الجزء الأول (نص مفتوح)

 
الصدى-انشودة-الحياة
لوحة للفنان صبري يوسف

إلى روح الشَّاعر المبدع
الأب الدَّكتور يوسف سعيد 

6
ارتبكَتْ قِطَّةٌ جائعة
عندما إندلقَت عليهَا شظايا
من أعماقِ اللَّيلِ

كيفَ تتحمَّلُ السَّماءُ
ضبابَ الشَّظايا؟

تقعّرَتْ رُوْحُ الأشجارِ
لكنَّها ما تزالُ شامخةً كالجِّبالِ

ماتَتْ طفلةٌ مِنَ الحزنِ
في زهرةِ العمرِ!

أمٌّ محتارة
تبحثُ عَنْ خِرْقَةٍ مُمَزَّقة
تقمِّطُ رضيعَهَا

حلمٌ ينمو بينَ جنباتِهِ الكوابيس
رؤى مهروسة ..
غارقة في البكاءِ
حزنٌ من لونِ قتامةِ القبورِ
حزنٌ يضاهي حجمَ المجرّاتِ
كيفَ تتحمَّلُ أيُّها الإنسان
كلّ هذا الاحتراق؟

غرقَتْ خشبةُ الخلاصِ
احترقَتْ وجنةُ الصَّباحِ
قبّةُ اللَّيلِ والنَّهارِ
احترقَتْ أجنحةُ الهواءِ
في عزِّ الحضارةِ
هل ثمَّةَ حضارة؟
تَبّاً لكِ يا حضارة!

لماذا لا يلملمُ الإنسانُ حبيباتِ الفرحِ
ويُرَشْرشُهَا فوقَ رؤوسِ الحمامِ؟
هلْ مازالَ تحتَ قبّةِ السَّماءِ حمامٌ؟
آهٍ .. من حلاوةِ الرُّوحِ تاهَ الحمامُ.

جَفَلَتِ القنافذُ هاربةً
من خفافيشِ الأرضِ
من غدرِ الثَّعالبِ
من رجْرَجَاتِ الصُّخورِ المنجرفةِ
فوقَ أجنحةِ الفراشاتِ

كيفَ تقاومُ أجنحةَ الفراشاتِ
الشَّرارات المندلقة
من حلقِ طيشِ الطَّائراتِ؟

ثمّةَ أسئلة عديدة
منبثقة من واحاتِ المخيّلة
تُجْفِلُ أسرابَ العصافيرِ!

ترتعدُ خوفاً قممُ الجِّبال ِ
حتّى أعماقِ الصَّحارى
لم تنجُ من جموحِ الشَّظايا
آهٍ .. أينَ أنتَ يا أمان؟!
لَمْ يَبْقَ على أجنحةِ
فراخِ الطِّيورِ زغبٌ
فرّتِ القبَّراتُ بعيداً

الرُّوح عطشى ..
فسحةٌ ضئيلةٌ مِنَ الْفَرَحِ
فسحةٌ صغيرةٌ لأسرابِ الهداهدِ
أينَ المفرُّ مِنْ وَمْضَاتِ البكاءِ؟

ثمّةَ خيطٌ حارقٌ
يتغلغلُ في تجاعيدِ الحلمِ
يريدُ العبورَ
في غاباتِ الذَّاكرةِ البعيدةِ
خيطٌ مشتعلٌ بالجَّمرِ
يعصرُ ظلالَ القلبِ
غير مبالٍ بدموعِ الرُّوحِ
المنسابةِ فوقَ خدودِ اللَّيل

خيطٌ غير مرئي
يعبرُ جنباتِ اللَّيلِ
خيطٌ كثيفُ الشَّراراتِ
يحرقُ دونَ رحمةٍ
قرونَ غزالةٍ برّيّة!

سقطَ غرابٌ من قمّةِ الجَّبلِ
لَمْ يَكُنْ معتاداً على القممِ

عندما نهضَتْ مِنْ نومِهَا
رأَتْ أفواجَ الجَّرادِ
تلتهمُ مؤونةَ الشِّتاءِ
مِنْ أينَ جاءَ كلّ هذا الجَّراد؟
قحطٌ مخيفٌ

يغلّفُ أعماقَ الوديانِ
عابراً السُّهول الفسيحة
المتاخمة لمرافئِ الأنهارِ!

هذيانٌ لا يخطرُ على بال
رؤى حالكة
داسَتْ فِي جوفِ عَتْمِ اللَّيلِ
حضارةٌ حُبلى بالهلوساتِ
هلوساتُ آخر زمن

رحلةُ الإنسانِ على كفِّ عفريت
نسى الأطفالُ عبقَ الياسمينِ
حضارةٌ تعتاشُ
على أنقاضِ الأساطيرِ
حضارةٌ مملوءةٌ بالوطاويطِ!

ذكورةٌ طائشة
بعيدةٌ عن لجّةِ الإبحارِ
في دنيا الفرحِ …

لا تعليقات

اترك رد