شهية إيران تزداد شراهة ، و كل يوم تصطاد شباكها فريسة جديدة


 

إنه حديث الساعة، و لا أظن أن هذا الموضوع يغيب اليوم عن أي إجتماع أمني أو سياسي أو مخابراتي في بلادنا العربية، ماذا يحصل، و ماذا تريد إيران، و إلى أين تريد أن تصل في إحتلالها و في تجاوزاتها لحرمة بلادنا العربية و الإسلامية ..

بعد أن كانت بلادنا العربية مبتلية بوجود إسرائيل و نشاطاتها التوسعية و الإستيطانية، و أعمالها التخريبية و الإرهابية تجاه إخوتنا في فلسطين و عدد من البلاد العربية، كما يبدو فأن إسرائيل قد إنسحبت من الصورة أو الواجهة الأمامية لتتولى إيران مهام الإرهاب و التخريب و التدمير و التهجير و الإحتلال و الإستيطان و النشاطات التوسعية ..

و إن كنا نعرف شعارات حدود الدولة الصهيونية اليهويدية كونها تمتد من النيل للفرات، فأن حدود الدولة الفارسية المجوسية كما يبدو لا حدود واضحة و معروفة لها، على الأقل لحد يومنا هذا، فهي وضعت العراق في جيبها، و سوريا على الأبواب، و لبنان كذلك، و تحارب في اليمن ، و لها نشاطات تخريبية في الداخل السعودي و في الكويت و البحرين، و عيونها على مصر و عدد من الدول الأفريقية و الإسلامية ..

و كما يبدو فأن شهيتها لا يحدها حدود، و شراهتها تتمدد و تتوسع يوما بعد آخر، خاصة و أن الأحوال في عالمنا العربي و الإسلامي لا تسر عدو و لا حبيب، و الضعف يمتد و يتمدد في كافة أطرافه و نواحيه، بالمقابل فأن الوضع الدولي العام في المنطقة، كما يبدو يميل إلى تقوية إيران و تمكينها من تحقيق إنجازات على الأرض تساعدها في فرض إرادتها وقراراتها ، و تقوية نفوذها الديني و المذهبي و السياسي و الطائفي ..

و يكفينا إثباتا و تأكيدا لما أوردناه، أن نرى الجنرال الإيراني قاسم سليماني يتبختر و يتجول بكل راحة و جرأة و جبروت و هيمنة في جبهات القتال، في الموصل و حلب، و قبلها في الرمادي و الفلوجة كما أظن، و عدد آخر من المدن العراقية و الجبهات، و لسان حاله يقول أنه القائد الفعلي لتلك الجيوش، و لتلك العمليات، و لتلك الميليشيات، و لتلك الفعاليات، خاصة و أن النتيجة النهائية لها ستصب في صالح إيران و دعم وجودها على الأرض في هذه الدول و المدن ..
هذا التواجد لسيلماني لم يعد خافيا و لم يعد سرا، فبعد أن كانت القيادة العراقية تحاول مثلا أن تستتر و تخفي و تناور في عرض و مناقشة هذا الموضوع، و تدعي أنه كان في زيارة، و مرة أخرى أنه يعمل بصفة مستشار، فهو الآن بات علنا و جهارا يظهر في الصورة هنا و هناك دون أن يكلف أحدا نفسه التفنيد و الشرح و التوضيح، إن كان هذا تدخلا إيرانيا فاضحا، و تجاوزا لسيادة تلك الدول ..

بل أن الأمر وصل أن يكلف رسميا أو يتولى رسميا بالأحرى، لأن التكليف يأتي من سلطة أعلى، و أعتقد أنه الآن يمارس السلطة الأعلى في العراق بشكل خاص، حيث يقال أنه يتولى الآن قيادة العمليات العسكرية في بعض أجزاء منطقة الموصل، و ينسق و يوجه و يأمر الجيش و الحشد و الميليشيات، في حين بات معروفا الآن جيدا دور إيران و حزب الله و الحشد و عدد من الميلشيات العراقية الطائفية الأخرى في معارك حلب الأخيرة، أو ما يسمى بتحريرها ..

ما يؤيد و يثبت صحة قلقي و حيرتي، عناوين الأخبار و المواضيع و التصريحات الرسمية المنشورة خلال الفترة الماضية، مثلا أحدها يتساءل، هل مات ضمير العرب ..؟؟، في حوار و نقاش عن الضعف العام في الموقف العربي و القيادة العربية .. في موضوع آخر نجد عنوانا، كيف نجحت إيران في حشدها المذهبي و فشلت الدول السنية ..؟؟، في خبر نشرته إحدى الوكالات، مجلس التعاون لدول الخليج العربية تستنكر تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين، و التي هددت دول الخليج بالويل و الثبور .. و في خبر آخر، أن وزير الخارجية الإماراتي صرح بأن سياسات إيران التوسعية و تدخلها الدائم له الدور الأكبر بعدم الإستقرار في المنطقة .. و خبر آخر ، أن إستمرار التدخل الإيراني في شؤون المنطقة سيكون كارثيا على الجميع .. و خبر آخر، أن رئيس البرلمان العربي يدين تصريحات إيران العدوانية تجاه مملكة البحرين و اليمن ..

و هكذا، أظن إن موضوع إيران بات كابوسا مزعجا يـؤرق منام جميع العرب، في ليلهم و نهارهم، فبعد تجربة العراق و حربه الطويلة مع إيران و التي خرج بها منتصرا، ما عزز موقف الدول العربية كافة في مواجهة المد الإيراني و الثورة الإيرانية الفتية في حينها و قائدها الخميني، يأتي إحتلال العراق عام ٢٠٠٣ و من ثم إعدام رئيسه صدام حسين رحمه الله ليترك ثغرة كبيرة في جدار الأمن و الأمان العربي و الخليجي بشكل خاص ..

و هذا يظهر واضحا في التردي و التردد الكبير في مواقف الدول العربية و الخليجية، و حيرتها في كيفية مواجهة المد و التحدي و الخطر الفارسي، و كما يبدو أن إتفاقا ما أبرم ما بين الأمريكان و إيران، ربما يكون الإتفاق النووي المعروف جزء منه، إنتهت الأمور بموجبه ليكون العراق اليوم ولاية إيرانية، يـأتمر بـأمرها، لا سيادة و لا أمن و لا أمان له و لشعبه إلا ما تتكرم به الإرادة و الهيمنة الإيرانية ..

و كما يبدو أن إتفاقا مشابها ربما أعد بين إيران و روسيا هذه المرة بشأن سوريا، و ربما تؤول الأمور لاحقا لتكون سوريا ولاية عربية ثانية تحت الولاية و الإدارة الإيرانية كالعراق، و هذا ما لا نتمناه، لكن كثير من المؤشرات تدعم رأينا، فإيران أصبحت لها كلمتها فيما يتعلق بالأوضاع في حلب، و لها و لميليشياتها و جيشها صولات و جولات هنا و هناك، و فرضت إيران نفسها لتكون طرفا مهما له كلمته في أية مفاوضات دولية تخص سوريا، و لو قارنا جدلا و نظريا بين موقفي تركيا و إيران، دوليا و محليا، فيما يتعلق بقضيتي العراق و سوريا، لعرفنا فعلا قوة الموقف الإرياني و تداخله و تعقد مساراته ، و تعقد علاقاته و إرتباطاته بعدد من المواضيع في المنطقة ..

يشير الأكاديمي الأردني المتخصص في الشأن الإيراني الدكتور نبيل العتوم، في مقابلة معه، إلى أن إيران تمتلك مشروعا توسعيا عقائديا محوريا، تسعى لتطبيقه و فرضه على المنطقة، و تعتزم من خلال ذلك المشروع بسط نفوذها و هيمنتها، و يضيف أن إيران تتوسل في فرض مشروعها عبر أذرعها في المنطقة، كالحوثيين في اليمن، و حزب الله في لبنان، و الشيعة في العراق، و العلويين في سوريا، إضافة إلى سيطرة أقليات شيعية على مفاصل إقتصادية مهمة في المنطقة، و أكد العتوم أن إيران تتطلع لإحياء أمجادها الإمبراطورية السابقة، لتتمكن من خلالها بسط نفوذها، متوسلة في ذلك بالمذهبية الشيعية، لغايات التجييش الطائفي المذهبي ..

كما يرجع الدكتور العتوم نجاح إيران في مسعاها إلى ضعف الموقف العربي الرسمي، و سوء تقدير الأنظمة العربية لقوة إيران و قدرتها، منتقدا في الوقت نفسه سلوك أنظمة عربية رسمية في معاداتها لحركات و إتجاهات إسلامية معتدلة كان يمكن أن تكون أدوات فعالة ضمن إستراتيجية شاملة لمواجهة مشاريع إيران التوسعية، و دعا العتوم الأنظمة العربية الرسمية إلى التنبه جيدا للأخطار الإيرانية المحدقة بالمنطقة كلها، و التي لا يمكن مواجهتها و التصدي لها إلا بتحالف الأنظمة العربية السنية مع الحركات و الجماعات الإسلامية التي تمتلك عمقا شعبيا يمكنها من لعب دور محوري في هذا المجال ..

و هنا لابد من التأكيد على ضرورة معالجة التشرذم في المعسكر العربي الإسلامي في مواجهة المعسكر و المشروع الإيراني الفارسي، و لا بد من وقفة نتأمل بها حجم الصدع و التشرذم هذا، و التاريخ يعطينا نماذج كثيرة لخلافات بين الدول العربية و الإسلامية بعضها مع البعض الآخر، و بينهم و بين المنظمات و الجمعيات و الحركات الإسلامية حولها، و ما نعتقده أن هذا هو واحد من أهم أسباب الضعف في الموقف العربي الإسلامي، و لدينا نموذج حي و قريب هو المواجهة مع حركة الأخوان المسلمين و تحجيمها و محاربة أعضاءها في مصر و عدد من دول الخليج، و كذلك الحال بجماعات و منظمات إسلامية أخرى، و أعتقد أن على هذه الدول أن ترى حقيقة الخطر و من هو العدو الحقيقي لها، بدلا من إنشغالها في معارك و خلافات فرعية ثانوية ..

في نفس السياق، أكد الكاتب السعودي سلطان الجميري، أن إيران صاحبة مشروع عقائدي توسعي، تعمل عليه و تضحي من أجله، و تدفع الغالي و النفيس لتحقيقه، و لا تتردد و لا تخاف من المغامرات التي ترى فيها إحتمالية تحقيق أهدافها، في المقابل فأن مواجهة الدول الإسلامية للمشروع الإيراني الفارسي يتطلب شجاعة ذاتية، مع عدم الإتكاء على الدول الكبرى أو الركون إلى تنفيذ رغباتهم و سياساتهم في المنطقة، بالمقابل فأن إيران تمتلك قدرا كبيرا من إستقلالية سياساتها و قراراتها، و هي في تعاونها مع الدول الكبرى لا تسلم لها رقبتها، بعكس الدول العربية، التي تظهر كمستعمرات صغيرة لا يمكنها تنفيذ قراراتها حتى على مستوى أمنها القومي دون مشاورة أميركا ..

و ينبه الجميري أن الدول العربية لا يمكنها مواجهة مشاريع إيران التوسعية و هي في وضعها الحالي، و ستظل تتساقط الواحدة بعد الأخرى، لأنها لا تمتلك مشروعا واضحا موحدا صلبا، و لا تمتلك رؤية، و كثير منها تحمل أجندات مختلفة عن الدول العربية الأخرى، و وصل الحال بالبعض إستعداده التعاون و التعامل مع إيران ذاتها لتحقيق بعض المآرب و المصالح الآنية، رغم معرفتهم أن إيران تترصد بهم، و تنتظر سقوطهم و إصطيادهم ..

و في مقالة مهمة أخرى للكاتب مارتن جيلوف نشرت في صحيفة النيوزيلاند هيرالد قبل أيام، يشير الكاتب أن إيران تحاول أن تمد و تمدد قوتها و سيطرتها إلى داخل مدينة حلب بعد سقوطها و إندحار الجماعات و الميليشيات السورية المعارضة، و خروجهم من المدينة حسب الإتفاق الدولي، حيث يشير أن روسيا و تركيا إتفقتا و رعتا مخطط و عملية إخراج اللاجئين و المحاصرين في المدينة، في حين تعمل إيران على عرقلة هذه العملية في محاولة منها على فرض هيمنتها و سيطرتها على الأرض، و دعم القوات و الميليشيات العاملة تحت ادارتها و سيطرتها، و في محاولة منها للنيل ممن تعتقد أنهم من الثوار و الجماعات المناهضة لحكم الأسد و الذين سيتم إجلائهم من حلب تباعا، و الواقع أن ضغوط إيران و محاولاتها تجد لها آذانا صاغية سواء في روسيا أو أميركا أو الأمم المتحدة، مما يؤشر و يؤكد أن إيران تعمل فعلا على الحصول على أدوار قيادية و هيمنة و سيطرة على الأرض سواء في حلب أو سوريا بشكل عام خلال الفترة القادمة ..

و كما يبدو أن إيران لا تريد أن تضيع الفرصة هذه، و هي تشعر أن لها الحق في الحصول على ما تريده في الحاضر و المستقبل السوري، بإعتبار أن الفضل يعود لإيران أولا في إنقلاب كفة الأمور و الموازين لصالح نظام بشار الأسد خلال النزاع الطويل الذي يمتد لأكثر من خمسة سنوات، حيث أن النظام كان متوقعا سقوطه بسهولة منذ الأيام الأول للثورة لولا وقوف إيران و روسيا و العراق و حزب الله و عدد من الميليشيات الشيعية العراقية و حتى مصر مؤخرا إلى جانب النظام السوري، و تردد و تشرذم القوى الداعمة للثوار، مما أوصلنا اليوم إلى هذه النتيجة ..

و حسب التقارير و الدراسات، فأن لحلب الآن منزلة مهمة لدى إيران في محاولتها و خططها للحصول على موطئ قدم على البحر المتوسط، و ربما تكون حلب نقطة إنطلاق و ربط بين مناطق و مجالات مختلفة لتحقيق المصالح و السيطرة الإيرانية، مع الأخذ بنظر الإعتبار أن المعارك التي تدور الآن في الموصل، و في حالة سقوط المدينة و هيمنة إيران و أتباعها عليها، ستتمتع بموقع جغرافي سياسي لا يضاهى، خاصة و أن حلب و الموصل تعتبران من أهم مدن السنة العرب، و هما متقابلتان جغرافيا مابين العراق و سوريا، و يعتبران مركزان مهمان تجاريا و صناعيا و حضاريا و إسلاميا، و أعتقد أن إيران ستحقق العديد من المكاسب من خلال سيطرتها على المدينتين، كما يعتبر ذلك ضربة كبيرة و موجعة للعرب و المسلمين في المنطقة ..
و مما يؤشر على أن تطورات الأمور في سوريا و لبنان و العراق ربما لا زالت في بداياتها، صرح مسؤول لبناني أن إيران لا ترغب في وجود أي سني و أي نشاط و موطئ قدم سني في المنطقة المحصورة ما بين دمشق و لبنان، و هذا يؤكد أن هناك تغييرات ديموغرافية أساسها الدين و المذهب ستعمل إيران على فرضها في هذه المنطقة، و هي تنفذ كما يبدو وفقا لبرنامج و خطط موضوعة يتابع تنفيذها شيئا فشيئا ..

و حسب التقارير المعلنة، فأن هناك ما يقارب من ٣٠٠ عائلة شيعية تم جلبها من العراق لتسكن في منطقة درعيا أحدى أحياء دمشق، بعد أن تم إجلاء و إجبار المعارضة الإسلامية السنية على مغادرتها متجهة إلى منطقة أدلب قبل عدة أشهر، كما تشير تقارير أخرى إلى أن إيران تعمل على شراء العديد من الأراضي و الأبنية في مناطق قرب مقام السيدة زينب و المناطق الممتدة منها إلى الزبداني، و ترعى عملية نقل عدد من العوائل الشيعية ليقيموا في هذه المنطقة، هذا كله يتم بالتنسيق مع حزب الله الذي لديه قوة واضحة على الأرض في العديد من المناطق هناك ..

ما يمكن الوصول إليه و إستنتاجه، أن الأمور خطرة و حرجة جدا، و تسير من سئ إلى الأسوأ، و أن الهيمنة و السيطرة الإيرانية تسير و تنفذ وفق برامج و مخططات، بمساعدة و دعم و غطاء دولي، بالمقابل لا نرى أي بصيص من الأمل في أن نجد قوة أخرى موازية و مقابلة تحد من شراهة النظام الفارسي في طهران و شهوته التي لاتقاوم للإحتلال و الهيمنة و السيطرة على دول المنطقة ..

ما نخشاه فعلا، أن يكون الأوان قد فات على أي إحتواء أو تحسب، و أن الموضوع أصبح مسألة وقت لا غير، و إننا سنجد نفسنا يوما ، قريبا و ليس بعيدا، و العلم الإيراني يرفرف في أكثر من مدينة و عاصمة عربية و إسلامية، و نرى وضعا جديدا للعرب و المسلمين، يسيطر عليه العادات و التقاليد و السمات الفارسية الايرانية، و ربما لن نسمع الأذان كما تعودناه، و لن نرى الصلاة كما عرفناها، و ربما لن يكون هناك كتاب أو جريدة تكتب أو إذاعة و تلفزيون ينطق باللغة العربية، و سنجد العالم العربي و الإسلامي قد أصبح عالما إيرانيا فارسيا أعجميا..

أخيرا ، لا بد لي من القول، و لحالنا ، و ما وصلنا إليه، ” هل العيب فينا ، أم في زماننا ” ..؟؟، و كلامي موجه لكل العرب و المسلمين، و بالأخص قياداتهم ..

2 تعليقات

  1. مقالتك في الصميم أستاذ غسان . ايران في تقديري هي التحدي الرئيسي الذي يواجهه العرب حالياً وهي تنطلق بسُعار محموم لإنجاز مشروع الهيمنة بعد ان تم تمهيد الطري لها من قبل البلدوزر الانريكي منذ احتلال العراق ؛ يقابل مشروعها التوسعي مقفذعربي باهت مثل بهاتة الأنظمة العربية التي ان الوقت لإيداعها في متاحف المنقرضات . اخر الأسبوع ستكون لي مساهمة في تفصيل بعض جوانب المشروع الايراني وحقيقته وكيف استفاد من الدعم الامريكي وسيكون على خطى مقالتك باْذن الله . بوركت .

اترك رد