غادة السمان تنشر رسائل انسي الحاج بعد كنفاني : الحب يوما ما


 

في الكابوس رقم 171 من كوابيس بيروت ، يُجري الموتى في العالم الآخر محاكمة لميْتٍ جديد قادمِ اليهم بعد أن تمّ إعدامه بتهمة الخيانة ، وبعد استكمال إجراءات التحقيق والمحاكمة يقرر القضاة الحكم عليه بالاعدام أي : إرجاعه الى الحياة . على هذا النحو تنصُبُ غادة السمّان شِباكَها بين السياسة والموت والحب والوطن والمنفى والروح والجسد ، لتصطاد كائنات مركّبة مُغمَّضة لاتعلن عن هويتها ، كي نظلّ على ابواب قصصها وانطباعاتها ولغتها الماكرة نترقبّ صيداواضحا أو عملية كاملة ، أو جسدا صريحا ، او اعترافا له ثمن ، لاشيء من ذلك ،مما جعل عشاقها وقراءها الساهرين يُحصون أيام سنواتها، وساعات لياليها،وحبر اظافرها ، ووجهة انفعالاتها ، فيما تغرفُ هي من عواطفهم وجَريهم بينأسرّة الكتابة و مواطن الهروب وميادين الحرب، وتحوِّلُ ذلك بلغة لعوبٍ فوق العادةالى عالم واحد خليط من المجون والقداسة والجريمة والشعر ، لعبت به السمان لعبتها وأمسكت من قرْنيَ الحب والثورة برجولتنا المحتلة ، وأنثت اللغة تأني ثاشوفينيا شاملا ، ثم استدعت الرجال اليها كظلال ودلالات للاستيطان ،في غوايةنادرة قل نظيرها .

الى ذلك كم بي من التعاطف مع أنسي الحاج، الذي توهم ليونة غادة سلاما بلا جدران، ونارها المكتوبة جنّة تحت اقدام الشعراء ، وكم بي ايضا من الشماتة بشاعر كعادة الشعراء يكتبون في الحب ولايجيدونه ، وكأنها تشير لهم بلسانها ،الى ان كل شيء يُكتب يعيش الى الابد، الا الحب حين يكتب يموت ، وان كبار الشعراء العشاق ، قضوا جل حياتهم ولقاءاتهم الساخنة على الورق منفردين اكثرمما قضوها أحياء على الاسرّة .

شاعر بحجم انسي الحاج في كتاباته وحياته اللاحقة لزمن رسائله اليها ، لانجداثرا لغادة السمان ، لاشك كان ينتقم من صدود إمراة لاتعشق رجلا يسعى اليها ويعلن بحياء رجولي غير مثير، و بلغة مترددة في ساحتها – ان به حاجة اليها ،وقوله ايضا :

( الوضوح الذي أنا بحاجة إليه لم أقدمه. كنتُ أعرف أنني سأفشل فيتقديمه. لكنني أردت أن أجرب. أردت، لأنني أطمع بمشاركتك. أطمع بهاإلى حد بعيد جداً. لكن رغم هذا أعتقد أنني سأقول لك شيئاً واضحاً. وقبل كل شيء، هذا: إنني بحاجة إليك. (إذا ضحكت الآن بينك وبيننفسك سخرية من هذه العبارة، فسيكون معناه أنك لا تحتر من مأساتي.) وقوله ايضا :

(ولماذا، لماذا يخيّل إلي أنك تعرفين أنني صادق، ولكنك ترفضين أنتنساقي مع هذه المعرفة؟ ولماذا لماذا لماذا قلتِ لي ذلك المساء أننا لننلتقي أبداً ولن نفترق أبداً؟ هل تدركين معنى هذا الجزم؟ هل تدركين مدى تأثيره عليّ لو تيقنتُ نهائياً أنه صحيح؟ ألا تعلمين أنني… ألاتعلمين أنكِ، بهذا الحكم الذي يعني أننا كالخطّين المتوازيين كل منابجانب الآخر وليس لواحد منا أن يصبّ في الآخر – إنك بهذا الحكمتصدرين بحقي حكم الإعدام؟) – من رسائل انسي الحاج الى غادة- .

صِدْقُ العشاق المعتاد هذا وعذابهم وارتباكهم بالنسبة لغادة السمان ليس سوى مادة للكتابة الجماهيرية ، للناس الذين يدفعون مبلغا كي يقرأوا مقالا ،وليس سبيلا الى قلب إنثى ملتبسة ، قلبها مصهر لبقايا البنادق وقناني العطور الفارغة معا، لاتحيا بعشقٍ تعرفه، أو مع رجل يراها، فجميع الرجال (المكتوبون) في مشجبها مدعوون ظلالا ودلالات واشارات في النص الى عالمها الخليط ذك ،تقسّط عليهم رعشات الحياة التي تضخها بلا انتظام مع دم اللغة، تراقبهم وهميقرأونها ، أو تقرأ رسائلهم اليها ، بقلب لايقيّده سوى شاعر ثائر مغامر أحمق ،يكون أو لايكون، لتمتليء به . متوسدة قصائده ، غافية الى جانب بندقيته :

( كنت ممتلئة بك، راضية مكتفية بك … لم أقع في الحب، لقد مشيت إليه بخطى ثابتة، مفتوحة العينين حتى أقصى مداهما، إني واقفة فيالحب، لا واقعة في الحب، أريدك بكامل وعيي) غادة

ويكتب لها : (أنت من جلدي، وأحسك مثلما أحس فلسطين، ضياعها كارثة وغيابها دموع تستحيل معها لعبة الاحتيال).غسان

فتكتب له :

(أيها البعيد كذكرى طفولة، أيها القريب كأنفاسي وأفكاري أحبك،وأصرخ بملء صمتي: أحبك)- من رسائل متبادلة بين غادة السمان وغسان كنفاني – .

ليس عسيرا اذن معرفة اننا امام لعبة الحب التقليدية بين شخوص غير تقليديين ،احدهم يلعب بناره فيحترق وينكفيء، وآخر يدعي أنه رسوله ،أختير هدى للعالمين. ليقع الاثنان في كابوس آخر من كوابيس السمان وكيدها وأسئلتها، أيهما أعدل وأكثر أمنا الحقيقة ام الخيال؟ وايهما اشد عقابا الحياة أم الموت .

لذلك وبانصافٍ تام ، اذا كانت رسائل غسان وغادة المتبادلة ، فتحاً في الكشف عن سرّية حبّ بائن من الشجاعة والضرورة إشهاره مهما كلف الثمن ، فان رسائل أنسي الحاج غير المستجابة ، شأنٌ شخصيٌ فردي ، من السّادية نشرها ، وليسمن الأنوثة المفاخرة بالآلام التي تكتنف سطورها.

1 تعليقك

  1. نص جميل جدا للاستاذ د عبد الحميد الصائح وهو يلقي الضوء على بعض ما جاء في رسائل الحب العصي، ربما لم يكن القصد من نشر بعض الرسائل الغير مستجابة هو الشهرة بقدر ما اعتبارها اثرا ادبيا للناس الحق في الاطلاع عليه، وهو ما ذهب اليه السيدتين Salha Hayouni وسناء نصر وكذلك الاستاذ EL Arjouni والامر في كل الاحوال لايقلل من متعة النص الذي قدمه ابو لارسا في قراءته لطبيعة العلاقة بين الحاج والسمان.. تحياتي للجميع..

اترك رد