الإصلاح والعقد الاجتماعي العربي ج٩


 

منذ استقلال الدول العربية وإرهاصات بناء الدولة الحديثة وتوالي الهزائم والمؤامرات واختلاط أوراق العلمانيين وظهور الإسلام السياسي على الساحة، فوت العرب فرصة بناء دولهم القائمة على التعدد والعدل والمساواة ومنفتحة على الآخر وذات مشروع وطني وقومي يمكن المجتمع العربي من تحقيق رقيه الحضاري والتطلع نحو المستقبل بكل أمان وأمال.

لقد فشلت معظم الدول العربية في عملية الدمج الإجتماعي لجميع أطياف ومكونات المجتمع، وذلك راجع بالأساس إلى غياب دولة مواطنة تضمن الحقوق وتحقق المساواة وتحترم الإختلاف والتنوع بين كل مكونات المجتمع العربي.

وهذا الاندماج أو الدمج الإجتماعي هو في الأساس عمل نهضوي لا يمكن تحقيقه إلا في سياق دول وطنية حديثة ذات مؤسسات قوية وفعالة، لكن غلو مفاهيم العشيرة والقبيلة على الواقع العربي وزاد من ترسيخ هذا الموروث تحول هذه المفاهيم إلى أحزاب وكيانات منغلقة على نفسها تسعى إلى تحقيق أهداف ضيقة وأحيانا لمصالح أجنبية بعيدا عن الصالح الوطني العام.

إن سيطرت زعماء العشائر والقبائل ورجال الدين على المشهد الثقافي والإجتماعي عطل إلى حد كبير عملية الإصلاح والنهضة ورسخ بالمقابل هويات متنافرة ومتطاحنة أحيانا، دون أن ننسى بعض التيارات المثقفة التنويرية والتي سعت إلى إيصال أفكارها ومشاريعها لكنها نادرا ما نجحت في ذلك.

تميز هذا المجتمع بطابع الأهلية وروابط العائلات الكبيرة والهويات المحلية وعصبية المنشأ الإثني والعرقي، ولم تتطور فكرة الوطن والمواطنة بمعناها الحقيقي والتي تسمح بميلاد مجتمع مدني حديث ينصهر فيه الإختلاف وتتعايش الأفراد والجماعات في إطار مفهوم الوطن.

هته الترقيعات السياسية كانت سببا أيضا في الإنفجار الحاصل حيث التفسخ المجتمع وتصارع الهويات العصبية وتفاقم الهوة بين السلطة المتعبة والشعوب التائهة بدون بوصلة، هذا الإنفجار وضع الدول العربية أمام واقعها البئيس وعرى عن مساوئها وعوراتها وبناها الهشة التي لم تتأسس على مبدأ المساواة كضامن لاستمرار الدولة وتطورها.

الوطنية كمفهوم هي عنصر توحيد لجميع الفئات المجتمعية حين فشلت العلمانية والإسلام السياسي في احتواء الأزمات وجمع الشتات، فمفهوم الوطن يجب أن يعلو على كل النزاعات العرقية والإثنية وإعادة جبر انحلال الروابط الوطنية داخل مشروع وطني نهضوي للحد من تفسخ المجتمع وتمزق الهوية والدعوة إلى التعايش داخل إطار عروبة حضارية.

ومفهوم الوطن هو أحد مفاهيم المدنية الحديثة، وكان من المفروض أن يساهم في عالمنا العربي في الدمج الإجتماعي وتكوين هوية قومية. لكن سواء العلمانيون أو الإسلام السياسي أداروا ظهورهم لهذا المفهوم لأنه في كلتا الحالتين كان يتم إقصاء الآخر المختلف فكريا أو دينيا أو إيديولوجيا وهذا سبب كافي لفشل كلا التيارين في خلق دول حديثة. ناضل العلمانيون من أجل إقصاء الدين وليس فصله عن السياسة في حين ناضل من سيس الدين إلى رفض الآخر وأحيانا عدم الإعتراف به.

فمعظم الدول العربية بعد استقلالها فشلت في بناء نظام حكم عادل فلجأت إلى حكم تسلطي لضمان عدم تفسخ المجتمع ولم تسعى إلى تطوير هوية قومية ووطنية صلبة جامعة لكل الهويات الأهلية وضامنة لحقوق وواجبات جميع أفراد المجتمع.

فمفهوم الدولة وهويتها وشكلها في الوقت الراهن وحتى في فكرنا المعاصر لا زالت معالمها لم تتضح بعد، فما هو شكل الدولة الذي يمكن أن تكون عليه بعد الدمار، وما هي الإستنتاجات التي يمكن الخروج بها لنشكل نواة أولى لبناء هته الدولة وإيجاد فهم مشترك لفك التناقضات وتوحيد الموقف وفض النزاعات والخلافات رغم المؤشرات العديدة على غموض الرؤية وتزايد التناقضات في الفكر السياسي العربي. إذن ما هي العلاقة أو النقاط التي تجمع أو تفرق بين الدولة الوطنية والدولة الدينية كبداية لفك لغز هته التنائية؟

8 تعليقات

  1. تحياتي للاستاذ عبد الله، مقال مهم وفيه من الوضوح ما يكفي لوضع اليد على اساسيات الفشل في قيام دولة المواطنة، ومثلما تفضل الاستاذ فائز السعدون فان عمليات الاجهاض المتواصلة للتجارب خلقت عدم التواصل والاستمرارية من جهة وخلقت ايضا التخوف من سيطرة القوى المنافسة من جهة مما دفع القوى الماسكة بالسلطة الى التفرد والى استخدام العنف والاتجاه نحو الدكتاتورية وعبودية الفرد، ومن تراجع الى اخر حتى وصلنا الى نمو الانتماء القبلي وسيطرة العشيرة ورجال الدين معززين بالسلاح لتنتهي فرص النهوض وبناء دولة المؤسسات.. شكرا لقلمك الجميل

  2. لم تنهض أوروبا الا بعد ان قامت بفصل الكنيسة عن السياسة .. ولابد لنا ناخذ دروسا من تجارب الاخرين والتي كانت من اهم عوامل الرقي والتقدم الحضاري في النهضة الأوروبية .. لذا لابد من نشر الوعي الثقافي لمحاولة وصول مجتمعاتنا الى الرضوخ لفصل السياسة عن الدين وتأكد سيدي الفاضل حينها سنكون فعلا خير أمة اخرجت للناس
    تحياتي لك وشكري لهذا المقال .. احسنت

  3. اعتقد أن الدولة بمؤسساتها ليست مسؤولة عن المحور الأساس لمجمل هذه الصراعات، ولعل تورط بعضها في ما وصل إليه الحال فيها، عائد لمحاولتها التدخل في خلاف يتكئ على البنى الفكرية المغلوطة وبناء المجاميع المتكتلة على أساس منها بتصور الانفراد بامتلاك الحق والحقيقة وبتحكم الإقصائية وكراهة اﻵخر المختلف في كل من تلك الكتل على اختلاف ما حملت من مسميات وما رفعت من شعارات .. وهذا أمر لا سلطة فعلية للدةلة بأجهزتها عليه

  4. كلام سليم أستاذ عبدالله فمنذ سقوط دولة الخلافة الأسلامية الى الأن لم تستطيع الدول العربية أقامة دول مدنية حديثة , تقوم على أسس الديمقراطية والعدل والمساواة وسيادة القانون والتعددية وقبول الأخر وتعزيز قيم المواطنة فما زلنا نقبع تحت حكم الأفراد والتسلط والأستبداد والقمع لذلك تجد مواطن غير منتمي ومجتمع متفكك تحكمه المصالح الشخصية والشللية وأصحاب الأجندات الخاصة اللذين تتعارض مصالحهم مع اقامة دولة يسودها القانون مما أدى الى انتشار الفساد الذي نخر مفاصل الدول ،اما الدين فقد اتخذه البعض وسيلة للوصول الى السلطة في بعض الدول وفي دول أخرى تم محاربته وتصنيف الجماعات الأسلامية على انها ارهابية ..تحياتي وتقديري

  5. رأيي المتواضع أن أساس البلاء في العالم العربي وألأسلامي هو الإستبداد والتسلط أولا الذي يمنع الشعوب من التعبير عن حريتها وإختياراتها
    ثم يأتي الفهم الإقصائي الاستبدادي المنظم من قبل جماعات علمانيه أو إسلاميه …لا تتقبل الاخر بل تضع يدها في يد الحاكم المستبد للتنكيل وإقصاء الطرف الاخر..كتجربتنا في مصر من الخمسينات وحتي الان
    ولم ينج من ذلك الا التجربه التونسيه اخيرا بعد رأت رأس الذئب الطائر في مصر
    وقد تكون لي مقالات حول هذا الجانب
    تحياتي اخي عبد الله العبادي

  6. في العراق على سبيل المثال هناك ديمقراطية وانتخابات وجميع الاحزاب الممثلة في البرلمان او الحكومة اسلامية كانت او علمانية لم تحصل على مواقعها بانقلاب عسكري انما جاءت بواسطة صندوق الاقتراع ، والظاهر على الساحة السياسية العراقية اليوم هو نزاعات على السلطة بين الاحزاب الاسلامية نفسها قادت البلد الى الدمار الشامل وقادت الشعب الى التفكك والضياع والسقوط في مستنقع الحرب الطائفية والمذهبية والاثنية والقومية .. رغم ان اساس جميع المعظلات التي تعيشها الدول العربية اليوم هو تسلط الاحزاب الاسلامية الشمولية الدكتاتورية على جميع مظاهر الحياة في هذه البلدان وعجز القوى المدنية الليبرالية كواقع حال من ايجاد قواسم مشتركة مع هذه الاحزاب تمت الى الوطنية والحرية للعمل على بناء دول المؤسسات والقانون والعدالة الاجتماعية ، إلا أن السبب الرئيسي يكمن في صندوق الاقتراع نفسه عندما استخدمته شعوب لاتفقه معنى الثقافة الديمقراطية والحرية والمدنية والعدالة ولاتزال الاحزاب الاسلامية بما تحمله من افكار وايدلوجيات ممنهجة دوليا مستمرة في غسيل الرؤوس للشعوب العربية وقولبتها بالقالب الديني المتطرف الذي يشكل لهذه الاحزاب درعا فولاذيا لاتقوى على اختراقه ثقافة السلام والمدنية والحضارة .. تقديري للاستاذ عبدالله العبادي على هذا المقال المهم

  7. وسيبقى الحال على ماهو عليه … وهذا الفشل سيجر الى مزيد من الفشل والخيبات ولن تقوم للعرب دولة ديمقراطية متحضرة وستبقى اقطاعات تدار من قبل الدول الكبرى وحكامها موظفون تستبدلهم الادارات العليا متى شاءت طالما بقيت الاسباب قائمة 1- سلطات وحكومات العرب اما وراثية او انقلابية .2- مؤسساته الدينية متخادمة مع السلاطين وتسعى الى تجهيل واستحمار الناس وخاصة في الفقه السني والوهابي توجد فتاوى تحرم الخروج( الثورة ) على السلطان وان ظلم وفسق وفجر 3- انقسام الشعوب العربية على حالها وميلها للتخندق المذهبي والطائفي 4- توجهات الاجيال العربية على تعاقبها اخذت منحيين / المنحى الاول الاستسلام للواقع والرضوخ لتوجيهات رجال الدين . والمنحى الثاني التأثر بقشور الحضارة الغربية والتقليد الاعمى للسلوكيات المنحرفة فيها والعزوف عن مجاراتها علما وابتكارا وثقافة وتحضرا .

  8. أصبت مقتلا استاذ عبادي …لقد نبشت الجرح الغائر و حاولت الولوج إلى عمق القضية ..قضية وطن عربي تاهت منه هوية و تبعثرت حضارة و تشتت جهود و مساعي سدى …قبح الله جهل ساستنا و حمق قادتنا و رعونة مسؤولينا

اترك رد