روسيا تريد استثمار التحولات العسكرية والاستفادة من الفراغ الأمريكي … لكن أين الأمن العربي؟


 

أوربا والعرب عصفت بهما أزمات، وهما منشغلين بسد الثغرات في مشروع كل منهما الخاص، فقارة أوربا عصفت بها أزمات الهجرة وخروج بريطانيا ما جعلها تفقد القدرة على التفكير بأسلوب استراتيجي، واكتفى العرب في اجتماعهم الطارئ المتمثل في وزراء الخارجية رفضهم لأي إجراءات ينتهجها النظام السوري أو حلفاؤه لإحداث تغييرات ديمغرافية.

عقدت منتديات عديدة من بينها منتدى الأمن السنوي في شيانغشان هو المكان الذي تتحدث فيه النحب العسكرية والسياسية في الصين مع العالم، كان البحث فيه عن أنموذج جديد من العلاقات الدولية، والرسالة البدهية هي يجب على الغرب الاعتراف بأن النظام القديم قد ولى وانتهى وحان الوقت للانخراط والاشتراك مع الصين في تصميم بديل يحل مكانه.

وكذلك عقد المنتدى الاستراتيجي العربي في دبي وهو مؤتمر يعقد سنويا أيضا من أجل استشراف آفاق الأوضاع السياسية والاقتصادية في العالم، حيث توقع إيان بريمر رئيس مجموعة يورو آسيا أن يكون عام 2017 عام عدم الاستقرار السياسي في أعلى مستوياته مشيرا إلى أن الولايات المتحدة في ظل رئيسها المنتخب دونالد ترمب من أهم مسببات هذه الحالة، لكن لم يخرج العرب بتفكير استراتيجي على غرار التفكير الاستراتيجي الذي خرج به منتدى شيانغشان في الصين بسبب أنهم لا يمتلكون قوة مشتركة ومنقسمين حتى في الملفات السياسية الساخنة خصوصا وأن روسيا نجحت في ترويج أن الغرب يريد أسلمة نظام الحكم في سوريا.
هدفت الولايات المتحدة بعد احتلال العراق عام 2003 إلى إظهار نطاق هيمنة القوة الأمريكية، لكن كشفت الأزمة المالية عام 2008 عن جوانب قصورها وعن جوانب الضعف في الرأسمالية الليبرالية التي بشرت بها الولايات المتحدة بأركانها الرئيسية، ما أسهم في التعجيل على ضرورة إعادة توزيع السلطة في النظام العالمي، مما أدخل الولايات المتحدة في عزلة دولية، وكانت النزعة القومية والشعبوية قاسم مشترك بين أوربا والولايات المتحدة.

لكن يدور في الكواليس حول مدى انسجام جديد بين القوى العظمى على غرار أعمال ميترنيخ في مؤتمر فينا في القرن التاسع عشر، أو ربما سلسلة من توازنات السلطة الإقليمية مع وجود الولايات المتحدة والصين في القمة، ما يعني أن هناك نظاما مضطربا تحت السيطرة سيتم استبداله بالنظام القديم، لكن المدرسة الواقعية أو البراغماتية التي تؤمن بالنزعة القدرية ترى أنه لا يمكن أي شئ فعله آجلا إن لم يكن عاجلا حتى يعثر العالم على نظام متعدد الأقطاب وعلى توازن جديد، حيث ترى هذه المدرسة ترك الدول تعمل على فرز مشاكلها والصراعات التي تعانيها لأن نوعا جديدا من التوازن سيظهر في نهاية المطاف.

الشرق الأوسط ملتهب وروسيا ترغب في إحداث انقلاب في تسوية ما بعد الحرب الباردة أي دخول زمن حرب باردة جديدة، فيما بؤر التوتر بين الدول العظمى هي في شرق آسيا، أي أن العالم وصل إلى نقطة مفصلية ما بعد القوة الأمريكية القوة المسيطرة بلا منازع، وبدأت سيادة القوة تثور وتتحرك ضد سيادة القانون، والنزعة القومية بدأت تثور ضد النزعة الأممية، فيما البعض يرى أن الاعتماد المتبادل في مجال الاقتصاد سيعطي الحل لهذه المعضلة، لكن البعض يرى أن التبادل الحر المسمى بالنظام الليبرالي الاقتصادي يعتمد بالدرجة الأولى على نظام الأمن العالمي.

من الأخطاء الإستراتيجية أن العرب لم تكن لديهم قوة عسكرية وحتى دبلوماسية يتمكنون من خلالها وقف احتلال العراق السد الذي منع تمدد إيران في المنطقة العربية، لكن نرى أن الإمبراطورية النمساوية الشهيرة ماريا تيريزا قالت أنا لن أسمح أبدا بتفتيت الإمبراطورية التركية، وقالت أتمنى ألا يشهد أحفادي من بعدي طردها من أوربا، بعد اضمحلال قوتها وبداية معاناتها من التحلل السياسي والعسكري التدريجي خلال القرنين الثامن والتاسع عشر.

ونصيحة الإمبراطورية تتعلق بالتوازنات الداخلية للنظام الأوربي بسبب تماس تركيا مع روسيا فضلا عن سيطرتها على مضيقي البسفور والدردنيل وبحر مرمرة الذي يربطهما، وهو الطريق الرابط بين البحرين الأسود والمتوسط، كل هذه الأصول السياسية والإستراتيجية جعلها دولة مهمة في النظام الأوربي، حتى وإن لم يكن لديها القدرة على الدخول في منظومة توازنات القوى كلاعب قوي مؤثر كما كان حالها في القرنين الخامس والسادس عشر حتى لا تصبح أوربا عرضة للصراعات والحروب كما كان قبل اتفاقية صلح وستفاليا عام 1648، وهو ما يترك فراغا سياسيا خصوصا وأن هناك ماردا روسيا يرفض أي تسوية تحدث بين تركيا والدول الأوربية.
بوتين على غرار القيصر بطرس الأكبر الذي انتشل روسيا من التخلف وأنشأ جيشا قويا يسانده أقوى أسطول يستطيع من خلاله مد نفوذ روسيا في ثوبها السياسي والعسكري وهو ما جعل الصدام بين الروس والعثمانيين حتميا من أجل السيطرة على البحر السود وفتح المجال أمام الأسطول الروسي للتحرك ما جعله يحتل مدينة أزوف على البحر الأسود وهو ما جعل أوربا تدعم تركيا بعد مشاركة تركيا في اتفاقية باريس عام 1856 التي أنهت حرب القرم بهزيمة روسيا على أيدي التحالف الفرنسي البريطاني العثماني، بينما بوتين يحاول ملئ الفراغ الذي تركته أوربا في رفض انضمام تركيا.

قبل احتلال أمريكا العراق عام 2003 كانت ولاية الفقيه لديها مشروع إنشاء دول داخل الدول العربية بدأت بحزب الله في لبنان بحجة المقاومة، لكن بعدما تسلمت العراق من أمريكا بدأت التمدد عبر وكلائها والحرب الطائفية والتغيير الديموغرافي، وسبق أن سجل التاريخ حالات مشابهة في العالم العربي خصوصا في القرن التاسع عشر في عهد والي مصر محمد باشا حيث كانت الأوضاع في مصر مضطربة بعد فشل الحملة الفرنسية على مصر والشام على يد محمد علي باشا وهروب نابليون بونابرت تاركا البلاد في حالة من الفوضى العارمة الذي أصبح اسمه مرتبطا بنهضة مصر الحديثة تمكن من القضاء على الدولة داخل الدولة التي تسيطر على مقاليد الحكم في مصر هي المماليك في عام 1811، وكذلك تخلص السلطان محمود الثاني من الانكشارية وهي تشبه ما يقوم به أردوغان في القضاء على الدولة داخل الدولة المتمثلة في غولن المقيم في الولايات المتحدة.

لكن دائما الصراع البيني يقود إلى إضعاف القوى الإقليمية فبعد أن قضى السلطان محمود الثاني على الدولة الانكشارية حاول استرداد سوريا من أيدي محمد علي باشا وهو ما أدخله في حرب مع جيشها في عام 1839 مما أسفر عن هزيمة ساحقة للعثمانيين في نزيب، وفي العام نفسه فقدت الدولة العثمانية جيشها الجديد واستسلم أسطولها طوعا لمصر، ومات السلطان محمود الثاني متأثرا بفشله.

لذلك نجد أن السعودية تواجه بمفردها الدولة داخل الدولة في البحرين واليمن وتحاول أن تجاهد في منع وجود دولة داخل دولة في العديد من الدول العربية في لبنان ودول عربية أخرى بجهود دعم الجيش الأساسي ليكون قوة قادرة على التصدي لقوة الدولة داخل الدولة.

يتركز تواجد روسيا وإيران في سوريا في تباينهما حيال التمسك بالأسد، رغم أن الافتراق مستبعد بينهما بسبب حاجتهما المتبادلة، لكن الصراع خفي تحت سقف التحالف، حيث دخلت إيران إلى سوريا لتثبيت موقعها إقليميا وللسيطرة على الشريط الإقليمي السوري العراقي والاقتراب من إسرائيل لاستثماره أيديولوجيا عبر حزب الله.

وتفيد التجربة بأن قوتين نافذتين لا تتعايشان على أرض واحدة بسهولة، وفي سوريا هناك تنسيق استراتيجي بين روسيا وإيران وليس تحالفا استراتيجيا، وهو ما يؤكد رفض بوتين ضم إيران إلى منظمة شنغهاي، وكذلك رفض الملالي الإنضمام في حلف مع بوتين، خصوصا وأن إيران يتنافس عليها قوتان هما الولايات المتحدة وروسيا.

ربما يكون الأهم أن تكون روسيا الجديدة بقيادة بوتين التي ضمت القرم واقتطاع جزء من شرق أوكرانيا وأطلق عليه نوفوروسيا بجانب ابتلاعه 20 في المائة من مساحة جورجيا لاقت اعترافا علنا من قبل إدارة أوباما، قد يكون لبث الطمأنينة في نفوس بعض الروس، حيث تدرك الولايات المتحدة وكذلك روسيا تقدير القوة الحقيقية لروسيا من المنظور الجيوسياسي التي تقتصر فقط في المساحة عبر قارتين بجانب أنها تمتلك قوة نيران ضاربة ما جعل الوحش الروسي الذي لا يمتلك قوة اقتصادية بل قوته الاقتصادية تمثل ثلث القوة الاقتصادية اليابانية، وأقل من نصف القوة الاقتصادية الألمانية.

ويأتي اقتصاد روسيا في المرتبة ال17 عالميا بإجمالي ناتج 1.267 تريليون دولار عام 2015 متراجعا من 2.2 تريليون دولار عام 2013، لكنه يعتمد على القوة الاقتصادية الصاعدة الصين اللذين استخدما معا الفيتو خمس مرات في سوريا من أصل سبع مرات استخدمت روسيا الفيتو بمفردها ربما لا يكون الوحش الروسي بهذه القوة الضخمة التي قد يبدو عليها خصوصا وأنه رغم مساحته الكبيرة لكنه عاشر دولة من حيث عدد السكان يأتي بعد بنغلاديش ومستقبله مظلم مع تراجع المواليد مثله مثل أوربا حيث يمثل نسبة السكان فوق 65 سنة نحو 20 في المائة وستصل النسبة عام 2050 نحو 30 في المائة، لذلك تسمى أوربا بالقارة العجوز، وهي تركز على الهجرة الانتقائية لمعالجة شيخوختها، لكن على النقيض في روسيا يتجه الروس إلى الهجرة إلى أوربا الغربية وأميركا الشمالية كل عام وتحويل أموالهم.

إذا تدرك الولايات المتحدة أن روسيا تستعرض قوتها وكما قال ريتشارد بيرت المستشار السياسي لرئيسين أميركيين سابقين بأن ترامب لن يسمح لإيران ولا لروسيا بالانتصار في العراق وسوريا، خصوصا بعدما أخرج بوتين بالتحالف مع تركيا الغرب من سوريا، وأننا نجد أن القوات الأمريكية بدأت العودة مرة أخرى إلى أفغانستان والعراق، ونجد أن الولايات المتحدة وأوربا يجددان العقوبات على روسيا لإضعاف اقتصادها المتهالك، وكذلك وضعت أمريكا عقوبات لعشر سنوات على إيران، ولا زالت روسيا تبحث عن مخرج ولم تعد الاختباء خلف أصبعها لكي تتجنب ردود الفعل المتوقعة وغير المتوقعة على ما جرى في حلب حيث تريد الولايات المتحدة لبوتين أن ينتحر سياسيا واقتصاديا، لأن بناء الأمبراطوريات باهظ التكلفة في وقتنا الحاضر أدركها أوباما بأن احتلال بوش الإبن العراق كان سبب في الأزمة المالية التي ألمت بأمريكا عام 2008، رغم أن بوتين يتجه نحو تعزيز قوة روسيا الضاربة النووية الذي سيكلف روسيا اقتصاديا أيضا في ظل اقتصاد متهالك حيث بدأت روسيا في التوسع في صناعة صواريخ اسكندر في مواجهة صواريخ الولايات المتحدة توهاموك.
ستكون إيران الفاشل الأكبر خصوصا وأن حكومة حسن روحاني قابعة تحت ضربات التضخم والفساد والبطالة والفقر الجماعي وهي غير قادرة على تنفيذ أهدافها الاستراتيجية في سوريا خصوصا إذا علمنا أن ترامب في الانتخابات كان يتحدث عن منطقة آمنة في سوريا وهي تزعج روسيا وإيران ويطاردها غضب جماهيري في الشارعين العربي والإسلامي وهي تكسب المعارك ولكنها ستخسر الحرب بل ومن المجتمع الدولي تجاه روسيا وإيران إذ أقرت الجمعية العامة آلية لمحاكمة المسوؤلين عن جرائم الحرب في سوريا، وهناك 53 دولة إسلامية أدانت النظام السوري وحلفاءه حيث اعتبر جرائم حلب ترتقي إلى جرائم حرب.

لم يتبق أمام العرب سوى تشكيل خريطة للتعاون العربي – الأوربي والذي اجتمع بالفعل في القاهرة وتوافق على ملفي ليبيا واليمن وأدن جرائم نظام الأسد الوحشية في حلب، وعلى العرب أن يدركوا أن معركة سوريا هي جزء لا يتجزأ من الهيمنة على العراق الذي يمتلك مخزونا هائلا من النفط ولن تسمح الولايات المتحدة لا لروسيا ولا لإيران أن يسيطران على العراق وربما يصبح العراق المعركة المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران في العراق وما جبهة داعش سوى جزء من هذا الصراع من اجل أن يصبح التدخل لمحاربة داعش حجة.

وسيكون العراق محل اختبار بين الولايات المتحدة وإيران في عهد ترامب مخالف لمرحلة التعاون بين الولايات المتحدة وإيران وتوقيع الاتفاق النووي الذي ترك يد إيران في المنطقة في عهد أوباما، خصوصا وأن في العراق هناك قوى شيعية وغير شيعية مناهضة لإيران، لذلك من الخطورة الانجرار نحو تسمية ما يدور حرب بين السنة والشيعة، بينما هي حرب بين مليشيات متطرفة أيا كان تسميتها بدعم مشاريع فارسية وروسية استغلت الفراغ الأمريكي استعدادا لرسم خرائط جديدة تحولوا إلى أدوات تنفيذ هذه المخططات الجديدة.

لا تعليقات

اترك رد