلى ملفات الحراك الثقافي، وكل ما يتعلّق بمعوّقات التنمية، كما خصّصت المؤسّسة تقاريرها لاحقاً لجوانب أخرى راهنة، مثل اقتصاد المعرفة والتكامل المفقود بين التعليم والبحث العلمي وسوق العمل، والربيع العربي بعد أربع سنوات. والتقرير الجديد حسب تقديري بقدر ما هو مبادرة تخص دول مجلس التعاون الخليجي والثقافة الخليجية، فإنه في الوقت نفسه يمكن أن يؤسس لحالة عربية، سواء لبلدان المشرق أو لبلدان المغرب، بحيث يمكن مقاربة مشهدها الثقافي بصورة بانورامية، وذلك بإعلاء شأن الثقافة والمثقفين وقيم الخير والجمال والأمل، كما يمكن أن يسهم في إرساء قيم العمل المشترك والتعاون لما فيه احترام حقوق الإنسان وتعزيز سقف الحريّات وإشاعة التسامح ونبذ التطرّف ومواجهة الإرهاب، وتحقيق التنمية المستدامة بجميع جوانبها، خصوصاً وأنه يمثّل جهداً متميّزاً وإن كان مختلفاً ومتفاوتاً في مستواه، لكنه بشكل عام يبقى عملاً نوعياً رائداً بحاجة إلى رفد وتراكم بكل ما هو جديد، وما يندرج تحت هذا العنوان بكل تفاصيله وتشعباته.
وإذا كانت السياسة قد أبعدت العرب عن بعضهم بعضاً، فإن بإمكان الثقافة والتكامل الثقافي تقريبهم إلى بعضهم بعضاً، والأدب والفن والثقافة بكل فروعها وألوانها وسيلة عملية وإنسانية للتواصل والتفاعل البشري.

لا تعليقات

اترك رد