الفن والفلسفة التقاء الخطين المتوازيين


 

تعلم الّا تكون كاملاً
فرانسوا جول

قبل الدخول إلى ذلك الأفق مترامي الأطراف تجب علينا معرفة ثلاثة أمور:
أولها :ربط الفلسفة الجمالية بالزمان والمكان، بمعنىأن فلسفة الجمال ليست قوانين ثابتة، مطلَقة، بل نسبيّة، متغيرة، تبعًا للضواغط الداخلية والخارجية، وهو ما أكده هربرت ريد :الإحساس بالجمال يتسم بالمتقلب عبر الزمان والمكانفما هو جميل في زمان قد يُرى قبيحًا في زمان آخر.هذا الأمر يحتاج إلى بحث في معنى الإحساس بالجمال داخل الفنون، لا داخل النفس، حيث ننظر إلى التحولات الداخلية أكثر مما ننظر إلى أحاسيسنا تجاهها، نحتاج إلى قراءة زمكانية نستطيع، من خلالها، التعرف على أهم التحولات الإستاطيقية التي مر بها مصطلح علم الجمال، وهو ما يتناوله الأمر الثاني ومفاده،إقرار وجود تحولات استاطيقية مهمةتجب مراعاتها،وتجنّبالانشغال بالمعايير أو القوانين الحتمية للنظرة الجمالية، بمعنى آخر أن المعيار الذي تنشئه مرحلة لايكون، بالضرورة، صالحًا لمرحلة أخرى، وهو ما جعل أصحاب علم الفن العام، ومن ضمنهم “أوتيتس” يؤسّسون ذلك العلم على دراسة وصفية تستوعب شتى مظاهر الخبرة الجمالية، دون أن تصطبغ بأية صفة معيارية، الأمر الذي يأخذنا مباشرة إلى الأمر الثالث المهم، وهو أن الاختلاف والصراع والمكملات الجمالية التي تستند إلى إرث تأريخي حافل ومتفاعل، لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن ينظر إليهمنفردًاعلى شاكلة موضة العصر،لكنه يسير بالتوازي مع من الأحوال، أن ينظر إليهمنفردًاعلى شاكلة موضة العصر،لكنه يسير بالتوازي مع بقية الأفكار والفلسفات الأخرى بخط أفقي، فلكل مدرسة أسلوبها الخاص وأفكارها وفنانوها الذين مثلوا تلك الحركات الفلسفية، وهم ينجزون أعمالهم الجديدة، مع استمرار وجود من ينظر إلى الفن باعتباره محاكاة لمثال مُتَصوَّر، كما يوجد، في الوقت نفسه، من ينزع، بمنجزه، نحو الفكر التجريدي بإقصاء الموضوعي أو الغائيّة في الأعمال، أو من ينظر إلى المادة باعتبارها ركيزة للحكم الجمالي، وليس وسيطًا يتخلّق من خلاله. عليه فإننا سننخرطبذلك المعترك من تأريخ صراع الأفكار بمصطلحي (المعيارية) و(الإزاحة) اللذين مثلا تأريخ القطيعة المعرفية بدلا من التراكم المعرفي، الذي ساد تأريخ الفن حتى ظهور الحداثة، وقد أدت العلاقة الجدلية بين المعيار والإزاحة إلى دورة تتم فيها إزاحة المعيار، ثم لا تلبث تلك الإزاحة أن تتحول إلى معيار، حتى يؤدّي، بدوره، إلى إزاحة جديدة.

إن جدليّة ( المعيار والإزاحة ) تولد، بدورها، الجديد ( الذي سيصير إلى قديم ) ليصل الأمر بنا إلى تكوين عمارة غير متناظرة، لا متناهية، تبدأ من قاعدة وتتجه نحو خرقها ثم تكوين بناء فوقي يخرقها أو يزيلها، وهكذا نتّجه، شيئًا فشيئًا، نحو طبقات متعددة قائمة على أنقاض ما هو قديم ومستنفد السنن ، وهو ما أكده ، كارل ياسبرز، حينما قال: وهكذا ترتسم أمامنا الصورة التالية لتأريخ الفلسفة فليس ثمة غير حقيقة واحدة في ذاتها، صادقة في كل زمان، وهي ثابتة لا يمكن أن تتغير متماثلة مع نفسها إلى أبد الآبدين ، والمعنى الكامن في الحقيقة التي تم الكشف عنه لا يتوقف على عصر أو حضارة.

لا تعليقات

اترك رد