المبدع العربي بين الانصياع او الضياع


 

الموهبة ملكة يرزقها الله لمن يشاء من عباده ، فيها تتجلى القوة الفطرية البريئة المنبعثة من مضاجع الانا اللامسؤولةلأنها شيء من عظمة الوهاب الخلاق المبدع ، يبديها على مخلوقاته لتعلم بان من متعها بها اعلى وارقى مما قد يتصوره العقل…. سبحانه .
هي اذن ابداع ، والمبدع كما وصفه بيكاسو: هو وعاء ممتلئ بالانفعالات التي تأتيه من كل المواقع من اسماء من قصاصات الورق من شكل عابر او من نسيج عنكبوت … والمبدع لا يجسد الا مايرى ويسمع او يقرا ليخفف من ضغط الانفعالات والرؤى المتراكمة بكينونته بطرق قد تختلف حسب الشحنات المتولدة لديه من صدمات الشعر حينا او من الريشة احيانا ، وقد تسكنه الهواجس لتصدح صوتا شجيا او تشنف المسامع لحنا …..فالمبدع الموهوب يلفت الانظار منذ نعومة اظافره ، بطريقة تفكيره وتحليله للأشياء وبفضل تفاعله مع المؤثرات الخارجية التي تجدب ميوله الشيء الذي يخلق له صعوبات توافقية مع اقرانه ومشاكل عديدة مع ذويه .
السؤال المطروح اذن ، ما موقع موهبتنا وابداعنا العربي من الاعراب …. قد يكون من الخطاء الاعتقاد ان المبدع العربي هو ذلك المخلوق المحظوظ ، فمسار كبار المبدعين قد ترعرعوا داخل اوساط فقيرة بسيطة ،لا علاقة لها اصلا حتى بابجديات التكوين وبالأحرى الابداع ، همها الوحيد لقمة عيش للافواهالجائعة واقتناء لوازم اصطياد احرف وسط زخم من الاقران الذين يفوقون الاربعين في دهاليز الاقسام البئيسة، وفي غياب مناهج تربوية قمينة بخلق جيل معطاءـ وقليلون نعم قليلون هم من ترعرعوا داخل اسر لن نقول غنية بأموالها ولكن على الاقل بثقافتها وتنوع توجهاتها، الشيء الذي يخول لهم الارضية والمناخ الصحيح لنمو شخصيتهم واشباع حاجياتهم وتنمية طاقاتهم وميولاتهموفق اساليب معينة ، حيث يعيشون ردود فعل اهلهم مباشرة اتجاه محاولاتهم ـ من هنا يتأكد بان الوسط العائلي هو الفاعل الاساسي لابداء التفوق الموهبي وتنميته او احباطه وتدميره . فان حالفهم الحظ ستصقل مواهبهم بالتكوين الاكاديمي وهم قلة نادرة من الفئة الميسورة، اما المنحدرون من الفئة الفقيرة فان الموهبة لديهم مضيعة للوقت ولغو من الشيطان لن ينجو منها الا ذا عزم قوي ولن ينال شرف الرفعة الا من واكب وثابر وجاهد اما بطريقة انفرادية او بمساندة من لهم المام وعلم بقيمة ما يتمتع به هؤلاء الغرباء فطوبى لهم ،واعانهم الله على شق موج بحر الغرور والانغلاق بحر السماسرة واللوبيات الخفية من تعمل في الظلام كالضباع تستفرد بالضحايا التائهة المعزولة عن السرب لتنهش من لحومها بالاغتصاب وهتك الاعراض ، بل وترتوي من عرق جبينها لا تهمها القيم ولا النغم وانما جمع الاموال ولو على حساب الدمم، يغدقون عليهم ببعض الجنيهات ويثقلون كاهلهم بالمصائب والتوقيعات ، فيصبح المبدع رهينة ضغينة راكب سفينة لا يعلم متى ابحرت ولا الى اين اتجهت لان القدر القى به داخلها حينما اراد ان يسترق السمع من داخلها وان يشعل الشمع فرحا بموهبته ، بصوته بانشودته بلحنه بريشته فوجد نفسه محاطا بالمجانين لا يأبهون الانين كل حامل سكين يجبرونه على الانصياع ويرغمونه على الا يسال عن الدوافع لأنه حينها سيطفو لا محالة ، وسيخرج من الزبالة وستكتب عنه عناوين و ستعلق صوره في كل الاماكن ، حفلات هنا ومهرجانات هناك ، معارض بالوطن وخارج الحدود بتنسيق مع ….انشودة بأمسية شعرية يحضرها ابن الجيران … وسط الهول والبهرجة والمسكين لا يدري حتى ما يدور حوله … والا وهذا هو بيت القصيد سيطوى كالبساط الاحمر بعدما داسته ارجل من رضخوا .. سينشد اشعاره امام المرآة ويعرض لوحاته ان لم تهجره وينكره الالهام فوق السطوح … هذا هو حال المبدع الفنان في بلدنا العربي…. ان تعيش بفنك امر مستحيل ، لان ما سيقدم لك لن يطعمك حتى لليلة واحدة ولكن ستدفع الثمن غال جدا ولوقت طويل وحين سينتهي عرضك سترمى في القمامة…وان كنت شريفا ففنك لن يتعدى عتبة دارك لانك لست متملقا ولكن ان شاءت الاقدار قد تجد في طريقك من يدلك ويشد بيدك لترقى ويسطع نجمك ايمانا منه بالرسالة النبيلة للفن الاصيل، ربما لأنه مر من تجربتك وانعم الله عليه ،او لأنه من طينة اخرى غير طينة المنتهزين من يسعون للثراء ولا يهمه ان تبيت في العراء …
حسرة اكيد ،فيا ايها الفنان العربي إما ان ترضخ وتنصاع لتطفو…. او ينطفئ نجمك وتغفو…. لك الاختيار.

3 تعليقات

  1. التفاتة جميلة ورائعة للمبدع اشعاب بوسرغين، وهو يصف حال المبدع العربي في كل مكان، ومرة اخرى اود ان اشكره لانه وضعنا نحن ابناء المشرق بالصورة الواضحة لاحوال المبدع في المغرب، وقبلها كنت اظن ان هذه هي احوالنا فقط نحن في العراق ، ولكن على مايبدو ان الحال( من بعضو) كما يقول المصريون، على اية حال فان حقيقة معاناة المبدع العربي لاتختلف اجمالا عن معاناة المواطن العادي والاختلاف الوحيد هو المجال، فالمواطن العادي يريد ان يعيش بكرامة والمبدع يريد الكرامة لابداعه، الحال واحد والاسباب واحدة وطرق التغيير والاصلاح ايضا واحدة، لايمكن للمبدع ان يعيش كريما اذا لم يكن الشعب كله يعيش بكرامة.. تحياتي وسلم يراعك وابداعك اخي اشعاب بوسرغين..

اترك رد