اسلامنا . . العقد والأصلاح


 

لم تكن الأديان وسيلة الى التقرب من الله – الرحمة – العدل – السلام ، بقدر ماكانت وسيلة لأقامة صروح وبناء عروش وأمجاد لفئات محدودة من الناس دون الأخرى .

واسلامنا المجيد الذي يبدأ بالرحمن الرحيم ، والسلام عليكم ، وينطوي في مفاهيمه وشعائره على كل مامن شأنه اقامة حدود العدل والمساواة والوزن بميزان الصدق والتآخي والتراحم والتواد والتكافل واشاعة المعاني الأنسانية ، قد تم تحويله الى دين سلطة وممالك واتخاذه سبيلا لتتويج العروش والولاة والسلاطين الذين حولوه الى – دين سياسة – و- اسلام سياسي منذ انتهاء دولة الخلافة الأسلامية الراشدة لغاية يومنا هذا .وقد عبثت هذه الملوك والسلاطين وولاة الأمر بالأسلام حسب اهوائها وغاياتها ووظفت لأجل ذلك رجال الدين الموالين الذين يمتلكون الحظوة والأمكانية والمقدرة على خدمتهم ، حرفت ماحرفت وادعت ماأدعت لأجل هذه الأهداف ، اسوة بما حصل من تحريف وتبطين وتغليف للأحداث المتناقلة ولتاريخنا الذي تشوبه الكثير من علامات الأستفهام .

واذا كانت أوربا قد تمكنت من احداث (( ثورة )) الدولة المدنية على دولة الكنيسة والكهنة ، حيث قامت بعزل الكنيسة وتوابعها عن مجريات ومقتضيات الأدارة المباشرة لشؤؤن ومقادير عموم الشعب ، فنحن كمسلمين لازلنا نتأرجح في الفراغ واللاجدوى ، بين تطلعاتنا ، وبين معانينا الأسلامية السامية التي قرأناها في بواطن الكتب وأصبحت ككل القراءات التي لم تتمكن من تكييفنا وضبطنا ورسم عالمنا بما ينسجم مع هذه التعاليم ، وبين واقع الحال المتردي الذي يعيشه المسلمون ، منذ وقتذاك ولحد اليوم .
من هذا الباب سوف تتكون لدينا صورة لغرض الحديث عن (( اصلاحنا )) الذي ننشده وعن عقدنا الأجتماعي . ومن هنا أفتح الباب لنفسي لغرض طرح مأراه وماتوارد بذهني بخصوص مقالتي الأستاذين الفاضلين (( اسلامنا الخاص – للكاتب حسن متعب )) و (( الأصلاح والعقد الأجتماعي ح8 – للدكتور عبدالله العبادي ))

واعرب عن تقديري وامتناني للكاتبين القديرين وشكري العميق لهما على الأشارة لي واشراكي في هذه الحلقة من النقاش الذي نحن أحوج مانكون اليه ، واني اذ اتطرق للمقالين في آن واحد فذلك لأني أرى جدلية العلاقة والصلة الوثيقة بين الموضوعين .
التوظيف المغرض الذي تم وضع الأسلام به هو الذي عكس الأفعال والمآخذ التي سجلت عليه خلال هذه القرون الطويلة ، وهذا التوظيف هو السبب في تشويه الصورة الجوهرية للأسلام . فقد حدثت الكثير من الأفعال وحصلت الكثير من الوقائع التي تم تسجيلها على الأسلام وهي في حقيقتها وباطنها لأغراض سلطوية وأطماع تسلط وعروش تم فيها توظيف المعنى الظاهر والمحرف للتشريعات والطروحات الأسلامية واستغلال سذاجة وبساطة وجهل الناس ، وبالتالي عكست على مدى قرون وجها بعيدا عن الحقيقة لمعنى الأسلام ، وفي تاريخنا القريب نذكر مثلا كيف وظفت الأستخبارات البريطانية ضابطها ورجلها في الجزيرة العربية (( جون فيلبي )) الذي تم كنايته في جزيرة العرب (( الحاج عبدالله فيلبي )) وكيف كان يخطب في الحرم المكي في الدعوة لمناصرة مملكة ابن سعود. وهذا الكلام ينطبق على الكثير من الشرائع والأديان التي كان الغرض من توظيفها هو غير الفعل الحاصل والصورة الظاهرة .

وان القول بوجود أكثر من اسلام أو أكثر من وجه له هو قول بعيد عن الحقيقة ، والحقيقة هي وجود أكثر من فعل وأكثر من واقعة تتبنى أكثر من تحريف لتشريع ما لأجل غايات ما تسببت بتعدد الوجوه وخلط الصور .
أؤيد ماذهب اليه الكاتب في ان اسلام دولة الخلافة الراشدة يختلف عن اسلام الدويلات والعروش اللاحقة وهذا مرده الى تغير أغراض السلطان واختلاف الغاية لدى ولي الأمر للتطور والحداثة الحاصلة في كل حين . ان تشعب المذاهب الأسلامية لايعني تعدد وجوه الأسلام بقدر مايعني حالة صحية تحاول تبني عصرها والتحديث لبعض المفاهيم بما يجعل الأسلام حاضنة ممكنة ومحتوى ممكن للجميع . . هيهات أن نفهم ذلك ، وهيهات أن نفهم ان التاريخ الأسلامي على مدى 1400 عام قد كان مليئا بالصالحين والعارفين والعالمين بالأمور ، وكذلك الكثير من الثائرين والمجاهدين لأجل محاربة أساليب سرقة الدين وتحريفه لخدمة السلطان ، لكن الذي حصل هو غير ماكان يريده هؤلاء وغير ماكان يريده الأسلام في أصله وجوهره ، فحل التشظي والتمزق والفرقة والتناحر الذي تم تعميقه وتوظيفه لأجل غايات الحاكمين والولاة والذي أورث لنا التمزقات القائمة التي يتم اذكاء جذوتها بين الحين والآخر لأجل أغراض متعددة ومختلفة .

وبالنتيجة أصبحت صورة الأسلام مشوهة لدى العالم ، وأصبح اسلامنا (( بوجهه الذي شوهوه )) موروث ثقيل علينا . ومايحصل اليوم من أفعال وصنائع وبدع بأسم الأسلام ماهو الا وجه صارخ من وجوه توظيف الأسلام لأجل :- القضاء عليهكدين وفكر يحمل في معانيه (( التي أصبحت بعيدة )) كل معاني الأنسانية وعقدها الأجتماعي السليم – والقضاء علينا كأمة تطفو على بحور من الخيرات التي عانت ماعانت من أشكال النهب والتبديد وتحتاط بنا شبكة من المصالح والعلاقات الدولية والمآرب السياسية والأستيطانية التي تتبدل وجوهها في كل مدى وحين ، ونحن صاغرين وسط هذا البحر المتلاطم تجرنا أقدام الحكام والولاة والسلاطين ولانمتلك أي مشروع وأية رؤية . فداعش ومن خلفها ، وغيرها من الوجوه (( بكل تفاصيلها وأفكارها وصنائعها وشرائعها )) هي مرحلة من مراحل هذا التبدل في طريقة المؤامرة لأجل الوصول الى شرق أوسط جديد حسب المقاسات المطلوبة لأسرائيل وللغرب ، وهي شكل (( بعناية فائقة )) من أشكال التوظيف السياسي للأسلام التي ذكرناها يتخذ من العنف والأرهاب سبيلا لمآربه .
هذه التشابكات – بما تشعب منها – تؤشر الى عمق التردي الذي نحن فيه ، وقد أثرت تأثيرا مباشرا على مدنيتنا وحالت دون تمكننا من ايجاد دولة مدنية تمتلك مقومات النجاح والديمومة . ووجدنا أنفسنا كما قال الدكتور عبدالله العبادي (( في وضع حرب الكل ضد الكل )) ، وصارت تتجاذبنا التيارات والتناحرات الفكرية والسياسية والحزبية والطائفية والمناطقية مؤخرا ، وهذا هو الذي يشوه عقدنا الأجتماعي وعقد الأصلاح والبناء والترميم وسببا معوقا في سبيل قيام دولتنا المدنية التي تحتكم الى القانون – وكما قلت في مقالة سابقة (( القانون هو : المسطرة التي يصطف عندها الجميع لبيان مدى الأستقامة والأعوجاج لديهم )) ، وقد أثبتت الحكومات المتعاقبة علينا فشلها الذريع في انجاز ذلك لكونها حكومات أما عميلة تحتكم في أدارتها الى الخارج والى الأجندات المرسومة لها أو هي حكومات منبثقة من رحم التجاذبات والصراعات الأنقسامية القائمة وتعتاش عليها ، اذا ماتجاوزنا التجربة الثورية الفتية لثورة 1958 التي تم نحرها بعد فترة وجيزة لأسباب لامجال لذكرها الآن .

فبقينا مجتمعا يحكمه عقد الأعراف والتقاليد والنزعات ، وهذا برغم كل علاته لايخلو من خير كثير في باطنه لأنه قابل للبلورة والتطوير والتحديث والتوظيف الصحيح اذا ماوجد التوجيه السليم ورسمت له عملية (( ارضاع )) تجعله يتهجى ويتلمس خطوط التصليح والأصلاح التي ترسم له بصدق وعناية . .

وهذا يحتاج الى الكثير من اعادة النظر بكل منظوماتنا ومغذياتنا الفكرية والتربوية واعادة صياغة للوعي العام ابتداء من الخطوات الأولى في الأعداد والتربية .

لا تعليقات

اترك رد