إنقاذ الثقافة العراقية


 

في لقاء مع الراحل الكبير محمد غني حكمت في عمان، صيف 2010 و كان قد انتهى من صنع مصغرات نصبه الاربعة التي هيأها لبغداد، و آخرها نصب انقاذ الثقافة العراقية. قال لي ان النصب الذي يمثل ختما اسطوانيا كتب عليه بالخط المسماري الذي ابتكره السومريون ” الكتابة بدأت هنا”، يبدو و كأنه سيقع و تتلقفه اياد راقية متعددة و تسنده معيدة اليه الحياة و الالق و الاستمرار. كان سعيدا بأنه سيساهم، ليس في تجميل بغداد، بل في مناشدة العراقيين بوجوب تضافرهم و العمل يدا بيد لانقاذ الثقافة العراقية التي حاول الاحتلال مصادرته من خلال تدمير المؤسسات الثقافية العراقية و في مقدمتها المتحف العراقي، فالثقافة قبل كل شيء حضارة و اسلوب حياة و ليست نتاج ابداعي فقط. كان محمد غني حكمت و الذي عمل لبغداد اجمل نصبها، يعمل ليل نهار لرؤية نصبه الجديدة شامخة في بغداده، لكن رحيله كان اسرع من انجاز العمل. كان تعبا و مريضا، و لم يتوقف عن العمل، فقط محاولا ايصال رسالة جمال الى العراقيين. تم وضع النصب في بغداد و اطلقت الصحافة على النصب الرابع اسم ( انقاذ العراق)، بينما محمد غني حكمت اسماه ” انقاذ الثقافة العراقية” و الفرق واضح بين الاسمين. و ها هم مئات العراقيين يصورون النصب و يتصورون امامه و تمر من امامه عشرات الالاف من السيارات يوميا مع ركابه، ترى كم شخص سيعمل كما حلم صانع النصب بالمحافظة على الثقافة العراقية بعد استعادة القه و قيمه، و بدورها، فان الثقافة بقيمها الجمالية الحقيقية كفيلة بانقاذ العراق. فالبلد، اي بلد، لا يمكن انقاذه دون جيل متعلم و يفكر بمنطق و علم الكفيلين بالوقوف امام الفوضى ( الخلاقة) و الفساد و الوعود الكاذبة.

كتبت متساءلة يوم افتتاح النصب في 2012 من سيسمع نداء الراحل الكبير من المسؤولين؟ من منهم سيمهد طريقا حقيقيا لاجيالنا القادمة. و يبدو ان كثيرين لم يسمعوا سؤالي !!

الثقافة العراقية التي ابتكرت للبشرية اول حرف. ذلك الحرف الذي بدأ منه التاريخ، تستحق وقفة جادة، وقفة عراقية واضحة لا تخشى الكشف عن نفسها و عن دورها نحو العمل لاتقاذ الثقافة العراقية بمفهومها الاوسع.

لا تعليقات

اترك رد