فلتعيشي كما ينبغي للإنسان أن يحيا


 

عندما يتوقّف قطار حياتكِ عند محطّة ما، في لحظة ما، قريبة كانت أم بعيدة، وتترجّلين منه منهكة متعبة، توبّخ عقلك وروحك وخزات عيون ترنو إلى حياة مضت، أو حياة قادمة. عندما تشتعل في داخلكِ الحسرة والحزن وربّما النّدم على قرارات خائبة، وآمال مندثرة في أهداف الغير. استرقي حبّة ضوء واقتحمي بها العتمة.

تراجعي خلف أسوار حيرتكِ واضطرابكِ وبؤسكِ، ومزّقي شرنقة سجنتِ ذاتك فيها بحجّة التّقاليد، والأعراف، والفهم الخاطئ، والصّمت غير المبرّر، والانسحاق أمام عنصريّة المجتمع المتباهي بتخلّفه وجهله. انطلقي إلى الأمام، نحو هدف تضعينه أنتِ نصب عينيكِ، بغضّ النّظر عن حجمه. لا تكترثي للمحطّة، لا ولا للجموع المتسائلة عن سبب التّحوّل والتّبدّل، انطلقي وحسب.
قد يكون الواقع أقوى وأشدّ قسوة من تجاعيد ارتسمت على قلبك قبل أن تلامس جفونكِ وتبهت جمالكِ. قد تكون الخطوة الأولى متعثّرة، مرتبكة، وقد تُمسك بكِ يداً خفيّة لتجذّركِ في مكانكِ. تفلّتي منها، من نفسك، وحرّري الإنسان المائت في داخلكِ، وأحيي أنفاسه واستمرّي.

قد تتساءلين، وتتردّدين، وتلجمين لحظة الوعي، وتبغضين لحظة حرّيّة، وتكرهين الدّقائق الّتي تأبى أن تعانق عقارب السّاعة وتعود إلى الوراء لترمّم ما هدّمته الأنانيّة، وما دمّره التملّك، وما أحرقه اللّوم والعتب، وما أسرته الذّاكرة واسترجعته كلّما ومض الدّمع في عينيكِ خفيةً. تمرّدي بهدوء على ذاتك أوّلاً، وإن لم يكن بالإمكان أن تفجّري النّور المحاط بالعتمة، كوني رسولة النّور والحبّ والجمال.
أتركي المحطّة، والنّاس، والألسنة، والعقول المريضة، والنّفوس المنخدعة والخبيثة، والأدوية، والطّبيب الّذي يردّد على مسمعك: “حاولي أن تسترخي”، وتجاهلي الواعظ الّذي لا يملك إلّا عبارة:”اصبري!”، ويخشى أن يقول: “تحرّري!”. أَصغي للّحظة الواعية، لقلبكِ المتعب من النّبض المنتظم، وحوّلي أنظاركِ إلى الهدف الّذي يناديكِ واسعي لتحقيقه طالما أنّك تتنفّسين.

لا تحسبي السّنين بحسب الأيّام والسّاعات، بل عيشي كأنّك تحيينَ أبداً، وارتشفي خلقاً جديداً يرتسم في عمق أعماقكِ. أعتقي جمالكِ الدّاخليّ وابتسمي، ولتكن مرآتك نافذة على المستقبل، مشرّعة على حلم وإن كان بعيداً. أكملي بما تبقّى منكِ، واستجمعي قواكِ وفكركِ وحبّكِ لتكوني أنتِ.

ابني عالمكِ في داخلكِ أوّلاً، وادّخري القوّة الكامنة في عمقك. سيأتي يوم تخرجين إلى آفاق أرحب وأوسع، وتحقّقين ذاتكِ وإنسانيّتكِ وتكونين “المرأة”، الّتي تحمل في ذاتها الكون بأسره. لا يغرينّكِ الكلام المستهلك عن الحريّة، عن الجمال الخارجيّ، عن الأنوثة المستهلكة. تحرّري في العمق، حيث الإنسان ينتظر الحياة. تحرّري لتعايني جمالكِ الحقيقيّ، وقوّتكِ المانحة. تحرّري، وافعلي ما لا تقوى بعضهنّ على فعله، وارتقي، وحلّقي.ولتعيشي كما ينبغي للإنسان أن يحيا.

لا تعليقات

اترك رد