بمناسبة الذكرى الثانية و العشرين لرحيله


 

آخر مقالة كتبها ” جبرا إبراهيم جبرا ” .. كانت بطلبٍ شخصي مني

عام 1994 ، كنت عضواً في المجلس المركزي لإتحاد الأدباء و الكتّاب في العراق ، و مسؤولاً عن النشاط الثقافي فيه . في شهر ديسمبر من ذلك العام كان اهتمامي منصباً على أمرين رئيسين : الأول هو إقامة مهرجان ” السياب ” في مدينة البصرة ، كما اعتاد الإتحاد ذلك منذ سنوات ، في موعده المحدد ، و هو الرابع و العشرون من الشهر إياه ، حيث تتصادف ذكرى الشاعر الراحل . و الثاني هو الإستعدادات للمشاركة في المؤتمر العام للإتحاد العام للأدباء و الكتاب العرب ، الذي سيُعقد في مدينة الدار البيضاء المغربية في الخامس من يناير من العام التالي ، 1995 .

وسط ذاك الإهتمام ، إلى جانب النشاطات الثقافية الأخرى ، كان عليّ أن أحرص على الدقة في اختيار الأسماء المشاركة في مهرجان ” السياب ” ، من حيث أهميتها و فاعليتها الثقافية ، و أيضاً من حيث إضفاء لمسة طيبة على المهرجان من جهة علاقتها المباشرة بالشاعر . في هذه الحالة لابد من أن يكون اسم ” جبرا ابراهيم جبرا ” حاضراً في الذاكرة ، لما يتميز به من أسباب معروفة . لكنني آثرت أن لا تقتصر مشاركته على الحضور حسب ، بل أن يُسهم في تفعيل المهرجان ، بتقديم بحث أو مداخلة عن ” السياب ” . و من المؤكد أن مشاركة ” جبرا ” ستكون أكثر حميمية و دفئاً لو أنه تحدث عن ذكرياته مع ” السياب ” ، تلك التي لم يسبق له أن أثارها من قبل . هذه الرغبات حملتها اليه و أنا أزوره في منزله في ” حي المنصور ” . و قد وعدني بتلبية كل ما طلبته منه ، بمحبة عُرف بها ” جبرا ” تجاه الآخرين .

تعود معرفتي بـ ” جبرا ابراهيم جبرا ” الى العام 1979 أو 1980 ، حين التقينا في معرض للفن التشكيلي ( و كنت وقتها طالباً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد و محرراً ثقافياً في صحيفة ” الجمهورية ” ) و قد قدّمني اليه الصديق الناقد و الصحفي ” ماجد السامرائي ” . حصل ذلك بعد نحو يومين من نشري عرضاً نقدياً لكتابٍ ترجمه ” جبرا ” ، كان قد صدر حديثاً ، عن الشاعر الإنجليزي ” ديلان توماس ” . لحظتَها صافحني بحرارة و محبة ، ثم تبين أنه متابع لما أنشره من شعر و من مقالات أدبية و متابعات ثقافية صحفية و نقد في مجال الفن التشكيلي . و منذ تلك المناسبة انعقدت بيني و بينه أواصر محبة و تواصل ، و قد عرفت ـ منذها ـ أن الرجلَ متابعٌ جادٌ لما يكتبه الشبان ( أمثالي في ذلك الحين ) و قد ظل حريصاً على هذه المتابعة حتى وفاته . حدث ذلك التعارفُ الأول ليستمر و نغنيه ـ كلانا ـ باللقاءات المستمرة ، أكان ذلك من خلال المناسبات الثقافية التي تجمعنا أو المقابلات التلفزيونية التي كنت قد أجريتها معه ( خصوصاً خلال إعدادي و تقديمي لبرنامج ” فنون تشكيلية ” التلفزيوني ) أو زياراتي له في منزله ، بموعد أو بدون موعد . أو إهدائي كل كتابٍ جديد كان قد صدر له بعد ( ديلان توماس ) . و لعل اللقاء الأكثر دفئاً و حميمية ، و الذي قال ” جبرا ” أنه قد ترك فيه الأثر الأكثر عمقاً ، فيتمثل في الأمسية التكريمية التي أعددتـُها و أشرفتُ عليها شخصياً و قدمتـُها على قاعة إتحاد الأدباء و الكتّاب في بغداد بمناسبة بلوغه السبعين .

في تلك الأمسية حرصتُ على أن أصطحبه من منزله في حي ( المنصور ) الى مقر اتحاد الأدباء في ساحة ( الأندلس ) ، مصطحباً معي المصور ( صباح فنجان ) الذي صوّر تحركنا منذ لحظة إستعدادنا للخروج من منزل ” جبرا ” ، المزدانة جدرانه بلوحاتٍ له و لرسامين عراقيين معروفين ، حتى نهاية الأمسية التكريمية التي لا أحسب أن مُنصفاً لا يشهد بأنها كانت واحدة من الأمسيات أو الفعاليات الثقافية التي لا تـُنسى ، لما اتسمت به من حميمية و تحاور دافيء و إثارة ذكريات و مناقشات في قاعةٍ غصّت بحضور غير مسبوق ، فآثر من لم يحصل على مكان أن يسجّل حضورة واقفاً ، عدا الذين كانوا قد أقتنعوا بحصتهم بأن يطلوا برؤوسهم من بين أكتاف الواقفين ، و عدا الذين غصت بهم باحة الإتحاد الخارجية و اكتفوا بالسماع .
مع تواصل الإستعدادات لمهرجان ” السياب ” و اقتراب موعد انعقاده ، كنت على اتصال بالراحل ” جبرا ” . و قد أخبرني بأنه قد يحمّلني رسالة الى صديق له في المغرب ( لم يذكر لي إسمه حينها ) . و في الثاني عشر من الشهر (ديسمبر) كنت عائداً الى مقر الإتحاد بعد استقبال وفد أدبي روسي ، رافقنا فيها الراحل القاص و المترجم ” غازي العبادي ” . أثناء عودتي ، تلك ، رن جرس الهاتف في مكتبي . كان على الطرف الآخر أحد محرري صحيفة ( الجمهورية ) ، طالباً مني قول كلمة بحق ” جبرا ” . عندما استسفسرت منه عن المناسبة ، أخبرني أن ” جبرا ” قد رحل . أصابنا الإرتباك جميعاً حقاً . و لم ندر ماذا نفعل ازاء هذه المفاجأة المفجعة . بالنسبة لي بادرتُ الى الإتصال بمنزله ، فأكد لي إبنه ( سدير ) الخبر و إذ أخبرته بأننا قادمون ، فقد اتصلت بالصديق ” صباح فنجان ” أطلب منه الحضور الى مقر الإتحاد على وجه السرعة بصحبة كاميرا الفيديو . في منزله ، وجدنا الراحل مسجى ً في التابوت ، و قد انتهى كل شيء . و لم يبق غير رفعه و تشييعه الى منزله الأبدي . أثناء ذلك أسرّ إليّ ” سدير ” بأن الراحل قد ترك عنده مقالة لي عن ” السياب ” . و لا أعرف لماذا كان متردداً في تسليمها إليّ أول الأمر ، حتى اقتنع فيما بعد فأعطاني إياها . كنت قد طلبت من ” صباح ” تصوير مدخل المنزل أولاً ثم يدخل ليصور ـ في الداخل ـ اللوحات على الجدران و الرفوفَ الزاخرةَ بالكتب . أثناء ذلك رنّ جرس الهاتف ، فطلبتُ ـ على عجل ـ أن لا يردَّ أحد ، حتى يتم تصوير الهاتف و هو يرن دون أن يرد عليه أحد لتنتقل الكاميرا الى الجثمان : دلالة على أن الذي كان ينبغي أن يرد قد …. رحل . و كان ابنُ الراحل متفهماً لما أقوم به من اقتناص لحظة تاريخية ، ينبغي استحضار الفن لإقتناصها . لم نكن ندري لماذا كانت العائلة مصرّةً على الإسراع في رفع نعش الراحل الى مثواه الأخير ، و قد كنا ننتظر أن يحضر عدد كبير من محبي و أصدقاء ” جبرا ” و المعجبين به ، و هم جميعاً كثرٌ ، بل كنت أتوقع أن تخرج جموع المثقفين في العراق عن بكرة أبيها لتشييع هذا المثقف الفذ الذي أغنى الحياة الثقافية العراقية و العربية ، و هو الذي كان أحد أهم أركان حداثتها . ولكننا وجدنا أنفسنا بعد نحو نصف ساعة مضطرين الى رفع النعش انصياعاً لإصرار إبن الراحل . و على غير ما كنا نتوقع لم يكن عددنا ، نحن المشيعين ، ليتجاوز الأثني عشر شخصاً فقط ، بما لايليق بمكانة ” جبرا ” مطلقاً .

أثناء التشيع ، بالسيارات القليلة ، كان التصوير مستمراً ، حيث حرصتُ على أن يكون المصور جنبي في السيارة ، و أنا أوجّهُهُ ، كي يصور ما كنتُ حريصاً على تصويره من ساعة ” جبرا ” الأخيرة في الوجود . و في مقبرة ( محمد سكران ) الواقعة شمالي بغداد ، كان قبر ” جبرا ” جاهزاً ، الى اليمين من قبر زوجته ، الحبيبة ، ” لميعة العسكري ” ، و لم يبق غير الصلاة عليه ….. ثم أنزلناه الى القبر : الشاعر ” أمين جياد ” أنزله من جهة الرأس و أنا من جهة القدمين ، بعد أن صُف الحجر ، ليرقدَ على جنبه اليمين رقدته الأخيرة الأبدية .. و ليقرأ ( القاريء ) ، بعدها ، ( الوصايا ) على المَيْت . ثم ليُهال التراب عليه ، و تنتهي المراسم .. هكذا على الطريقة الاسلامية .

كل ذلك قد تم تصويره ، بحرصٍ شخصيٍ مني على تاريخية المشهد الذي يجب توثيقُهُ بالصوت و الصورة . و في أربعينية الراحل ، كنا ـ أنا و ” صباح فنجان ” ـ قد اكملنا مونتاج وثيقة فيلمية ضمّناها مشاهد من الأمسية التكريمية المذكورة . و قد أدخلتُ عليها مقاطع من السمفونية التاسعة لـ ” بيتهوفن ” . بعد خروجي من العراق ، عام 1997 ، علمتُ بأن ” صباح ” قد تعاون مع صديقي الشاعر ” خزعل الماجدي ” على كتابة سيناريو لِما كنا أنجزناه من قبل ، فحقّقا معاً فيلماً وثائقياً بصيغة أخرى ( لم أطّلع عليها حتى الآن ) .. و لا أعرف بعد ذلك ما الذي قد حل بما حرصتُ على توثيقه .

بعد اثني عشر يوماً على رحيل ” جبرا ” ، ابتدأت فعاليات مهرجان ” السياب ” في مدينة البصرة . و كان عليّ أن أترك على منصة قاعة الندوات كرسياً فارغاً طوال أيام المهرجان . و أعلنتُ أمام الجمهور أن : (هذا كرسي ” جبرا ” .. الذي لا يملؤه أحد ) . و توليت قراءة مقالته المذكورة بنفسي ، فيما كان أثر رحيله يخيّم على الجميع . ثم انفض المهرجان بعد أيام .. و سافرتُ الى المغرب دون أن أحمل معي رسالة ” جبرا ” الى (صديقه) ، و لا أدري مَنْ كان منهم ، من الأدباء أو الفنانين المغاربة الذين التقيت بهم هناك ، و ربما كان واحدٌ منهم هو المقصود …. ولكنه لم يكن يدري أيضاً .

و الآن ، و قد مرت إثنتان و عشرون سنة على رحيل رجل خلاّق أغنى حياتنا بالثقافة و الحكمة و الجمال و المحبة . لنــُـلقِ معاً التحية على ذكراه الطيبة ، وفاءً لِما تركه من إرث غزير و عميق .

المقالة
ــــــــــ
بدر شاكر السياب : بعد ثلاثين سنة
بقلم : جبرا إبراهيم جبرا
مهم ٌ جداً أن يُعاد النظر في شعر السياب بعد رحيله بثلاثين سنة ، بجيل كامل ، للتأكيد على مكانته في تاريخ الشعر . هذه المكانة الراسخة التي جعلته جزءاً أساسياً من (تراث) الأدب العربي الذي راح يتراكم بحيوية هائلة منذ منتصف القرن العشرين ، معلناً مرحلة جديدة من مراحل الحضارة العربية . و ليس لنا إلا ّ أن نتوسع في دراسته ، و نتعمّق في صوره الشعرية ، و رموزه ، و وشائجه الفنية المنبثة في كل اتجاه . كانت حياة السياب قصيرة ، ولكن مثيرة و قاسية معاً ، ضاجّة بتساؤلاتها ، و مكتظة بتحرقاتها ، كما بانجازاتها . و لنتذكر أن العديد من الشعراء العرب الذين اشتهروا قبله ، في النصف الأول من القرن ، لقوا في أثناء حياتهم أضعاف ما لقي السياب في حياته من التكريم ، و التنويه ، و الرفاه المادي ، ناهيك عن (العز) الذي تمتع به بعضهم . أما السياب ، فكان متمرداً من أجل رؤيته المتميزة المشفوعة بفهمه الخاص للتاريخ و الانسانية ، كما بفهمه للغة ذاتها و إمكاناتها التعبيرية . فكان جزاؤه جزاء كل متمرد : لابد من موته بشكل ٍما ، قبل أن تنتبه الأمة الى عبقريته و دوام حضوره . غير أن السياب ، إذا كان قد خسر الدنيا إبان سنينه القلائل من العمر، فقد كسب أولاً نفسه ، ثم كسب معها ذلك الخلود الذي لا يتيسر في كل عصر إلا ّ لعدد صغير من الأفراد ، ولأنهم أتوا بإضافة حقيقية إلى تجربة الإنسان ، و بالتالي إلى تاريخه الفكري . فالسياب اليوم ليس مجرد شاعر آخر عاش في حقبة الخمسينات و اوائل الستينات ، الغزيرة بعطاءاتها الإبداعية . إنه شاعر طاول بقامته شعراء الأمة في تاريخها المديد بكل ما قال و ابتدع ، و سيبقى رمزاً للتغيير الإنقلابي في الموقف الشعري ، الذي ساهم في إنقاذ الكلمة العربية من موات ٍ في اللفظ و الصورة دام سبعة قرون أو أكثر . فالشعر الجديد ، منذ حوالي خمسين سنة ، مدين للسياب في الكثير من نزعته المستقبلية ، و رؤيته التحررية ، و إصراره على مركزيته في مصطرع الفنون التعبيرية في الوطن العربي . و شعراء اليوم ليست مرجعيتهم الحقيقية إلا ّ السياب نفسه ، بالإضافة إلى كتابات مجموعة صغيرة من الشعراء و النقاد الذين عاصروه ، و كانوا أصدقاءه و شركاءه في رؤيا العصر . و تحوّلات القصيدة إنما هي الآن دوماً ممكنة ، لأن شعر السياب و زملائه جعلها كذلك قبل أكثر من ثلاثين عاماً ، بعد أن جمدت أشكالها و معانيها لقرون . فهذا الشاعر الذي انطلق بحماسه الجامح من أبي الخصيب والبصرة ، ثم من بغداد ، كان يعي أنه ينتمي في الأعماق الى ذلك الزخم الرافديني الكامن ، الذي بقي طوال أربعين قرناً من الحضارة يأتي بين فترة و فترة بمعجزات التعبير و الخلق التي تدفع بالإنسان نحو المزيد من الطاقة على الحياة و الإمتلاء بها ، و منح فيضها للآخرين في كل مكان . فنظرة بدر في كل ما كتب من شعر ، تتجه الى الأعماق في بحث لا يستقر، قلقاً و كشفاً ، و كثيراً ما توحي بأنها نظرة المصلوب من قمته التي تتناوشها الزوابع و العُقبان ، متجهة من تلك الأعالي المعذبة نحو المشهد الإنساني الممزق بمآسيه . إنها نظرة الغضب و الفجيعة التي تتحول دائماً الى مغزىً كوني ، يضعه في مصاف الشعراء الكبار في أية لغة . و ما حققه ذات يوم من تمّوزيات ، استطاع به الآن أن يحول الأسطورة من مجرد أقاصيص كادت تندثر مع الزمن ، الى رؤىً هادرة بقوى الإنبعاث لأمة بكاملها أمة مازالت تتهددها قوى الظلام و الموت ، و ما هذا الشعر الا ّ بعض من محفزات حيويتها . وعي السياب هذا ، الذي تطفح به قصائده ، هو الذي يعطيه ذلك الحضور القوي الدائم ، و يضعه في الطليعة من المبدعين الذين تفخر الأمة العربية بأسمائهم، الباقية ما بقيت العربية .

المقال السابقسنة راحت .. وعام جاي
المقال التالىالجسد بداية ، ومنتهى
هادي ياسين.. كاتب عراقي من مواليد البصرة ، و فيها أكمل دراسته الإبتدائية و المتوسطة و الإعدادية . تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة / قسم الفنون التشكيلية ـ جامعة بغداد . عمل في الصحافة الثقافية منذ العام 1978 لغاية هجرته من العراق عام 1997 . أعدّ و قدّم برنامج ( فنون تشكيلية ) من تلفزيون العراق للفت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد