أنشودة الحياة – الجزء الثالث (نص مفتوح) – ٥٤


 
(لوحة للفنان صبري يوسف)

يغمسُ الإنسانُ لقمَتَهُ في دنيا الرَّذائل
لا يتركُ رقعةً من وهادِ الكونِ
إلا مرشرشاً فوقَهَا
كلّ أنواعِ الوباءِ
ناسياً حدائقَ المحبّةِ
ناسياً هديلَ الحمائمِ
غائصاً في دنيا من رمادٍ

الأرضُ بركةُ البركاتِ
أنثى خصبة لا تشيخُ
تحمي الإنسانَ من أمواجِ البحارِ
تواريهِ
تغطِّيه من مغبَّةِ الأعاصيرِ
كنوزُ الحياةِ في بطونِ الأرضِ
شرورُ الدُّنيا مستفحلة في رؤى الإنسانِ

غربةٌ مريرةٌ تجتاحُ جسدَ الأرضِ
تصالَحْ أيُّها الإنسان معَ أُمِّكَ الأرضِ

آهٍ ..
لَمْ يتحوَّل الإنسانُ
عبرَ ملايينَ السِّنينِ
إلى إنسانٍ أليفٍ!

ظلَّ مرتشفاً ضحالاتِ الحياةِ
رامياً بذورَ المحبّة في وادي الجَّحيمِ

تلوَّنَ عبرَ العصورِ
بكلِّ ألوانِ الجَّفاءِ
تجاوزَ بألوانهِ مُكراً
ألوانَ الحرباءِ
إرتدى ثوبَ الثَّعالبِ
نبتَتْ بين فكِّيهِ أنيابُ الذِّئابِ

الإنسانُ ـ الأرضُ
قطبان مبتليان أيُّما ابتلاءٍ
ابتُلْيَتِ الأرضُ بالإنسانِ
وابتُليَ الإنسانُ بالإنسانِ!

يحملُ الإنسانُ رؤى سقيمة
يزرعُ في جبهةِ الصَّباحِ
أوجاعاً لا تُطاقُ
يحرقُ دون َ وجلٍ شهقاتِ النُّجومِ
عندما تداعبُ القمرَ
عيونٌ تلهجُ خلفَ السَّرابِ
تمطرُ ناراً حارقة
لا ترتوي من لذائذِ الحياةِ
عيونٌ جائعة
تائهة خلفَ الهشيمِ
لا تعرفُ جني الاخضرارِ
ولا عطاءَ الحياةِ

عطشٌ يكتنفُ أجنحةَ الإنسانِ
رغمَ بحارٍ شاسعةٍ من الماءِ الزُّلالِ!
يموتُ الإنسانُ
تاركاً خلفَهُ تاريخاً من لونِ الرَّمادِ
يرحلُ في عتمِ اللَّيلِ
عابراً تجاويفَ الظَّلامِ

الأرضُ ترحَمُهُ
تغطِّيهِ
تحمي عظامَهُ من تعفُّناتِ هذا الزَّمان

زمنٌ مكفهرٌّ
حاملاً شعارَ الظَّلامِ
آهٍ .. يا ظلام
مَنْ داسَ على هذهِ الشُّموعِ
ومَنْ كسرَ جذعَ الشَّمعدانِ؟!
تحملُ الأرضُ فوقَ كتفيها
ينابيعَ الفرحِ
ينمو فوقَ وجهِهَا رحيقَ الوجودِ
الأرضُ تحملُ فوقَ سفوحِهَا
أكوامَ الحنطةِ
أكوامَ الخيرِ والعطاءِ
ترفرفُ فوقها كلَّ الكائناتِ
ترتشفُ منها نسغَ الحياةِ
الإنسانُ أسمى المخلوقاتِ

آهٍ .. يعبرُ وهادَ الأرضِ
مُرَشْرِشاً كلّ أنواعِ السُّمومِ
على وجهِ أخيهِ الإنسان
أيُّ إنسانٍ هذا
لا يفكِّرُ بما هو آتٍ
يفكِّرُ بأنانيَّتهِ
بشراهتِهِ الوقحة

يخطِّطُ لذرِّيتِهِ
بجشاعةٍ مقيتةٍ
يلازِمُ الجَّشعُ أجيالاً لا تحصى
إنَّهُ زمنُ القحطِ

قحطٌ إنسانيٌّ يغلِّفُ صدرَ الكونِ
مَنْ يستطيعُ أنْ يستأصِلَ
كلّ هذا الجَّشعِ المستفحلِ
في عظامِ الإنسانِ؟!

عظامٌ مكسوَّة بأشواكٍ زرقاءَ

لا تعليقات

اترك رد