الجسد بداية ، ومنتهى


 

مازال الجسد أحد أكثر أبعاد الإنسان تعقيدا ، إن لم يكن أكثرها على الإطلاق . وهامش المساحة التي يتحرك فيها واسع جدا يتراوح بين اعتباره عورة يجب أن يــُغطّى بالكامل ـ وهو ما تكرسه ثقافة النقاب ـ و اعتباره حمـــّالة لقيم الحرية بكل أبعادها ومعانيها سلبا وإيجابا ، والتي تصل منتهاها مع حركات ومنظمات مثل منظمة فيومن رايتس والتي ترفع شعار ” جسدي ملكي ولي مطلق الحرية في التصرف فيه ” وتواجه ناشطاته من النساء مجتمعاتهن بصدور عارية ، حقيقة لا مجازا .

مازال الجسد يتصدّر الواجهات الإعلانيّة ، وعروض البيع والشراء ، وهو أوّل ما يتم التنكيل به في الحروب ، ومازالت الإسقاطات والرغبات تحصل على الجسد أكثر من غيره ، فمنطق الانتقام وفرض السّطوة يمرّ عبر الجسد بالسّبي قديما وحتى حديثا عندما أحيت داعش تلك العادة ، ولا أظن مشاهد اقتياد النساء الأسيرات مكبّلات أو مشاهد رجم بعضهن ستسقط يوما من ذاكرة من عايشها . وسيبقى الجسد يُسيل اللعاب ، فيكفي صورة إغراء لنجمة من النجمات حتى تغطي على أخبار الحرب والجوع والكوارث بكل مآسيها. ومازالت صناعة الجمال تتصدر الصناعات العالمية الكبرى في قدرتها على التسويق .

وعلى مر العصور ، لم يخلُ قانون وضعي أو سماوي أو حتى ديانة وثنيّة من تنظيم علاقة الإنسان بجسده وتحديد ضوابطها ، وفي كل مكان كانت كل شعوب العالم ومازالت ، تلقي بثقافاتها على الجسد فيتحوّل إلى رمز حامل يختصر تاريخها وذوقها الجمالي وعاداتها وموروثاتها .

بل إن مفكّرا في حجم فرُويد عندما تحدث عن محرّكات التاريخ في كتابه ” الحبّ والحرب ” لم يخرج عن اعتبار الغريزتين الأساسيتين المحددتين لكل الفعل الإنساني على الأرض هما غريزتا اللذة والقتل بما في ذلك من حضور طاغ للجسد في بعديه : المتعة والألم .

من أين للجسد هذه السطوة ؟ ولماذا يحوز تلك الأهمية ؟ وهل أن علاقتنا بأجسادنا سويّة بما يكفي في ظل هذا الحضور القوي له سلبا وإيجابا ؟

عندما نتحدث عن سطوة الجسد وعن توظيفه وعن تصوراتنا له ، غالبا يكون المقصود بذلك هو جسد المرأة ولا يمكن أبدا للمقاربات الأخلاقية الممجوجة أن تفسّر ذلك ، فقولنا أن هذا عري ودنس وتلك امرأة سلعة ، لن يحلّ إشكال الجسد وسطوته، وهو نفس الأمر عندما نطلق أحكامنا على النقاب في قولنا أن تلك المرأة حرمة ومهيضة الجناح وجارية .. المقاربات الأخلاقية تعطي أحكاما ومعايير ، لكنها لا تستطيع أن تفسّر العالم ، وهي عندما تطلق تلك المسمّيات ، تنمّط فهمنا للأشياء وتحشر المفاهيم في خانات تتحول بمرور الزمن إلى قوالب جامدة .

ولا نبالغ إن قلنا أن أحد محددات التحول الحضاري للشعوب يمكن رصدها من خلال تحوّل الجسد والنظرة إليه ، شأنه شأن المعطى الاقتصادي والسياسي .فعندما نعود مثلا إلى البيئة العربية وهي بيئة كانت محافظة جدا في نظرتها للجسد ، نرصد تحولات جمّة ، ونوعية . يمكن أن أحدّد طرفيها في نموذجين أنثويين ،يعكسان تلك التحولات : النموذج الأول هو نموذج الفنانات ولا سيّماالمغنيات اللواتي طفون على السطح في العشرية الأخيرة واللواتي رفعن سقف العراء والغنج عاليا ، حتى لم يعد لتلك المفاهيم الثقافية المتوارثة حول حرمة الجسد من معنى ،و ذهبن بعيدا في كل شئ ، وقد استفزني خبر يوما ما حول ما يحوزه الفنانون العرب من ثروات ، فإذا بإحداهن وهيالنموذج الأوفى لهؤلاء الفنانات والتي لا تملك صوتا يـُذكر ، ولا فنّا يُذكر ، تحوز حجم ثروة أكبر مما حازته السيدة فيروز بكل تاريخها الفني و بكل ما قدمته لهذه الرقعة الجغرافية من فنّ راق هذّب العقول والأرواح والضمائر ، ولا أظن أنّ اثنين يختلفان حول مسالك حيازتها لتلك الثروة التي كان فيها الجسد بما يملكه من جمال طبيعي وصناعي ّ ، وبالغنج الطبيعي والمتكلف ، أداة لا تخطئ سبل الإثارة والتأثير في بيئة عربية تفتح عيونها على مصراعيها أمام جسد يتلوّى .

أما النموذج الأنثوي الثاني ، فهو نوال السعداوي بكل تطرّفها ، والتي شطّّت في معاداة ما اعتبرته الجسد / السلعة ، حتى أنها واجهت العالم بشعر أبيض بلا أصباغ ، ووجه خلوٍ من المساحيق في معاداة صريحة للتجميل تعبيرا عن نظرة للجسد تترفع عن اعتباره بضاعة يــُتاجر بها أو سلعة للعرض ، هي المفكرة التي كتبت في الطب وفي علم النفس وفي الرواية ، وشطّت بعيدا في كل ذلك حتى أنها أسست لنواة حركة نسوية ظهرت بعدها ، نساؤها يحوّلن الحياة حلبة صراع بين الرجال والنساء حيث يرتفع الصراخ والصوت والمطالب النسوية ، وحيث إهمال تجميل الجسد ، ردة فعل مقصودة وواعية وتصدر عن خلفية واضحة أساسها أنّهن لسن للبيع ولا للشراء ولا للعرض .

بين الحركتين ، مسيرة فراسخ وعالم تتشظى فيه الأنثى وبالطبع بينهما نماذج وسطى لنساء أكثر اعتدالا وهن الشريحة الغالبة للمجتمع ، ولكن كلا النموذجين أثّر في عامة النساء بمقادير مختلفة و ساهم في خلق فجوة بيّنة بين جسد المرأة وعقلها وكأن قدر المرأة أن تكون مفكرة بجسد لا أنوثة فيه ، أو تكون أنثى بلا عقل .

ألسنا بعد هذا التشظي مطالبين بإعادة تفكيرنا في أجسادنا ، ووظيفتها وماذا يراد بها ، ولها ، خاصة أن بعض الجرائم التي تُسيل الدماء اليوم ، تحدث باسم الجسد وتحت مسمى زئبقي هو الحلم بحوريات الجنة ، أليست مواقع التواصل الاجتماعي عيّنة مستوفاة لذلك عندما دخلها المواطن العربي مع جرعة حرية زائدة وقبل أن يفك الارتباط بين غرائزه وعواطفه وثقافته ، فإذا هو يلهث وراء صور الجميلات ويتملّق هذه ويجامل تلك ويطلق اسم شاعرة وكاتبة وأديبة كيفما اتفق ، فقط لأن صاحبة الصورة حوراء عيناء أو بجسد غض أو قوام ممشوق؟ إن كل ترفع عن هذا الحديث ،واعتباره غير ذي جدوى هو من قبيل المكابرة لأنه كلما أقصينا الجسد في وعينا ، كلما عاد من بوابة خلفية ليراود أحلامنا وخيالاتنا .

2 تعليقات

  1. مقال في غاية الروعة والاهمية، روعة الشكل واللغة واهمية المضمون، النقطة الاساسية في النموذجين الذين اختارتهما الاستاذة Salha Hayouni ، انهما لايشكلان نمطا اجتماعيا عاما، الفنانة ومثيلاتها ليست سوى صور لاشباع الغرائز، وهن يعرفن تماما هدفهن ويعرفن كيفية الوصول اليه، ويعرفن ايضا انهن لسن صورة عن المرأة في المجتمع العربي، على عكس السيدة فيروز التي كانت صوت كل نساء ورجال المقاومة الفلسطينية ودخلت كل بيت عربي واصبح الاستماع لصوتها اشبه بعادة يومية على الاغلب صباحية، فيروز مع القهوة والشاي او في الطريق الى العمل مع الاحساس بجمال الصوت ممزوج بالاحترام لها ولفنها.. النموذج الاخر كان مدفوع بالفكر اليساري المناهض للثقافة الدينية وليس فقط ضد التجميل وبهدف المساواة مع الرجل، ولذلك لايمكنها مع انها اثارت اعجاب الكثيرين ان تكون نموذج للمراة او صورة عنها.. المهم والذي اريد ان اشير اليه هنا هو اننا كعرب لم نحدد بعد موقفنا من المرأة مثلما لم نحدد مواقفنا من اشياء كثيرة، ولذلك ترانا ننظر لها نظرة اكثر من ازدواجية، نريدها طائعة خانعة تلبي رغباتنا، ولكننا نتكلم عن حرية المرأة والحقوق، نريدها ملتزمة ولكننا نتمنى ان تكون صورتها كصورة نساء الغرب، ولكن على الا يشمل ذلك بيتنا.. تبقى صورة المرأة معنا مرتبطة بالجسد، لم نفكر يوما بعقلها وبامكانياتها وانا اتكلم هنا بشكل عام، ولكن بودي ان انقل لكم صورة عن المرأة في العراق في منتصف القرن الماضي والى ثمانينياته، فقد كانت صورة جميلة جدا ومتحضرة ومواكبة للعصر، في العطاء والابداع والعمل وفي نيلها لحقوقها ومساواتها في جوانب كثيرة للرجل، غير ان تراجع الوضع وترديه انسحب على المرأة اكثر مما انسحب على الرجل، فهي الحلقة الاضعف في مجتمع ذكوري اغلق الابواب على ريح التقدم والتحضر.. تحياتي لقلمك الجميل سيدتي صالحة حيوني..

  2. اقتحام جريئ لموضوع حساس و في غايةالخطورة وخاصة عند العرب .. العرب الذين اتخذو ا من جسد المرأة آلهة يسجدون لها فكانت اوثانهم : اللاة … العزى .. مناة …وحارسهن الشخصي هبل !!!!. العرب كانوا يعتقدون ان الملائكة اناثا … / ويسمون الملائكة تسمية الانثى … وجعلوا من الملائكة اناثا … / الجبلين اللذين يهرول بينهما الحجاج : الصفا ..والمروة.. و عرفه الذي يبيتون عنده.. اناث … حتى بيت الله يسمونه كعبة … العرب مهووسون بجسد المرأة .. اكيد انكم سمعتم وقرأتم على المواقع وكوكل ويوتيوب عن احد امراء الخليج الذي دفع مبلغ 16 ستة عشر الف دولار ثمنا لشراء قطعة ملابس داخلية مستعملة للاعبة التنس الروسية التي عرضت مقتنياتها في جمعية خيرية لجمع التبرعات للمصابين بالسرطان … المرحوم محمد حسنين هيكل قال / جلست مع الملك السعودي ( … ا) اكثر من ساعة لم يتحدث الا عن النساء !. تسيفي ليفني الصهيونية قالت انها حصلت على اسرار عربية خطيرة .. واموالا خليجية باذخة … وتنازلات عن قرارات من مسؤولين خليجيين وفلسطينيين خلال لقاءات سرية جمعتها بهم !… الاحصاءات تشير الى اعلى نسبة للتحرش الجنسي في العالم العربي موجودة في مصر مع ان نسبة 87% من المصريات محجبات !. علاج هذه الظاهرة صعب وربما مستحيل … اهنيئ الاخت الفاضلة صالحة على الجرئة والاسلوب الشيق الذي طرحت فيه موضوعة الجسد .

اترك رد