تركيا … استحقاقات التحوّل!


 

باي سياق يقرأ اغتيال السفير الروسي في تركيا؟ وهل الحادثة بصورتها التراجيدية المثيرة، منعزلة عن الواقع السياسي التركي المحتدم بالتناقضات، لاسيما في السنين الاخيرة؟ …

عندما وقع الانقلاب العسكري، صيف هذا العام، ضد نظام اردوغان، هلل البعض له، لكني قراته في سياق اللعبة الكبيرة التي يمارسها الكبار في منطقتنا، وفي مقدمتهم اميركا، لوضع خارطة جديدة لها. لقد جاء هذا الحدث الذي مازالت تركيا تعيش على وقع ارتداداته الداخلية والخارجية الخطيرة، في وقت حساس جدا، كانت تركيا تخوض فيه صراعا خفيا مع واشنطن، التي تنفذ رغبة اسرائيل في اقامة دولة كردية، تمتد من مناطق نفوذ السيد مسعود البارزاني حتى شمال شرقي سوريا، على امل ان تلتحق بها فيما بعد بقية مناطق كردستان، في العراق وتركيا وايران . وقد صرح اردوغان قبيل الانقلاب، بما معناه، ان هناك من يدعي صداقة تركيا لكنه يعمل بالضد من مصالحها، وكان يقصد بالتحديد، اميركا، التي ذهبت بعيدا في دعمها اكراد سوريا، تحت ذريعة محاربة الارهاب، الذي جاءت به الى المنطقة ارادة دولية واقليمية لتنفيذ اهداف كل جهة، وكلها تلتقي عند اسقاط او خلخلة الانظمة في سوريا وغيرها، لترتيب الاوراق من جديد، بعد ان ياخذ كل مجتهد نصيبه!

قبل كل هذا وفي سياق المعركة الدولية في سوريا، برزت مشكلة جانبية، سيقدمها الاعلام الموجّه باسم (كوباني) المدينة الصغيرة التي صارت المدخلالابرز لظهور اكراد سوريا على الساحة، بصفتهم قومية لها قضية، ينبغي ان يدعمها المجتمع الدولي وفي المقدمة منه واشمطن طبعا، لكن الاتراك قرؤواالرسالة على انها استهداف لأمنهم القومي.

ومن دون ادنى شك، كانت لايران القراءة نفسها من المشروع الاميركي الاسرائيلي في المنطقة، لكنها تصدت له بآليات مختلفة عن الاتراك، ليقينهابانها ستكون الهدف القادم بعد سوريا، او بعد ان يصبح العراق، في مهب العاصفة الاميركية التي لن يقف بوجهها شيء من اجل الوصول الى نهاياتها، وهو ما كان يدركه العراقيون كذلك، لان انهيار الوضع في سوريا سيجعل العراق الميدان الدموي القادم قبل ان تقطّع اوصاله، وسيتم عمليا رسم الحدود بالدم، وهو ما كان كثيرون يتوقعون حصوله، بل ان السيد مسعود البارزاني، قال في بداية الازمة السورية وفي سياق قراءته المحتملة لمخرجاتها، ان النظام السوري ساقط لامحالة! وفي تلك السنين، تحولت اريبل الى قبلة القوميين الاكراد من دول الاقليم استعدادا للمرحلة القادمة.

انتهت تلك الصفحة (كوباني) من الصراع والتي شهدت جدالا اميركيا تركيا طويلا، بعد ان اذعنت واشنطن في نهايته لشروط تركيا وفتحت الاخيرة قاعدة انجرليك الجوية امام الاميركان لاستخدامها (للحرب على الارهاب) ومن ثم اندفعت تركيا في سوريا لتحاصر الاكراد هناك وتمنع تمددهم، الامر الذي وضع المشروع الاميركي الاسرائيلي في مهب الريح او في فوضى حقيقية،اذكاها تردد اوباما وضعفه، بعد ان تدخلت، وبقوة، روسيا، التي تأكدت منانها ستحاصر جيوسياسيا بعد انهيار سوريا، لان تداعيات هذا الحدث ستكون اكثر تراجيدية من احتلال العراق، الذي كان بداية لهذا المشروع.

عاد القلق التركي من جديد هذا العام، اذ صار اكراد سوريا يتقدمون عسكريا مرة اخرى لهدف انفصالي، شبه معلن، وبدعم اميركي كبير، فيما العراق يخوض حربه الطويلة والمرهقة ضد داعش، وفي هذه الاجواء جاء الانقلاب التركي، الذي لو نجح، كان سيمهد الطريق امام تغييرات جوهرية في موقف تركيا تجاه اميركا، او لعل الاميركان ارادوا من الاتقلاب وسيلة لجعل تركيا دولة مخلخلة ومضطربة داخليا لحين اكتمال ترتيبات المنطقة.

كنا قد توقعنا ان الضغط الاميركي باتجاه اقامة كيان كردي شمالي سوريا، سيدفع بتركيا الى التوجه نحو المحور المقابل او المنافس، ونقصد محور روسيا ايران ومن يقف معهما، ولو كتكتيك لاحراج الاميركان وحلفائهم لتجاوز الخطر الداهم، وهو ماحصل، لان الدولة الكردية اذا ما قامت فعلا، فان من الصعب على تركيا السيطرة على اكرادها، او ان الواقع الجديد سيفرض معطياته على الجميع بما فيهم ايران وستبدا حقبة جديدة من تاريخ المنطقة والعالم. لكن ذلك لم يحصل، وروسيا بتدخلها المباشر احرجت الاميركان وحلفائهم، ووضعت تركيا امام حسابات عليها ان تقراها جيدا، فلا النظام في سوريا يسقط بقوة السلاح، ولا تركيا الاردوغانية التي ظلت تمني النفس بحكومة اخوانية تحفظ لها مصالحها في سوريا، قادرة على ان تكون اللاعب الاهم في الساحة السورية، منوهين هنا، بان الاخوان المسلمين السوريين، حلفاء اردوغان يرفضون حكما ذاتيا للاكراد، وهو ما اكدوا عليه منذ بداية الازمة واتخذوا من المدن التركية ميدانا لوجستيا لنشاطاتهم المختلفة ضد النظام في سوريا وضد الاكراد ايضا.

هل باتت نهاية الحفلة الدموية في سوريا حقيقة؟ .. يبدو الامر كذلك لاسيما بعد معركة حلب، التي اتت في سياق قراءة روسية ايرانية تركية، اتفقت على ما هو ستراتيجي واختلفت على ما هو تفصيلي او مصلحي آني. وسؤال اخر يفرض نفسه، هو؛ هل تم تدمير المشروع الاميركي الاسرائيلي في المنطقة؟ .. يبدو الامر كذلك ايضا، وان كانت معركة الموصل لم تحسم بشكل نهائي بعد، لكنها في طريقها الى الحسم بعد ان تم تطويق المدينة وبات تحريرها مسالة وقت.

كل هذا يجعلنا نقرا ما يحصل مؤخرا في تركيا من عمليات ارهابية متلاحقة، وبشكل غير مسبوق، على انه ردود افعال غاضبة من خروج انقرة على الحليف الاميركي، لتعيد من جديد، حساباتها التي يبدو ان اردوغان صادق عليها وطوى صفحة الحسابات القديمة، ليبدا ولو مضطرا، مرحلة جديدة من التعاون مع روسيا وايران لينقذ راس الدولة التركية المهددة بالتمزق، وكان على تركياان تدفع ثمن هذا، الذي بدا بالتفجيرات المستمرة في مدنها، وانتهاء بفاجعة اغتيال السفير الروسي الذي لم يكن الرسالة الاخيرة، التي وصلت، لكن بشكل متاخر ..على ما يبدو!

المقال السابقالإصلاح والعقد الاجتماعي العربي ج٩
المقال التالىشعب سوريا .. الحي الميت!!
عبدالامير المجر : اديب وكاتب سياسي وصحفي من مواليد ميسان - المجر الكبير 1962 .. عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق وعضو نقابة الصحفيين ..صدرت له اربع مجاميع قصصية وروايتان .. عمل في الصحافة العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي ويكتب في العديد من المواقع الالكترونية العراقية والعربية .......
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد