افطار دمشقيّ


 

سلمت نكهة يديك فقد كان إفطارًا دمشقيًّا حقيقيًّا، هذا الذي قدّمتِه الجمعة الماضية، شعرت بأنّك تمتلكين روحًا دمشقيّة أصيلة، أنثى حقيقيّة أنت بمزايا جديدة، لن أتعبك هذه الجمعة، سنحتسي القهوة مع حبّات من التّمر، فقد تركت النّافذة مفتوحة لقدومك في يوم عطلة آخر، كنت أشعر بأنّ طيفك سيتسلّل باكرًا إلى صومعتي، لذا صحوت لأستقبلك بدون أن يصعد الدّم إلى وجنتيّ.. نحن معًا.. وحدك من يقرأ أفكاري؟ يستحيل أن ينقطع تواصلنا الرّوحيّ رغم جريمة البعد حيث أضعنا بعضنا، ربّما لأن حبك يتغلغل منذ زمن في كل الخلايا والمسام وتلافيف الذاكرة، وربمّا أيضاً لأنّني أهتمّ بعلم ما زال في طور النّظرية والتّجربة، يحقّق التّواصل عبر مجال مجهول بين خلايا ذاكرة لدماغين متباعدين بالمكان، أحيانًا بالزّمان.
سأنتظرك فلدي ثقة أني سألتقيك، سأنتظرك كما انتظرتك من وراء الغيب قبل أن ألتقيك أول مرة، قبل أن تتعانق كلماتنا، قبل توحد الزنبقة البرية مع السنديانة العتيقة، أنا معك الآن في هذه اللحظات، أمارس التحليق في أفق عينيك، مرفأي الأخضر، أعلم أنّ الحياة تغيّرت كثيرًا، كانت أيّامًا جميلة تلك التي عشناها، أكثر من ثلاثين عامًا مضت على آخر عناق، ربمّا سيكون لنا عناق آخر ذات يوم.
كما أنت أنا.. سرّني جدّا هذا الإفطار الخرافيّ.. كنت مع زنبقة فواحة، أحتسي فنجان قهوة واحدًا ولفافة تبغ محلاة برضاب شفاهك، هي أشبه بوردة مخلوقة من لحم ودم، ما إن فتحت نافذتي حتى أطلّ عبق شذاك، أطل طيفك، ركضت لألتقيك بتلهف طفل، فأنا أنتظرك كعصفورة في كل صباح تحط على نافذتي، لكن قبلها أكون أنتظرك كل ليلة ملاكاً بأحلامي، طيفًا جميلاً يأتيني مع النسمات، نجوماً ترف من حولي.
في عتمة الليل أرسلت لك ملاكًا صغيراً يعيش في قلبي، قلت له: إياك أن تغفل عنها فهي زنبقتي البرية، هو ملاك صغير يفهمني لوحده، تستطيعين القول أنه هو قلبي، لذا سيسهر عليك كل ليلة، يغمرك بالحب والشوق والدفء.

كان وما زال صباحا حلوًا، عاد قلبي من رحلته إليك،كانت ترافقه العصفورة، حكى لي قصصك الجميلة، عن السّهب الخضر، عن أنوار ودموع. أهدتني العصفورة زهرة ياسمين صفراء فوّاحة، تتألّق في إحدى أوراقها رضاب شفاه وقبلة، شعرت بالغيرة من العصفورة، شعرت بالغيرة من قلبي، أليس الأصفر، بلغة اللون، دلالةَ الغيرة.
وضعت القهوة على جذوة نار هادئة، أخذت حمّامي الصّباحي، حلقت ذقني، رششت عطرًا، ارتديت ثيابي وربطة عنق مشتقّة ألوانها من تلّتنا الخضراء.. سنحتسي القهوة معًا، كم هي بضّة هذه اليد، وناعمة هذه الأصابع.. نسمات منعشة تهدهدنا، قطفت لك قرنفلة ورديّة من حوض النّباتات على النّافذة، زرعتها في شعرك المنسدل، همست لك: سنبقى اليوم معًا.
“رام الله 22/4/2005”
*من كتاب أطياف متمردة من منشورات دار فضاءات/ الأردن

شارك
المقال السابقعشتار
المقال التالىالخصوصية .. و الإدهاش .. والخريف السنوي 2016
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد