الفنان معتز الإمام ( السودان ) : بين ثقافة الفن ونضارة اللون


 

على خلفية أقرب ما تكون للإستثناء أتت معايشتى لتجربة الفنان و المثقف / معتز الإمام . تلك التجربة التى كنت دائما ما أجد في أركانها وطيات مراحلها ذلك المزيج المتوازن المقادير لخصائصها ، والذى كنت أشعر معه بذلك الخليط الغريب والمستمد من روافد علوم الحياة ومعتقدات النفس والذات ، والتقديس المتدرج لحسابات العقل من فكر ومفهوم وأولويات القلب من معتقد و موروث ، والإحترام المتبادل للمفاهيم والمرجعيات ، والولاء المحمود للأصول دون إنكار للمعاصرات والإستحداثات . والرغبة الدائمة فى البحث عن المثيرات للطرح من خلال الأخذ بالأسباب ، وتلك الطاقة على التكيف خارج حضانات الموطن والذى ما زال مصدرا للتشريع البصرى فى العديد من أعماله ، وعلى غرار لوحته الشهيرة ( النيل ) رأيت تجربته وأستنتجت روافد منابعها المتعددة ، ووجدتنى أبحر معها بين جانبى الوادى أقصد معها المصب ، والذى أتمنى أن يطول الطريق نحو بلوغه لأستمتع مع جريانها بأقاليمها الممتدة ، والتى تعج بتلك الخطوط والألوان الممزوجتان بذلك الفكر . فتجربة / معتز الإمام فى قوامها ترتكز على مفهوم الروافد والمنابع وما لهما من أهمية بالغة فى الحفاظ على منسوب قوة هدر وجريان مياهه ، وهى من التجارب التى أشعر معها بتلك العزوبة وهذه الطزاجة ، و التى رغم مخالفتى لبعض وجهات النظر مع فكر صاحبها ، إلا أننى أجدنى لا أختلف مع عموم قوامها . بل و أناصرها فى طرحها ، إيمانا منى بقيمتها و ثرائها وتجددها ونقاء جينها وإنتفاء صفة الجمود فى أوصالها . فهى تجربة بصرية وفنية وفكرية حقيقية . ترتكز على واقع بطعم الخيال .

وتجربة الفنان / معتز الإمام هى من التجارب التى تأبى أن تطرح منجزها البصرى دون تلك المسحات الفكرية والمفاهيمية ، فهى دائما تحمل وجهة نظر فى تناولها ، و تأتى التقنية من بوابات السهل الممتنع دون مبالغات زائفة ، وتشعر معها بإحترافية الآداء الحركى لضربات الفرشاة ، والتى تؤدى عرضا حركيا لا يقل فى مهارته قيمة عن عنفوان المفهوم . فالتجانس والتناغم بين الفكر و الموضوع والآداء لدى / معتز الإمام مرادف لذلك التجانس والتناغم بين الكلمة و اللحن والغناء . فنجدنا فى تجربته البصرية مجبرين على إختلاق مقابل سمعى للصورة ، يحمل تارة سرد الإلقاء وتارة لحن الغناء ، فلوحة / معتز الإمام من صنف تلك اللوحات المثقفة ، والتى تختزل فى داخلها مرادف سمعى يرافق الصورة ، و هى تحمل نوعا من الثقافة التراكمية الحقيقية و المتنوعة الطبقات ، وأعزى ذلك بكونها تجربة عكفت على ضبط معايير المثير الإبداعى لديها ، فهى أبدا لا ترفض مصدرا للإثارة الفنية والفكرية ، ولكنها تخضعها لمعاييرها الخاصة والتى وضع / معتز الإمام حدودها وفق محاذيره الفكرية والفنية والأخلاقية والثقافية التى ترسخ فى نفسه وذاته . وقد يرى البعض مشابهة ظاهرية بين منجزه الفنى من زاوية اللون مع غيره ، إلا أننى أجد فيها كامل المغايرة ، كما أجد فيها تلك الخصوصية عن غيرها ، و أجد فيها ميزة هامة و هى تعبيرها عنه شخصيا ، ومدى إعتزازه بذاته وأصوله ومرجعياته والتى إن كان قد تركها جغرافيا وراءه فى إغترابه ، إلا أنه حمل منها معه مقدارا من خلاصة عصيرها . والذى يرتشف منه كلما طاله الظمأ ، فيأتى نتحه حاملا شكل ولون ورائحة ذلك الأصل الثمين ، وقد يقصر المقال عن الإلمام بتدرج تلك التجربة الطازجة والنضرة . إلا أننى لا أستطيع الإمتناع عن التوقف فى بعض محطاتها الهامة والتى إستمتعت بقراءة مضامين متونها البصرية الدسمة والممتعة والمثقفة والتى عاينتها عن كثب .

وأجدنى أبدأ من تلك الصدمة الأولى بمطالعتى للوحة ( النيل ) الضخمة والبانورامية ، والتى أمتد طولها إلى مايقارب التسعة أمتار وأستعرض عرضها بما يقارب المتران . ذلك العمل الأيقونى فى تجربة الفنان / معتز الإمام ، والذى مكنه من الإستفاضة فى الحديث عن كيانه من خلال معلم هام وحيوى ورئيس فى مجتمعات حوض النيل . وقد دفعتنى تلك اللوحة إلى إجترار الشغف القديم بذلك النهر . من أين يأتى ؟ وعلى أى أرض يمر ؟ وإلى أين يذهب ؟ وقد أستوقفتنى تلك اللوحة كثيرا لما أشعرتنى به من تلخيص لتفاصيل الحياة الناتجة عن جريان هذا النهر العتيق . ومصدره تغذيته البعيد من روافد ( الزمبيزى / وروفوفو / ونيفا رونجو ) وحوض فيكتوريا العميق الناضح بلهفة الماء وثورته الهادفة إلى الجريان بالحياة . ومدى تحديها لمسامية تربات اللترات التى تمتص الكثير منها . وحرارة السهل الفسيح التى تسطو ببخرها على جانب أكبر من كمياتها . ولكن النهر يظل فى صمود فى جريانه قاصدا المصب ويتلهف إلى الممد الذى يأتيه من روافد الشرق الإفريقى ليستعيد شبابه ويسترد عافيته وقواه ليدخل مصر عفيا شابا يافعا حاملا إكسير الحياة ، لقد أتت لوحة الفنان / معتز الإمام لتلخص قصة النهر ودورة حياته فى سجع خطى وقافية لونية بديعة عكست ثراء تربة إفريقيا ، ولتحول الجغرافية بسهولها وجبالها وصحاريها إلى بقعة لون لا تمل العين من التجوال بين جنباتها والتوقف للإستمتاع بأجماتها وغابات أراضيها ، والإسترخاء على مسطح سهولها الممتدة ، وكسر جفوة صحاريها وصبغها بالنضارة والخضار . أتى العمل ليعلن من خلاله / معتز الإمام عن بلاده التى أتى منها ، وليستعرض من خلاله ثقافة اللون لديه ، ومهارة التناول لمثل الموضوع ، ومرونة الحلول المرتكزة على وعى وفهم بعناصر هذا المنجز التى تتلخص فى الفكر والموضوع والأداء ، وتعامل معه بتوازن بين حسه الفطرى وإحساسه بواقع النشأة وبين مكتسبات الدراسة الأكاديمية لطرق المعالجة والتناول وفلسفات الصورة واللون . كما حملت تلك اللوحة مؤشرا يظهر ما لديه من جرأة فى توقيع فكره على تلك المساحة وهذا المسطح الضخم ، والذى ناسب المشهد والموضوع وعبر عنه بإقتدار . وإن كنت أرى أن هذا العمل لم يحظى بفرصة حقيقية للعرض بما يناسب قيمته ومغزى طرحه ، إلا أنه إستوقفنى طويلا وغرس بداخلى الفضول فى إنتظار محطات معتز الإمام القادمة والتى إعتبرتها بمثابة معيشته على ضفتى هذا النهر ، وما تعج به حياته من أحداث تكون بمثابة مثيرات طرحه القادم .

أما محطتى الثانية والتى أعتبرها واحدة من أهم محطات تجربته الفنية ، وأولى توقفاتى عن كثب من تجربته ، وهو ذلك العرض الذى أسماه ( راديو ) والذى أقامه بالقاهرة فى نهاية ديسمبر 2013 بقاعة ( جاليرى مصر / الزمالك ) . ذلك العرض الذى أدهشنى فيه مصدر مثيره الإبداعى . وهو ذلك المذياع الدائم الصوت فى مرسمه والذى يلقى على مسامعه باقات الأحداث والأخبار والحكايات و يأتيه بموسيقات متنوعة ومختلفة ، وما تحدثه كل تلك الأطروحات السمعية من إستثارة لعالم التخيل والتى تتبع بجموح لا إرادى لجواد الخيال داخل كل منا ، وأعتبر أن فترة إعداده لذلك العرض كانت واحدة من ثلاث معايشات حقيقية لمبدعين إستمتعت بطرحهم وما زلت أفعل ، ولكن أفضل ما فى تلك المعايشة لتلك التجربة والتى كنت أتابعها بشكل شبه يومى . هو إكتشافى لمصور ماهر لديه مهارة الدمج بين التجريد والتعبير على خلفيات تجمع بين الدراسة الأكاديمية والثقافة الشخصية و جوانب المعانة الإنسانية المشفرة ( من أحلام وأمنيات وطموحات وتطلعات وإخفاقات وغربة وإغتراب ….إلخ ) تلك الجوانب الغير معلنة والتى تعج بها نفوسنا جميعا . كما كشفت لى تلك المعايشة لهذه التجربة جانبا خفيا من طرح عالم / معتز الإمام الصاخب بصريا ولونيا ، فقد وضعتنى تلك التجربة فى مواجهة مع عالم ( الأبيض والأسود ) لمعتز الإمام . ذلك العالم الذى رأيت فيه إمكانياته الفنية الحقيقية . ولا سيما تلك التى تعامل معها بحرية فرشاته فى تعاملها مع لونياته ، فأتت متفوقة على عالم ألوانه القوى والدسم ، وباتت تظهر جوانب الرشاقة فى تجربته الرائعة . وقد أتت نقاط اللون الضيقة والمحدودة فى أبيضه وأسوده بمثابة البصمة الجينية الخاصة به ، كما أوضحت تلك التجربة مدى وعيه بتوظيف التشخيص التعبيرى سواء للبورتريه أو لشخوصه فى كامل هيئتهم أو إجتزائها ، أوضحت مدى حساسية نقطة إلتقاء فكره ومفهومه مع فعل التصوير والرسم الظاهر على مسطح العمل ، وأدركت مدى ما يحدثه المثير السمعى فى تلك التجربة الطازجة . فمعتز الإمام واحدا من هؤلاء المبدعين الذين لديهم مهارة تحويل المسموع إلى مرئى . وهى تلك العملية التى لا تنجح أبدا بلا عامل مساعد رئيسى وضرورى لإحداث مثل ذلك النوع من التفاعلات الإنسانية . وهو العنصر الخاص بثقافة الإستيعاب . وأجمل ما أتت به تلك التجربة . هى تلك الصياغة التى تجمع بين البساطة والسهولة المنيعة فى المشهد المطروح . وقد أظهرت تلك التجربة الدسمة والهامة عنصرى الإرتكاز فى تجربة / معتز الإمام وهما الفكر والمفهوم من جانب والتقنية والآداء من جانب أخر ، وأجدها من أمتع الأطروحات البصرية التى طالعتها يوما . وإحدى التجارب التى تستساغ فى معظم المجتمعات على إختلاف تنوع ثقافتها وموروثاتها ومرجعيات مواطنيها .

وأتخطى فى إستعرضى الخاطف لتجربة / معتز الإمام عرضين أحدهما كان بقاعة ( قرطبة ) بعنوان ( شخصى ) ، والأخر فى مركز الابداع بالأسكندرية وهما العرضين اللذان أقامهما ما بين تجربته المميزة فى عرض ( راديو ) فى 2014 وعرضه الحالى فى قاعة ( أبنتيو ) ديسمبر 2016 . لما أجده فيهما من إمتداد طبيعى وضرورى لتجربة ( راديو ) المهمة . وأجدنى أمام تلك التجربة الحالية والتى أعتبرها صفة الجديدة والهامة ، والتى إستعاد من خلالها حيويته اللونية من خلال فكر أكثر نضجا وموضوع أكثر واقعية وكلاسيكية بالنسبة لكل المصورين . فقد رأى فى هذا العرض تلك الضرورة الملحة لصياغة ( المنظر الطبيعى ) بصورة تجريدية إحتل فيها التعبير مساحة جيدة . فبات الطرح تجريدا مهندما يحمل معاصرات الحلول و التناولات ، وتراكمية الطبقات وتراكبية العناصر ، ظهر العرض يحمل من مرحلة لوحة النيل وما تلاها نضارة الألوان وقوة حضورها وطغيان بهجتها ، كما حمل من مرحلة راديو وما تلاها تلك الرشاقة فى الصياغة ، وتلك الحنكة فى التقنية ، والخفة فى الإنتقال من مجموعة لونية لأخرى دون إحداث تلك الشروخ الصادمة لعين المتلقى ، وغلف كل ذلك ليحوى عرضا بصريا توثيقيا لجماليات المنظر الطبيعى الذى إستقدمه من قلب ذلك النقاء الذى إستحضره من طبيعة الجنوب الساحرة ، أتى بذلك الدفئ المحسوس ليعادل لسعات ديسمبر الباردة فى القاهرة ،

أتى هذا العرض ليعكس مدى سيطرة / معتز الإمام على طرحه . والذى قد يراه البعض متناولا من قبل . ولكنى أجد فيه التميز عن غيره . هذا التميز الذى أحدثه / معتز الإمام من خلال تلك الرموز والدلالات التى أتت صغيرة شبه مندسة بين حدود ألوانه تارة فى شكل خطوط مصفوفة وتارة فى شكل بقعة لون صادمة فى مجموعة متناسقة ومختلفة عنها . لتعبر عن مضمون محدد أو تشير إلى معلم بعينه يود أن يلفت النظر إليه ، ولكنه فى كافة الأحوال يلعب دور المرشد لقارب الإبحار الذى يعتليه المتلقى ، ويترك له حرية الإستمتاع بأجمات ألوانه وسهول أراضيه الفسيحة . أتى العرض حاملا ثقافة / معتز الإمام الحياتية والمدعومة بالوعى الأكاديمى لفعل التصوير وإستحضار وحشد كل تفصيلة تصلح لتكون خبرة تراكمية يذخر بها معدات صراعه مع المسطح . أتى العرض يحمل تنويعة من الحلول والمعالجات للمنظر و تراصف الأشجار وتداخل العناصر وإنسجامها ، كما أظهر تناولاته لمواقيت المنظر من الليل والنهار وتباينات درجات الإضاءة فى ساعاتهما .

إن تجربة الفنان / معتز الإمام هى إحدى التجارب الفنية الممتعة والدسمة والقابلة لتحقيق الطفرات النوعية على مستوى المشهد التصويرى بشكل عام . وهى أيضا من التجارب التى تحترم التجريب ولكن من خلال معاييرها الخاصة والتى تتناسب مع سياقها النوعى . وهى فى حالة إعلان دائم عن مكنونات فاعلها وثقافته فى التعامل مع مسطحة ، فتجربة / معتز الإمام تجربة تنتج طرحا مثقفا وموجها لمتلقى معادل له فى الثقافة ولديه القابلية والمرونة فى إحتواء المنجز بصريا وفكريا ، كما أننا نستطيع وصفها بأنها تجربة كريمة لا تغفل العوام من خلال ذلك الوجه المبهج والتى تعلب فيه التعبيرية دور المعادل البصرى لعمق المفهوم والفكر المطروح . فتجربة الفنان المثقف / معتز الإمام هى مقابل متعادل مع مفهومى ( ثقافة الفن ونضارة اللون ) .

1 تعليقك

  1. شكرا ياسر جاد على هذا المقال الذي انصف سفير الفن التشكيلي السوداني بالقاهرة معتز الامام والقى ضوءا على تجربته الفنية الجميلة المحتشدة بالمعاني والدلالات

اترك رد